تمهيداً لاستقبال الرئيس الأمريكي في الرياض في20  و21 أيار/ مايو الماضي، حشد الملك السعودي بقية حكام بلدان "مجلس التعاون الخليجي" بالإضافة إلى كل من يستطيع استدعائه من زعماء بلدانٍ عربية وإسلامية. وروّجت أجهزة الإعلام السعودية إن القمم الثلاث المنعقدة في الرياض تحت شعار "العزمُ يجمعنا" ستتمخض عنها "قرارات هامة وتاريخية ينتظرها العالم كله".
كان واضحاً أن الجانب السعودي يريد أن يشكل لقاء الرئيس الأمريكي بالمشاركين في اجتماعات الرياض بداية لعهد جديد في العلاقة السعودية ــ الأمريكية. ركيزة هذه العلاقة هي مصادقة الرئيس الأمريكي على اعتراف الزعماء المشاركين بدور السعودية في قيادة المنظومات الخليجية والعربية والإسلامية. نجحت السعودية في إرضاء الرئيس الأمريكي. فبجانب تسهيل اجتماعه بهذا العدد الكبير من قادة الدول، استطاع الرئيس ترامب أن يغادر الرياض وفي حقيبته اتفاقيات تجارية واستثمارية وعقود بيع أسلحة ومعدات عسكرية تفوق قيمتها 400 مليار دولار أمريكي. ومن جهة ثانية، نجحت السعودية في أن تظهر أمام الرئيس الأميركي كما تريده أن يراها - أي كدولة قائدة لثلاث مجموعات إقليمية: خليجية وعربية وإسلامية.
 

"إعلان الرياض"
 

لم ترَ السعودية سبباً

لعرض البيان الختامي على المشاركين في اجتماعات الرياض لمناقشته والتصويت عليه.  فجاء "إعلان الرياض" معبراً عن اهتمامات الرئيس الأميركي وخالياً مما لا يتفق مع تصوراته. ولهذا أيضاً ركز البيان على إيران وخطورة برنامجها للصواريخ الباليستية، بينما خلا من أية إشارة إلى فلسطين وإلى الحروب والنزاعات المحتدِمة في مختلف البلدان العربية والإسلامية. علاوة على ذلك، جاءت صياغة بنود البيان الختامي لتعبر عن رغبات الطرفيْن الأمريكي والسعودي، وفتحت فتحت المجال لأن يفرض البلدان ما يريدان من التزامات عسكرية وسياسية ومالية وأمنية على بقية الدول المشاركة في القمة.  
كان يمكن لإعلان الرياض الأخير أن ينزوي في الأدراج مثل عشرات البيانات الختامية للقمم والمؤتمرات التي استضافتها السعودية أو شاركت فيها، وتباحث المشاركون فيها حول قضايا "مصيرية" واتخذوا قرارات "تاريخية". على غير العادة لم يحدث ذلك.  ولهذا تفاجأ مراقبو الأوضاع في الخليج بعد يومين من اختتام قمة الرياض بحملة إعلامية منسَّقة شاركت فيها أجهزة الإعلام التابعة للسعودية والبحرين ودولة الإمارات، للتنديد بتصريحات منسوبة إلى أمير قطر يستخفُ فيها بقرارات قمة الرياض. لم يُجْدِ النفي القطري نفعاً. وسرعان ما تفاقمت الأزمة بإعلان السعودية والإمارات والبحرين ومصر قطع علاقاتها الديبلوماسية مع قطر. وأعطت هذه الدول البعثات الدبلوماسية القطرية مهلة 48 ساعة لمغادرتها. تلا ذلك سلسلة من الإجراءات شملت إغلاق كلٍ من السعودية والإمارات والبحرين جميع المنافذ البحرية والجوية أمام الحركة القادمة إلى قطر، أو المغادرة.

 

فتحت الأزمة العبثية المحتدمة بين حكام السعودية والإمارات والبحرين من جهة وحاكم قطر من جهة أخرى، المجال لاستعارة عبارة شائعة لتوصيف "مجلس التعاون الخليجي" بأنه تجمعٌ لقبائل تملك رايات وطبول، وليس مجلساً لدولٍ تنتمي للقرن الواحد والعشرين.


وفي وقت لاحق أعلن عن إغلاق الأجواء أمام حركة الطيران القطري، وإغلاق الموانئ والمياه الإقليمية أمام الملاحة من وإلى قطر. كما منعت هذه الدول مواطنيها من السفر أو الإقامة في قطر ومنحت القطريين المقيمين أو الزائرين مدة أسبوعين للمغادرة.  
في البداية شمل قرار الترحيل آلاف الأفراد ممن ينتمون إلى ما صار يُعرف بـ "الأسر المشتركة" أي الأسر التي يكون الأب أو الأم من حاملي الجنسية القطرية. وبعد تذمر واسع، أعلنت كل من البحرين والسعودية والإمارات تخصيص رقم تلفوني في كل دولة يستطيع أفراد الأسر المشتركة الاتصال به لتقديم طلبات استثنائهم/استثنائهن من الترحيل!
 

