فيم يختصم القوم؟ رسمياً في أن قطر "تدعم الإرهاب" (أي بعض التنظيمات المسلحة التي تعيث فساداً في الارض.. وهو ما تفعله السعودية والإمارات أيضاً، بحيث تتنقل أحياناً تلك التنظيمات بينها بيسر "يشرعنه" التنافس المالي)، وأنها تأوي قيادات من الإخوان المسلمين من كل المنطقة. وأقل رسمية ولكن بدرجة صغيرة، في أن قطر تقيم علاقات وديّة مع إيران، بل (ويا للهول!) هنأت روحاني بإعادة انتخابه، وهنأته بقدوم رمضان.. ثم، وبشكل لا يمكن التصريح به، في أن "رأسها كبرت" كثيراً في السنوات الماضية، حتى تخيلت أنها عظمى، في السياسة كما في الاستعراض وكما في المشاريع، فلم يبق فريق كرة قدم عالمي إلا واشترته ولم يبق متجر كبير ذائع الصيت في باريس أو لندن إلا وصار ملكها، وهلم جرا..

ويقول الخبثاء إنه حكم الشبان من أبناء الملوك والأمراء، هؤلاء الذين ولدوا وترعروا في محيط هانئ مترف ومتسلط، فلم يفقهوا من السياسة شيئاً، حتى ولو أرسلوا للدراسة في أحسن الجامعات الأمريكية (بل ربما يجب القول "لاسيما إذا ارسلوا" الخ الخ.. حيث يعتقدون أنهم متفوقون على آبائهم وعلى اقرانهم). ويستذكِّر هؤلاء الخبثاء نظرية إبن خلدون عن الدولة وفيها وصف للجيل الثالث وما يتسبب به من مصير بائس، مبدِّد، بعد جيلي التأسيس ثم التمكين..
حسناً: قُطِعت العلاقات الدبلوماسية ومُنع أي

تبادل مع قطر من قبل مجموعة دول تقودها السعودية ومعها الإمارات.. المصابة بلوثة قطر نفسها ولو بتأخر يبلغ عقدين من الزمن (بدليل ما تفعله في الجزء الجنوبي من اليمن، وسيطرتها العلنية على ميناء عدن وعلى جزيرة سقطرى، بل وإنشائها لقاعدة عسكرية ــ ! ــ في الصومال). وبالنسبة لمصر، فالخشية كل الخشية أن يقرر الرئيس السيسي منح السعودية هدية أكبر من جزيرتي تيران وصنافير حتى يُقبَل في الحلف الجديد، من قبيل إرسال قوات مصرية لتقاتل في أماكن قد يحتاج القوم للقتال فيها. فالتوازن الديمغرافي مختل هنا، والرئيس المصري يقود بلداً تعداده 90 مليوناً، أكثر من نصفهم يعيشون تحت خط الفقر.. فهل يدفع "الغلابة" الثمن كالعادة؟ وأما "جمهورية القمر المتحدة" (جزر القمر) التي انضمت للتحالف فهي تستدعي الشفقة وليس السخرية. وبين الشقين تقع ليبيا.. وهلم جرا هنا أيضاً. وهناك ما يبدو وكأنه اصطفاف مطلوب من الجميع، فالمسلسل لم ينته بعد.
ولكن "الأطرف" هو تصريحات تصدر عن مسؤولين إماراتيين، من قبيل "غرامة باهظة والسجن 15 عاماً لأي اماراتي يبدي تعاطفاً مع قطر أو ميلاً أو محاباة" (في أي قانون دستوري درس الشاب ذلك، وهو النائب العام في بلاده ودكتور في القانون؟)، فيما دكتور آخر (درس في جامعة جورج واشنطن!) اقل شباباً وأكثر تمرساً ويتولى منصب وزير الدولة للخارجية، يقول بصراحة مصدرها ثقة تامة بمشروعية قوله "الأمر لا يتعلق بتغيير النظام. إنه مسعى لتغيير سياسة ولتغيير مقاربة. ما نقوله لقطر هو الآتي: أنت جارة وعليك أن تلتزمي بقواعد أمن الخليج واستقراره".. بـ"العافية" كما يقول المصريون. وأحد الدكتورين قال إن في قطر تموين كاف ولا يوجد خطر مجاعة.. فحمدنا الله على نعمه.
بالمقابل قطر تتعامل مع الكبار: تركيا وإيران، البلدان اللذان يتذكران كل يوم أنهما وريثا أمبرطوريتان، وهما محيطان بنا، ونحن حالنا يمكن أن تُبكي العدو وفق المثل الشائع. ولكن  عدونا كما هو مجسد في الواقع ــ أي إسرائيل  لمن ضاعت عليه التعريفات ــ هو من "اللؤم" بحيث أنه في غاية الحبور ويستسقي المزيد.
وهناك في الطرف الآخر من العالم السيد ترامب الذي تفاخر (عبر تغريداته على عادته) بأنه كان وراء الحدث الجاري هنا، دافعاً السعودية للاطمئنان إلى أنها من انتقاها الامبرطور، متناسياً أن في قطر قاعدة "العديد"، وهي ربما كانت كبرى القواعد الأمريكية في الخارج، ومقر للقيادة المركزية الأمريكية لمنطقة شاسعة، ومخزن هائل للاسلحة، وثمرة لـ"اتفاقية التعاون الدفاعي" بين أمريكا وقطر الموقعة إثر الحرب على العراق 1991. رجل الأعمال ترامب يحسبها جيداً: كل هؤلاء سيتنافسون على شراء الاسلحة منا وسيدفعون عوائد نفطهم وغازهم لشراء رضانا. برافو مستحَّقة.
كيف سينتهي هذا الهذر؟