فلنترك قليلاً الابداعات التي تتفتق عنها عقول صبيانية حمقاء، نزقة إن لم تكن غليلة، بخصوص إدارة أزمة دول الخليج التي نتأت من لا ـ مكان، وآخرها، بعد فصل ترحيل الأغنام والإبل، أن الدول الخمس (والمتضامنين معها، أي ليبيا وجزر المالديف وجزر القمر!) تدرس حالياً قراراً بمقاطعة ليس فحسب قطر، بل من لا يقاطع قطر! وأن ذلك ينطبق على السياسة كما على الاقتصاد. وأنه ستُخيّر الأطراف، دولاً وشركات، فـ"إما نحن وإما هم".. حتى يكاد المرء أن يشعر، بعد الدهشة والغثيان، بالتضامن مع تلك الإمارة التي لا شيء يحث على التعاطف معها، فآثامها تعادل وتوازي وتشبه آثام أقرانها الثائرين اليوم بوجهها، المعلِنين شروطاً للإخضاع التام والاستسلام، أين منها شروط الحلفاء على ألمانيا النازية المهزومة في الحرب العالمية الثانية.  
ولولا الخشية من تدهور عملي وعُنْفي مفاجئ قد يحدث في منطقة يخيم عليها الخراب أصلاً، ولولا الخشية على مصير مئات ألوف اللبنانيين والفلسطينيين وسائر العرب العاملين في تلك الدول، بسبب إجراءات انتقامية لأن عشيرة الواحد منهم (عفواً: دولته) لم تتخذ القرار الملائم، أو لأن هذه الحال كما هي قائمة تؤدي بالضرورة إلى الارتباك والخلل في الأعمال، حتى من دون انتقامات. ولولا الخشية من التلاعب الأمريكي بهذه الأزمة، ربحاً لصفقات بالمليارات ولمزيد من التبعية، وحتى كتسلية عظيمة.. لولا

ذلك، لعمّ فرح كبير من أن "يُطبِّش هذا الفخار بعضه".
وبانتظار المزيد من "الطرائف" من هناك، فقد مرّ مرور الكرام تصويت البرلمان الأوروبي مطلع هذا الشهر (مع الذكرى الخمسين لاحتلال القدس بعد هزيمة حزيران/ يونيو 1967) على قرار يعتبر أي نقد لإسرائيل موقفاً معادياً للسامية. جرى التصويت برفع الأيدي، وفاز بأغلبية ساحقة. وهو مشروع قرار تقدمت به جمعية صهيونية اسمها "التحالف العالمي لاستذكار المحرقة" ( (IHRA. صوّت الجميع لصالح القرار، من اليمين بكل تفرعاته بما فيهم أولئك المعادين فعلاً للسامية ــ ولكن المؤيدين لإسرائيل ــ و"الاشتراكيين"، وصوتت ضده مجموعتي "اليسار الموحد الأوروبي" و"الخضر". سيصبح بناء عليه كل نقد للاحتلال الإسرائيلي واقعاً تحت جرم يطاله القانون. وسيكون أول الملاحَقين "حركة المقاطعة وسحب الاستثمارات والعقوبات" (BDS) التي أزعجت كثيراً إسرائيل في السنوات الماضية، حتى اعتبرها قادتها "تهديداً استراتيجياً"، وعقدوا مؤتمرات شهيرة لوضع خطط معقدة لمجابهتها وصرفوا ميزانية عالمية لهذه الغاية. ولكن سيلاحَق أيضاً أي رأي ينتقد إسرائيل والصهيونية يمكن أن تحمله مقالة أو دراسة، على اعتبار أن "معاداة الصهيونية هي التعبير المعاصر عن معاداة السامية".. هكذا وببساطة تكاد تشبه في منطقها ومفرداتها بساطة معركة دول الخليج تلك، لولا التحضيرات الهائلة والجدية التي تقف خلف معركة إسرائيل القيمية والأيديولوجية هذه (قبل أن تكون اقتصادية بالطبع، فهذا الجانب ثانوي).
المزيد؟ قبل هذا التصويت بأيام قليلة، صوّت البرلمان التشيكي على قرار باعتبار القدس عاصمة إسرائيل، داعياً الحكومة في براغ لاعتماد القرار رسمياً والعمل بمقتضاه. صاحب مشروع القرار هو "السفارة المسيحية العالمية في القدس" (ICEJ) التي تعرِّف نفسها كأكبر منظمة مسيحية مؤيدة لإسرائيل في العالم، وهي تنشط في أفريقيا مثلاً بشكل كبير وعقدت مطلع العام في أبيدجان مؤتمرها لأفريقيا الغربية. في تشيكيا، صوّت 112 نائباً من أصل 156 بالموافقة، ثم تلا ذلك احتفال في كنيسة حضره سياسيون ووزراء تشيكيون وسفير إسرائيل.
لم يُلتَفت في حينه إلى هذا التصويت الذي وصفه أصحابه بأنه نتيجة أشهر من الجهد والاتصال بالنواب، وتشكيل "لوبي" ضاغط، الى أن وقع تصويت البرلمان الأوروبي بعده بأيام. التصويتان ليسا متطابقين بالطبع، فما يمكن إنجازه في تشيكيا ليس ــ بَعدُ على الأقل ــ معقولاً في بروكسيل. ولكن الملفت أن يحدث كلاهما في توقيت يواكب الاحتفالية الإسرائيلية الضخمة بـ"الذكرى الخمسين لإعادة توحيد أورشاليم"، أي لاحتلال القدس. وكذلك في أنهما يقطفان ثمار تلك الخطط الموضوعة (والمعلنة وليست سراً)، والمثابرة ومختلف وسائل "الاقناع"، وتلك الأخرى المتعلقة بالابتزاز.. والحبل على الجرار.