في السنوات الأخيرة من الحرب الأهلية في جنوب السودان، برز الممثل المريكي جورج كلوني كأحد أبرز الشخصيات الداعمة لقضية الجنوبيين، بل وصل به الأمر إلى الاحتجاج أمام مقر السفارة السودانية في واشنطن عدة مرات، وتخطي الحواجز الموضوعة عن قصد حتى يتم اعتقاله ليلفت أنظار وسائل الإعلام، حتى تنتبه إلى قضية الجنوبيين، حيث تحمل الحركة الشعبية السلاح نيابة عنهم ضد الحكومة المركزية في الخرطوم.
 

30 شهراً فقط
 

الحركة الشعبية تحت قيادة مؤسسها الراحل، الدكتور جون قرنق، لخصت برنامجها في أن المطلوب هو إعادة هيكلة الدولة السودانية بما يرفع الظلم السياسي والغبن التنموي والاقتصادي عن المناطق المهمشة، ولتخفيف سيطرة المركز الذي تمثله الخرطوم ببعديها السياسي والاجتماعي. استراتيجية قرنق تلك نجحت في تجييش المناطق المهمشة في دارفور وجبال النوبة والنيل الأزرق، حيث أصبح للحركة الشعبية وجود ومقاتلين في هذه الأماكن، إلى جانب نجاحه في نسج تحالفات واستقطاب الدعم والسند من ناشطين غربيين، خاصة في الولايات المتحدة الأمريكية، حيث قامت مجموعات ضغط لصالح هذه القضية، بل تشكلت عدة لوبيات من المسيحيين والأمريكان السود الذين تقبلوا القصة المبسطة حول اضطهاد المسيحيين السود في جنوب السودان بواسطة العرب المسلمين في الشمال

الذين يستغلون جهاز الدولة في المركز ضد المهمشين في المناطق الريفية. 
هذه الجهود توجت بإتفاقية السلام في 2005 التي سمحت للجنوبيين بممارسة حق تقرير المصير في نهاية الفترة الانتقالية، وهو ما أفضى إلى الانفصال وقيام دولة جنوب السودان بعد ست سنوات. على إن الدولة الجديدة لم تحتج الا لحوالي 30 شهراً لتدخل هي نفسها في صراع سياسي بين أطراف النخبة التي تقود البلاد، وهو الصراع الذي اتخذ لها أبعاداً قبلية في مساع لحشد الأتباع والدعم، ولا يزال مستمراً إلى اليوم على الرغم من الاتفاقيات العديدة التي وُقّعت بين المتقاتلين حول تقاسم السلطة والثروة المتمركزة في جوبا، عاصمة البلاد.
جورج كلوني ومعه أحد أبرز الناشطين ضد هيمنة السودان على الجنوب، وهو جون برندركاست الذي عمل في إدارة كلينتون، عادا العام الماضي بوجه مختلف، وهو الانتقاد العلني للفساد في دولة جنوب السودان الوليدة، حيث نشرا تقريراً يتضمن معلومات مفصلة عن عمليات النهب والفساد الذي طال ثروة البلاد وعائداتها من الايرادات النفطية، وكيف أن السيطرة عليها هي جذر الحرب الأهلية الجديدة في جنوب السودان.
 

الحركة الشعبية كانت تتحرك في أطار ميزانية لا تزيد عن 120 ألف دولار قبل التوصل إلى اتفاقية السلام. وبعد الاتفاقية، وفي العام 2006 مثلاً، بلغت ميزانية الحركة التي أصبحت تحكم "جنوب السودان" وتحصل على نصيبها من عائدات النفط، نحو 1.7 مليار دولار. وبين عامي 2008 ــ 2014 وبعد انفصال جنوب السودان الذي أصبح دولة مستقلة، وسيطرته على كامل الايراد النفطي، تجاوزت الميزانية 18 مليار دولار..

 

يقول معدو التقرير المشار إليه، أن الحركة الشعبية كانت تتحرك في أطار ميزانية لا تزيد عن 120 ألف دولار قبل التوصل الى اتفاقية السلام. وبعد الاتفاقية، وفي العام 2006 مثلا، بلغت ميزانية الحركة التي أصبحت تحكم "جنوب السودان" وتحصل على نصيبها من عائدات النفط، نحو 1.7 مليار دولار. وبين عامي 2008 ــ 2014 وبعد انفصال جنوب السودان الذي أصبح دولة مستقلة، وسيطرته على كامل الايراد النفطي، تجاوزت الميزانية 18 مليار دولار..
هذا بالاضافة إلى أن الدولة الجديدة كانت تتلقى عوناً أجنبياً سخياً بسبب التعاطف الذي لقيته من قبل المجموعة الدولية الغربية، وصل إلى ما يعادل 130 دولارا للفرد في العام 2013 قبيل أندلاع الحرب الاهلية، وهو ما يتجاوز بمراحل ما تحصل عليه الدول المجاورة. وكان الهدف من وراءه بناء الدولة الوليدة لتصبح واحة للسلام والتنمية وحقوق الانسان.
لكن إلى أي مدى تم استخدام هذه الموارد في بناء الدولة الجديدة واستغلال مواردها الطبيعية الهائلة لصالح مواطنيها، خاصة وأنه كانت هناك خططاً موضوعة لاستثمار نحو 15 في المئة من الايرادات النفطية لصالح الاجيال المقبلة؟
 

