مع حلول وقت الغروب تكون خالتي قد شنّفت آذانها وسمحت لبؤبؤَي عينيها بالاتساع أمام شاشة التلفاز، فيما يخرج شبّان حيّنا في مجموعات صغيرة إلى رأس الشارع ليلتزموا ركنه، بينما يتوسّط خالي حديقة المنزل مفترشاً الأرض. ينتظر كل هؤلاء سماع الأغاني المنتجة في عراق التسعينيات، حيث صار للموسيقى اقتصادها البسيط بمعزل عن احتكار السلطة لإنتاجها في مؤسسة الإذاعة والتلفزيون.
تخضع خالتي لمزاج مهندس البثّ في تلفزيون "الشباب" الأرضي الذي يملكه عدّي، نجل صدّام حسين، والذي يُعِدّ مختارات من أغانٍ عراقيّة وعربيّة في وقت الغروب. ولـ"الأستاذ" (وهي تسمية عدي) بَصْمته في هذه المختارات، وسيعذّب بها مشاهدي قناته بتكرار أغنية يحبّها، وهي، بطبيعة الحال، ستكون سيئة كذوقه في ملبسه وحتّى تربية الحيوانات في منزله (كان يربي الأسود والنمور).
بالمقابل، سينصت الشبّان إلى أغانٍ يطلقها صاحب محل التسجيلات عبر مكبرات صوت إلى الشارع، أغاني جديدة يحاول استدراج الناس من أجل شراء أشرطتها، أما خالي الذي استعار مسجّلة صغيرة فيستمع إلى "كوكتيل" أغانٍ تصنّفها خالتي بـ"التافهة" على الرغم من رواجها.
 

شبح العدم
 

كل هؤلاء الشبان كانوا في عشرينياتهم ولديهم قصص حبّ. هو الحب الذي

ينزع إلى العدم. لا نهاية له، طويل طول الحياة في عراق الحصار، ويستحيل الزواج، في ظلّ هذا الوضع الاقتصادي المزري. يتلوّى هؤلاء ومن بجيلهم على ألحان الأغاني وكلماتها التي تعبّر عن واقعهم أفضل تعبير. تصير الأغنيات ملاذهم الأوسع لعراك الحياة المضنية التي تزداد فتكاً وشراسة.
في ذلك العقد من القرن الماضي، وقع سكّان العراق بين حجري رحى يطحناهم. الأول من تحتهم يزداد صلادة ويدور بسرعة ليدوّخهّم في دنياهم، أي نظام صدّام حسين، والثانيّ يكمل دور الأول ليأتي من فوقهم بهياج ويسدّ عليهم ما تبقّى من نور شحيح، اي العقوبات الاقتصادية التي فرضتها الأمم المتحدة على العراق عقاباً على غزوه الكويت وصنّفت الأقسى في تاريخ المنظّمة الأممية.
السكّان المطحونون صار أكثر من نصفهم تحتّ خطّ الفقر المدقع. الناس تشيّع موتى الأمراض العضال كما البسيطة جرّاء نقص الأدوية كل يوم هناك مئات الجنازات في شوارع البلاد. ويمكن تشخيص الهزال الذي يعانيه الرجال والنساء وهم يسيرون في الشوارع جرّاء نقص الغذاء. عائلات بأكملها تأكل وجبة وحيدة باليوم وتفكّر بفتات ما تبقّى منها لتقتاته في اليوم الذي يلي.
ووسط خطوط الفقر البيانيّة هذه التي تتحوّل إلى سهام في أجساد العراقيين، انمحقت حريّة التعبير، واحتكرت سلطة البعث الإعلام، وأُغلقت دور السينما، وتحوّلت المسارح إلى ملاهٍ ليلية، وتم تشفير الثقافة الرصينة شعراً ومسرحاً وقَصّاً لتتجاوز حبر الرقيب الغامق. أما الأغنية، فبعد أن كانت دعائية مكرسة لدعم حرب الثمانِ السنوات مع إيران في ثمانينات القرن المنصرم، فقد أخذت تعود إلى الناس من جديد. عودة فقيرة بمحتواها، لكنها كبيرة الأثر على الشبّان المتروكين بلا مستقبل في عراق "القائد الضرورة".
من هذا الواقع السديمي ستتعدّد ثيمات الأغاني. ستأخذ القضايا الاجتماعية مسارها إلى الموسيقى، سيكون للناس أغانيهم التي تعبّر عن آلامهم: طبقيّة تتمثّل أساساً بين محبيّن فقراء ومن عائلات غنيّة. الأمراض التي تضرب الأجساد ستقفز إلى الأغاني المصورة على هيئة أطباء ومرضى، ورحيل آباء إلى المنافي فيما أبنائهم يلتاعون في البلاد المطبق عليها باللون الكاكي الذي هيّمن على عراق البعث.
 