تجريم التعاطف
 

في بيان غير مسبوق، أعلن النائب العام في دولة الإمارات إن "إبداء التعاطف أو الميل أو المحاباة تجاه قطر، أو الاعتراض على موقف الإمارات وما اتخذته من إجراءات صارمة وحازمة مع حكومة قطر، سواء عبر وسائل التواصل الاجتماعي بتغريدات أو مشاركات، أو بأي وسيلة أخرى قولاً أو كتابة، يعد جريمة". وأوضح البيان عقوبة هذا الفعل هو "السجن المؤقت من ثلاث إلى خمس عشرة سنة، وبالغرامة التي لا تقل عن 500 ألف درهم (135 ألف دولار)، طبقاً لقانون العقوبات وقانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات". وكذلك فعلت البحرين التي حددت العقوبة بالسجن مدة لا تزيد عن خمس سنوات والغرامة. أما السعودية التي حددت العقوبة بخمس سنوات سجن فضاعفت الغرامة المالية ست مرات إلى ثلاثة ملايين ريال أو 800 ألف دولار.
 

أزمة من طراز جديد
 

ليست هذه الأزمة الأولى بين العوائل الحاكمة في الخليج العربي، ولن تكون الأخيرة. فثمة نزاعات كامنة حتى بين الحلف الثلاثي الإماراتي ــ السعودي ــ البحريني. وفي منطقة غنية بمخزون الغاز والنفط، تستند أكثر الأزمات الخليجية إلى خلافات حول ترسيم الحدود البرية والبحرية. اعتمدت تسويات الأزمات السابقة على تدخل حاسم لطرفٍ خارجي ذي سلطة ووصاية، مثل بريطانيا حتى سبعينيات القرن الماضي، ثم الولايات المتحدة الأمريكية بعدها. إلا أن الأزمة الراهنة تختلف عن سابقاتها، فهي لا تتعلق بخلاف حول ترسيم حدود جغرافية أو مناطق رعي أو سقاية. ويزيد من تعقيدها غياب الطرف الخارجي الذي يملك السلطة والوصاية لفرض تسوية مؤقتة (أو دائمة) للخلاف القائم. فلم يعد لبريطانيا تلك الهيبة التي كانت تتمتع بها حين كانت تحمي العوائل الحاكمة في الخليج من نزاعاتها. أما الولايات المتحدة الأمريكية في عهد الرئيس ترامب فلا ترى في الخليج سوى سوق لترويج منتجات مصانع السلاح.
تختلف قراءات متابعي شؤوون منطقة الخليج العربي في تحديد نقطة البدء عند تحليل الأزمة الخليجية الراهنة وتداعياتها. ثمة من يعود إلى انقلاب الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني على أبيه في 1995 والمحاولات الفاشلة التي بذلتها السعودية والبحرين لإعادة الأب المخلوع إلى الحكم. وثمة من يشير إلى إنشاء قناة "الجزيرة" الفضائية في 1996 التي دشنت حرباً ما تزال مستعرة بين حكام الخليج للسيطرة على مجال الإعلام الفضائي.


 فضحت الأزمة الخليجية الراهنة "مفكرين" و"أساتذة جامعات" و"محللين" وغيرهم من ذوي الألقاب، الذين تم الترويج لهم نخباً في بلدان الخليج، إلا إنهم فشلوا في تجاوز الدور المناط بهم، دور شاعر القبيلة الذي ينْظم القصائد في مدح حِكمة شيوخها وعدلهم وحزمهم..
 

وثمة من يرى أن نقطة البدء الحقيقية هي تقديم قطر أراضيها في 2003 لتكون مقراً لقيادة المنطقة الوسطى الأمريكية ولعددٍ من القواعد العسكرية الأمريكية، وأهمها قاعدة العُديد الجوية. بل قد يجد بعض المتابعين شيئاً من الضوء في العودة إلى تاريخ المنطقة قبل إخضاعها للاستعمار البريطاني في بداية القرن التاسع عشر. ففي أوج الدولة السعودية الأولى (1744-1818)، كان آل سعود يهيمنون على مجمل الساحل العربي من الخليج، الممتد من الكويت حتى عُمان، بما فيه الأراضي التي تعرف الآن بقطر. تغير الحال بعد تدمير الدولة السعودية الأولى على أيدي التحالف المصري ــ البريطاني بقيادة إبراهيم باشا، فتحول ولاء مشايخ قبائل الخليج إلى التاج البريطاني. في غياب كثير من المعلومات، وبسبب تضارب ما هو متوفر منها، فلا يمكن استبعاد أيٍ من هذه القراءات.