المركز الجديد والهامش القديم
 

المعلومات المتاحة توضح أن أياً من تلك الخطط لم ترَ النور، بل وأن حجم ما يُنفق على الولايات لم يزد على 20 في المئة (في أكثر التقديرات تفاؤلاً) مما كان يفترض أن يصل اليها. أحد اسباب ذلك ـن تلك الاموال إما بقيت في جوبا أو في دول الجوار، خاصة كينيا ويوغندا وأثيوبيا وكذلك في العواصم الغربية مودعة او موظفة على شكل حسابات مصرفية أو استثمارات عقارية، الأمر الذي يشير إلى فساد كبير لم ينكره حتى الرئيس سلفا كير الذي اتهم علانية حوالي 75 من كبار الرسميين بأنهم مسؤولين عن اختفاء 4 مليار دولار، ودعاهم إلى ارجاع تلك الاموال إلى خزينة الدولة. لكن لا يبدو أنه جرت الاستجابة لطلبه، إذ لم تتم استعادة سوى حوالي 1.5 في المئة فقط من ذلك المبلغ!
انفصال الجنوب جاء على أساس أنه "الحل الأسهل" لمشكلة في البناء القومي السوداني أطلقت عليه الحركة الشعبية التهميش الذي يقوم به المركز ضد الأقاليم أو المناطق المهمشة، وأن انفصال هذه المناطق سيتيح لها اقامة دولة السودان الجديد التي يعيش فيها المواطنون على قدم المساواة ويبنون حياة جديدة بعيداً عن ممارسات السودان القديم التي أدت الى الانفصال.
تجربة خمس سنوات من الاستقلال أوضحت بجلاء خطل هذه الفكرة. فالحرب الأهلية اشتعلت بين رفاق الأمس بسبب الصراع للسيطرة على مواقع النفوذ والسلطة في جوبا، التي أصبحت المركز الجديد الذي يستأثر بألق السلطة ومواردها على حساب الأقاليم. والرئيس سلفا كير أصبح يحصن نفسه بالاعتماد أكثر فأكثر على حلفائه المخلصين في الجيش وجهاز الدولة من أبناء قبيلته من "الدينكا"، والانفاق عليهم، وبالتالي فحتى "ولاية واراب"، مسقط رأسه، لم يصبها خيرٌ من تولي أحد أبناءها رئاسة البلاد، مثلها في هذا مثل غيرها من الأقاليم،. كما استغل كير سيطرته على جهاز الدولة لاتباع سياسات وظيفتها تعزيز موقفه، مثل اتخاذه قراراً منفرداً بتقسيم البلاد إلى 28 ولاية بدلاً من 10 ولايات، وحشد الولايات الجديدة بمسؤولين من معاونيه كوسيلة لتأكيد نفوذه وتأمين سلطته في الأقاليم.


نظام واحد في دولتين!


أحد أبناء الجنوب لخص الوضع بقوله إن إتفاقية السلام كانت تقوم على فكرة دولة واحدة بنظامين، أحدهما إسلامي والآخر علماني. وكان هذا هو المقترح الذي تبنته الادارة الأمريكية في مقاربتها لحل مشكلة الحرب في السودان، نسبة لإصرار الخرطوم على شعاراتها الاسلامية. لكن العملية انتهت في واقع الأمر  إلى نظام واحد في دولتين، بينهما الكثير من المتشابهات فيما يتعلق بالفساد وغلبة الرأي الواحد وعدم الاستقرار السياسي والأمني وانتهى الأمر بفكرة "السودان الجديد" التي كان يفترض بالدولة الجديدة أن تطبقها، إلى حالة قص ولزق من سياسات وممارسات السودان القديم نفسها التي ثارت عليها.
 

تجربة خمس سنوات من الإستقلال أوضحت بجلاء خطل فكرة الانفصال ك"حل سهل". فالحرب الاهلية اشتعلت بين رفاق الأمس بسبب الصراع للسيطرة على مواقع النفوذ والسلطة في جوبا، التي أصبحت المركز الجديد المستأثر بألق السلطة ومواردها على حساب الأقاليم


وليس أدل على ذلك من بروز جوبا العاصمة مركزاً جديداً على حساب الأقاليم أو مناطق الهامش. وعلى الرغم من الحديث عن تطبيق النظام الفيدرالي كوسيلة لتقصير الظل الاداري للمركز، وإيجاد ترتيبات إدارية تسمح للأقاليم بالتعبير عن نفسها وبالبناء، إلا أن ذلك لم يتحقق بسبب الطريقة الأحادية التي نُفِّذ بها قرار تقسيم الولايات، وبروز العامل القبلي فيها، وحشوها بالأتباع والمحاسيب، الى جانب تحمل المركز لتبعاتها المالية بسبب ضعف قدراتها الاقتصادية، الامر الذي يجعلها أكثر أنصياعا للمركز وتلبية لرغباته على حساب قاعدتها الأساسية التي يفترض أن تمثلها.
وهذا الوضع يعود في نهاية الأمر إلى الطريقة التي أديرت بها الحرب، وبروز الحركة الشعبية بصفتها "القوة الأساسية التي نجحت في الحصول على دولة"، حيث كان الغائب الأكبر في ذلك هو الناس الذين تتحدث باسمهم وبالتالي الشعور بأنها مسؤولة أمامهم.
نجاح الحركة الشعبية في نسج تحالفاتها إبان الحرب مع الشمال جعلها لا تهتم كثيراً بالمواطنين في المناطق التي كانت تسيطر عليها، إذ تركت قضايا إطعامهم وصحتهم وتعليمهم إلى مؤسسات العون الاقليمية والدولية، بدلاً من أن تقيم ادارة مدنية في تلك المناطق حتى تكتسب خبرة في إدارة الدولة التي تسعى إلى إقامتها، مثلما حدث في تجارب الحركات المماثلة في أوغندا وأثيوبيا وأرتريا.