دورة الإنتاج المضنية
 

المغنّين الذين سطع نجمهم في ذلك العقد ينحدر الأعم الغالب منهم من عائلات مسحوقة، غير أنّهم بدوا كمقامرين وهم يبيعون منازلهم أو ما تبقّى من حاجيات ليسجلوا الأغاني في استوديوهات الصوت الخاصة المتهالكة. سيشرح الكثير منهم بفخر عن تلك البدايات التي حوّلتهم إلى نجوم، فيما سيبقى القسم الآخر منهم يسدّد ثمن مقامرته: الغناء.
كانت الخطوة الأولى لهؤلاء تتلخّص بالحصول على الأموال من أجل شراء اللحن والكلمات والذهاب بها إلى الاستوديو لتسجيلها، وبعد ذلك تأمين مبلغ آخر لتصويرها والحصول على "واسطة" أو دفع أموال أُخرى من أجل عرضها في تلفزيون "الشباب"، وينتظر المغنّي، إذا ما أحبّه الناس وإذا ما حقّق نجاحاً، فعليه فتح محل لنسخ أشرطة الأغاني وبيعها وتوزيعها.
 

  في ذلك العقد من القرن الماضي، وقع سكّان العراق بين حجري رحى يطحناهم. الأول من تحتهم يزداد صلادة ويدور بسرعة ليدوّخهّم في دنياهم، أي نظام صدّام حسين، والثانيّ يكمل دور الأول ليأتي من فوقهم بهياج ويسدّ عليهم ما تبقّى من نور شحيح، اي العقوبات الاقتصادية التي فرضتها الأمم المتحدة على العراق عقاباً على غزوه الكويت


اقتصاد الأغاني كان مرهقاً ويحتاج إلى كدٍّ وعناء كبيرين، وهو الذي سيجعل للصدق في أصوات المغنّين المعذبيّن بتسويق أنفسهم (حتّى لأولئك الذين لا يملكون موهبة كبيرة) طابعاً آخر في الأغاني التي انتجت في التسعينيات. علاوة على هذا، فإن الكثير من المغنين لن يلبس أقنعة ليمثّل مشاهد. فهو سائق لدّى سيدة تربطه بها علاقة، لكنها ستخونه في المقطع الأوّل من أغنية، ومن ثمّ سيظهر كمغنٍّ يحوطه راقصين استعراضيين بعد ثوانٍ.
لكن في الأنظمة الديكتاتورية طرق أسهل لتسلّق النجومية: مديح القائد! سيقامر بعض المطربين بصرف أموالهم على أغنية تمتدح صدّام حسين بدلاً من توجيهها للناس، متأمّلين أن تعجب الديكتاتور المتبختر، للحصول على عنايته في الاستمرار بالغناء من خلال فتح استوديوهات الدولة أمامه، ورفعه اجتماعياً بسيّارة حديثة، وربما أيضاً بشقّة أو منزل في وسط العاصمة بغداد، أو ستقذف به مغامرته إلى وادي النسيان السحيق.
 