الطريق من "عاصفة الحزم" إلى قطر


رأت السعودية في شن الحرب على اليمن في آذار/ مارس 2015 بداية لعصر جديد تكون وحدها فيه القوة الإقليمية الأقوى. وهي تسعى الآن بحزمٍ معلَن للحصول على مباركة الرئيس الأمريكي لهذا الطموح. لم تقدم تطورات الحرب على اليمن طيلة أكثر من سنتين ما يشير إلى قدرة السعودية بقيادتها الحالية على القيام بالدور الذي تطمح فيه. ولهذا يجد حكام السعودية، وخاصة ابن سلمان، بأن عليهم القيام بالمزيد. فهم اقتنعوا الآن بأنهم في حاجة لإحداث تغييرات سياسية واقتصادية واجتماعية غير مسبوقة وجذرية لإقناع الولايات المتحدة بأهليتهم كدولة إقليمية قائدة. وفي هذا السياق، تشكل خصخصة قطاع الدولة، بما فيه أجزاء من شركة أرامكو، أحد أهم الإجراءات في المجال الاقتصادي. وفي الجانب السياسي الإقليمي، يعلم القادة السعوديون أن من المطلوب أيضاً قبولهم الحلول "العقلانية" للقضايا العالقة، بما فيها القضية الفلسطينية. وفي هذا الجانب أيضاً تندرج الحاجة لمعالجة "نشوز" حاكم قطر.
إلا إن الرعونة السياسية التي دفعت بالسعودية إلى شن "عاصفة الحزم" هي ذاتها التي سرعت في تفجير الأزمة الراهنة مع قطر. وهي رعونة صورت لمتخذي القرار في السعودية إن معالجة موضوع قطر لا يتطلب أكثر من قطع العلاقات معها وعزلها عن محيطها انتظاراً لانقلاب قصْر تقوم به أطرافٌ طموحة من العائلة الحاكمة القطرية، تستدعي بعده تدخلاً عسكريا باسم "قوات درع الجزيرة".
 

وهَن "النخبة الخليجية"
 

فتحت الأزمة العبثية المحتدمة بين حكام السعودية والإمارات والبحرين وحاكم قطر، المجال لاستعارة عبارة شائعة لتوصيف "مجلس التعاون الخليجي" بأنه تجمعٌ لقبائل تملك رايات وطبول وليس مجلساً لدولٍ تنتمي للقرن الواحد والعشرين.   
بعد أسبوع من اندلاع الأزمة الأخيرة، وبعد فشل محاولة أمير الكويت للتوسط، ارتفعت أصوات دولية تدعو إلى التهدئة وتعبِّر عن القلق من أن يؤدي الحصار المفروض على قطر إلى أزمات إنسانية. لم تجد هذه الدعوات من يسمعها. بل لم يتحرك الأمين العام للجامعة العربية ولا الأمين العام لمجلس التعاون الخليجي لمعالجة الأزمة أو التخفيف من آثارها وإيقاف احتمالات تصعيدها. من جانب آخر فضحت الأزمة الخليجية الراهنة "مفكرين" و"أساتذة جامعات" و"محللين" وغيرهم من ذوي الألقاب الذين تم الترويج لهم نخباً في بلدان الخليج، إلا إنهم فشلوا في تجاوز الدور المناط بهم – دور شاعر القبيلة الذي ينظم القصائد في مدح حكمة شيوخها وعدلهم وحزمهم.   فبدلاً من التحذِيّر من مغبة التهوّر، وبدلاً من الدعوة إلى التهدئة عمد بعض الأكاديميين إلى منافسة الإعلاميين المتخصصين في كتابة مقالات التحريض وبث الكراهية. ولم يفرِّق هؤلاء بين الرغبة في معاقبة حاكم قطر المغضوب عليه وبين معاقبة شعبها ومحاصرته.
وعلى الرغم من مخاطر "تجريم التعاطف"، بادرت مجاميع شبابية من مواطني بلدان الخليج العربية إلى تنظيم حراك يدعو الى تحكيم العقل بهدف احتواء الأزمة ومنع تداعياتها، بما فيها التراشق الإعلامي، التي تقود المنطقة إلى قطيعة عدائية. تمثل الحراك في نداء تداولته وسائل التواصل الاجتماعي تحت عنوان "نداء: نحو الوحدة والديمقراطية والتنمية في دول مجلس التعاون". في ظل الأجواء المتوترة السائدة في منطقة الخليج، فإن هذه المبادرة مطلوبة وجريئة بكل المقاييس.