ثيمات الأغاني
 

صحيح أن ظاهرة الأغنية التي تتحدّث عن فارق طبقي بين المحبيّن ليست بجديدة في العراق، خاصّة وهو المالك لإرث يساري فطري، سيتحوّل إلى ثقافة بعد تأسيس الدولة وصعود الحزب الشيوعي كممثّل للفئات الفقيرة.. صحيح كل هذا، إلا أن شاغل أغاني التسعينيات وهمّها هو تمثيل هذه الظاهرة، إن لم يكن في كلمات الأغاني، فعبر الفيديو المصوّر.
الحال، ستظهر أغانٍ مصوّرة تتحدّث عن علاقات غرامية مستحيلة بين شاب وفتاة. ستظهر طبقة مترفة من النساء اللواتي يلعبن على حبال قلوب الفتيّة الفقراء، غنيّات يعشن بمنازل كبيرة وفخمة ويدرن شركات، وستظهر أيضاً فتيات باحثات عن رجال أغنياء يتركن من أجلهم الحبيب القديم الذي يعمل نهاراً وليلاً من أجل جمع مال الزواج.
أغنية "هذا يا حب" لحبيب علي، التي أنتجت في النصف الثاني من التسعينيات تتحدّث عن شاب يسعى إلى أن تكمل خطيبته دراستها في الهندسة فيما يكدّ هو في بناء المنازل. إلا أنها سرعان ما تتركه لصالح شخص غنّي يعنفّها، ثم تعود إليه صاغرة ليشبعها تأنيباً على فعلتها. "لا يا قلبي" تدور حول القصّة نفسها، إلا أن الفيديو يبدو متأثراً بليبرالية الأفلام الأميركية التي تظهر شاب فنان من الطبقة الوسطى وقد أسس حياة رغيدة، بينما السيدة التي تركته تعيش في شراك الرجل المسن الذي تزوّجته. وسيظهر قاسم السلطان بأغنية "الما عنده منين يجيب" التي تتحدّث عن شاب لا يملك إلا روحاً يعطيها مهراً لحبيبته، وهي أغنيّة بإيقاع سريع وغير مترابطة الكلمات، ولا يتفق موضوعها مع موسيقاها، لكنها ستتحوّل إلى أغنيّة مفتوحة سيضيف عليها الشباب قصصهم واضعين إياها في لحنها.
وقد برز كريم منصور، ذو الخلفيّة الماركسيّة، بأغنية "تسأليني على حالي" لينتصر للفقر على أنه ليس عيباً، وأن بيوت الفقراء تعجّ بالعصافير والحب بين أفراد العائلة على العكس من قصور الأغنياء التي "تسد عين الليالي"، وهي الأغنية الأكثر وضوحاً في الحديث عن الفقراء والأغنياء، معدّدة مناقب الفقراء ومُدينَة واقع الأغنياء.
 

العراق الذي أخذ يفقد كلّ القيم نتيجة لإلغاء التعدديّة السياسيّة، انحدر في التسعينيات. وسيبرز هذا الأثر على المرأة التي تتحوّل إلى شخص مُدان في الأغاني، تعذّب الرجل وتخونه وتحقّره، بينما لم تبرز بالمقابل أي امرأة مغنيّة لتعادل هذه الكفّة. وكان يساعد في غياب المطربات هيمنة عدي الفنية والثقافية، وهو الذي يستعبد المغنّين في حفلاته ويهين المطربين والمطربات.
 

العراق الذي أخذ يفقد كلّ القيم نتيجة لإلغاء التعدديّة السياسيّة، انحدر في التسعينيات. وسيبرز هذا الأثر على المرأة التي تتحوّل إلى شخص مُدان في الأغاني، تعذّب الرجل وتخونه وتحقّره، بينما لم تبرز بالمقابل أي امرأة مغنيّة لتعادل هذه الكفّة. وكان يساعد في غياب المطربات هيمنة عدي الفنية والثقافية، وهو الذي يستعبد المغنّين في حفلاته ويهين المطربين والمطربات. وعلى هذا الأساس سيبدو ذاك العقد منتصراً للرجل في الأغاني.
بيد أن ظواهر وحالات كانت تضرب المجتمع أخذت طريقها أيضاً إلى الأغاني، مثل فقدان الحبيبة بسبب المرض، وخاصّة السرطان الذي تفاقم من دون أن يكون له علاجاً في المستشفيات العراقيّة نتيجة فساد ملف النفط مقابل الغذاء، الذي تشارك نظام صدّام حسين والأمم المتحدة في أن يكون أثره بالغاً على العراقيين. سينتج حبيب علي أيضاً أغنية "وين أنت" التي تشبه رثاء لحبيبته التي أختطفها الموت، وباسل العزيز، الذي بدأ مبكراً وحظي بسخرية كبيرة، أغنية "قصة حزينة"، يدور فيها بين محلاّت الذهب والأزياء مستذكراً حبيبته المفقودة.
ستضاف أيضاً ثيمة المنفى إلى الأغاني، ولن تتعلّق هذه المرّة بسفر الحبيبة فحسب، وإنما أيضاً برحيل الآباء إلى خارج الحدود باحثين عن أرزاقهم مثل أغنية "تمنيت أعود لبيتنا" لمحمّد عبد الجبّار، وموال "الغربة" لماجد الحميد، اللتان تتحدّثان عن فراق الآباء لأبنائهم.
غير أن الفقر الذي يبتلع المجتمع سيظهر مخفّفاً إلى أبعد حد في الأغاني المصوّرة. الفقراء الذين يعانون من سحق النظامين المحلي والدولي لهم، سيركبون سيارات فارهة ويجلسون في أماكن أنيقة، على العكس تماماً من الحال الذي كان عليه فقراء العراق.
 

هموم جديدة
 

بعد احتلال بغداد في نيسان / أبريل عام 2003، انفتح العراق على قاموس حياةٍ جديد. الفقرُ صار أقلّ، والعلاقات الاجتماعيّة تغيّرت. الحبُّ الذي كان يؤرق المُحبين صار بين يجري داخل العوائل ذاتها، إذ عاد الكثير من العراقيين ليزوجوا أبنائهم لنساء أقاربهم بعد أن تحوّلت المؤسسة العشائرية إلى واحدة من المؤسسات القرابيّة الضامنة للأمن وترهيب الآخر في ظلّ غياب الدولة وهيمنة قانونها. وهو ما يعني ضمناً عدم وجود فوارق طبقيّة. وحتّى لو وجدت، فستظل طي الكتمان طالما أن قرابة تجمع الحبيبين أو الزوجين. ويبقى احتمال "الخيانة" الذي وُصمت به المرأة دائماً ضئيلاً مع وجود أعراف تُنهي حياتها إزاء هذا الفعل.
 

الموسيقى الجديدة بعد 2003 تحمل نغماً مخبولاً وراقصاً لبثّ الحركة في الأجساد وإلهاء العقل الذي يعاني صداعاً حقيقياً إزاء الحاضر والمستقبل. لا أحّد يركّز على الكلمات، التافهة، منذ أغنية "البرتقالة" وصولاً إلى أغنية "الله وياك". وهذه الأغاني تُفصّل أساساً للظفر بعقود غناء في النوادي الليلية في بغداد وعواصم أخرى مثل عمّان ودبي.
 

لكن الواقع العراقي لا يتعلّق بهذا الأمر فحسب، إذ يتعدّاه إلى منطق السوق الذي يحكم الأغاني اليوم، ومنطق "الانحطاط" الذي يلازم الفوضى دائماً. إنها الموسيقى الجديدة التي تحمل نغماً مخبولاً وراقصاً لبثّ الطاقة والحركة في الأجساد وإلهاء العقل الذي يعاني صداعاً حقيقياً إزاء الحاضر والمستقبل. لا أحّد يركّز على الكلمات، إذ أقل ما يُمكن وصفها بأنها تافهة، منذ أغنية "البرتقالة" وصولاً إلى أغنية "الله وياك". وهذه الأغاني تفصّل أساساً للظفر بعقود غناء في النوادي الليلية في بغداد وعواصم أخرى مثل عمّان ودبي. الناس هنا (والمراهقون على وجه التحديد) واسطة للصعود إلى العلب الليلية، وليسوا هدفاً، وما يؤكد ذلك أن غالبيّة النساء اللواتي يجري الحديث عنهن في هذه الأغاني هن "فتيات الليل".
أما ناس مرحلة التسعينيات، فعلى الرغم مما يعانونه اليوم، فيكنسون أغاني تلك المرحلة من ذاكراتهم. لا يجهد شبّان تلك المرحلة، كهول اليوم (حسب تقويم الأعمار العراقي)، في تذكّر أغاني القحط وإنما التدرّب على نسيانها تماماً، حيث أنّها ارتبطت لديهم بمرحلة شكّلت بؤساً حقيقياً، وحياتهم بين بؤس الأمس وانحطاط اليوم صار لها قاموس أغانٍ جديد، قاموس يُغِيِر على أغاني التراث أو الأغنيّة السبعينية التي توصف بالذهبيّة. وعلى هذا الأساس صار لخالتي مجموعة هجينة من الأغاني، لا يُمكن حصرها بحالة أو بمرحلة. وصار الماضي بالنسبة لها المساحة الأرحب ليس للغناء فحسب وإنما للعيش.
لم يُعدْ أغلب المطربين هؤلاء تسجيل الأغاني التي ارتبطت بالمشهد الاجتماعي لتلك المرحلة، ومنهم الآن من ركب الموجة الجديدة، ومنهم من فشل وتوجّه إلى مهنة أخرى مثل الإعلام.. كما أن الأغنية الموجهة لـ"القائد الأوحد" أطاحت بحاضر بعضهم، مثلما حصل مع المتحدّث باسم الرئيس الوزراء الذي أقيل من منصبه عام 2015 بعد اكتشاف أغنية له يمتدح فيها صدّام حسين!