نُشر النص الأصلي لهذا الموضوع في موقع "مدى مصر"، وهو منصة إلكترونية تأسست في مصر، ونعيد نشره هنا بالاتفاق مع الموقع. في إطار حملتها المستمرة للتضييق على الصحافة، حجبت السلطات المصرية "مدى مصر"، ضمن مواقع أخرى. والتزمًا منا بمبدأ حرية الصحافة واستقلاليتها، يقوم "السفير العربي" بإعادة نشر نصوص ينتجها "مدى مصر" لمساعدة الموقع في التغلب على إجراءات الحجب والوصول إلى القراء داخل مصر.

 

كارولين كامل


في طقس عزائي خاص، خرج أغلب نساء قرية «دير الجرنوس»، التابعة لمركز مغاغة بمحافظة المنيا، في مسيرة مهيبة مُتشحة بالسواد لاستقبال المُعزيات من القرى المجاورة، بعدما طفن على المنازل السبع التي فقدت أحبائها في مذبحة تعرض لها زوار دير الأنبا صموئيل المعترف على يد مسلحي تنظيم «داعش» بصحراء مركز العدوة، والتي راح ضحيتها 29 قتيلًا.
ضمت المسيرة كافة الأعمار، وظهرت النساء الأكبر سنًا في المقدمة بجلابيبهن الصعيدية الفضفاضة، والتي لا تصل لأقدامهن. ربطن شعورهن بمنديل أسود وفوقها الطرح السوداء الشفافة المصنوعة من التُل أو الحرير الصناعي تغطي ظهورهن وأكتافهن.
قالت سيدة مُسنة لـ «مدى مصر» خلال المسيرة الجنائزية: «الأيام دي وحشة أوي يا بنتي. أنا عمري ما شفت اللي شفناه في السنين دي، أنا اتعودت آخد بناتي معايا الغيط، نفلح ونقعد وناكل ونريح كلنا مسلمين ومسيحيين من قريتنا وقرى تانية. دلوقت في محبة على الأقل مننا، لكن خايفين منهم. وربنا يحمي بناتنا وعيالنا، كفاية وجع قلبنا وقهرتنا على جارتنا في الكرم»، في إشارة إلى أحداث العنف الطائفي التي شهدتها قرية الكرم بالمنيا التي شهدت تعرية سيدة قبطية مسنة.
 

في عزاء النساء
 

قرية «دير الجرنوس» واحدة من قرى الصعيد يسكنها الأقباط فقط، كما يقول أهلها الذين استضافوا صحفيين وزوار آخرين جاؤوا للتعزية وقدموا واجب الضيافة رغم مشاعر الحزن والفقد. الكرب واحد كما يقولون، خاصة أن القرية يجمع سكانها روابط عائلية متداخلة نتيجة لتزاوج أبنائها من بعضهم البعض على مدار عشرات السنين.

داخل منزل القتيل إسحق لمعي وجد «مدى مصر» عددًا كبيرًا من نساء القرية يواسين الزوجة والابنة. صُمم الباب المعدني للمنزل والشبابيك كذلك على هيئة تجسد العذراء والمسيح. وقف بعض النساء في انتظار خروج مَن سبقتهن في الزيارة. تبادلن الحديث عن ابنته وفاء الطالبة في الصف الثاني الثانوي التي كان مقررًا لها أن تشارك أبيها الرحلة هذه المرة، لكنها ترددت لانتظارها عودة شقيقها الأكبر للقرية بعد انتهاء فترة تجنيده، فنجت من الموت برفقة أبيها.

تقول وفاء لـ «مدى مصر»: «أنا أول مرة أعرف أن الدنيا وحشة مش لما بابا استشهد، لكن لما روحت المدرسة الثانوي في القرية اللي جنبنا، لأننا في القرية هنا مفيش مدارس ثانوي. وكان أول مرة أسمع كلام وحش مقدرتش أقوله وشتايم عشان أنا مسيحية، لأننا في القرية مش بنشوف مسلمين غير لما ندخل ثانوي ونخرج برة القرية ندرس».

قالت واحدة من الحاضرات في الجلسة لـ «مدى مصر»: «إحنا حزانى لكن متعزين أنهم شهداء وفي السما، لكن احنا بشر ومواطنين يا مصر وهنا مفيش عدل، المسيحي مش زي المسلم، يعني معقولة ولا مرة عرفوا مين المجرم، حاجة تقهر ومستقبل عيالنا غامق».

روى عدد من الناجين من الحادث ما جرى من تخيير الإرهابيين للقتلى بين الموت أو النطق بالشهادة، ورغم الحديث عن التعزية والفرح بالاستشهاد من أجل المسيح الذي يسود أجواء القرية إلا أن سيدة تساءلت: «ليه طريق السما بس تفجير وقتل.. ليه منروحش السما بطريق طبيعي عادي، والناس البعيدة تقول لنا انبسطوا دول في السما وكده هما كويسين، مين قال لهم إن حبايبنا لو كانوا فضلوا عايشين مكنوش هيبقوا كويسين».

رغم حميمية الجلسة وإقبال النسوة على الحكي وتعريفهن لأنفسهن بأسمائهن إلا أنهن طلبن عدم ذكرها في هذا التقرير.

توقفت النساء عن الحديث والتفتن لوفاء مرة أخرى. كان حلمها أن تصبح طبيبة، وقالت: «أنا دلوقتي معنديش أحلام، أحلم ليه في بلد معنديش فيه أمل». ثم تضيف متذكرة والدها: «بابا كان حنين أوي، عمره ما ضغط عليّ أعمل حاجة مش عايزاها، وأنا دلوقتي أقوى من الأول ومش خايفة من حد أو حاجة».
 

طفلان في سرادق الرجال
 

كافة أبواب المنازل في القرية مفتوحة، حتى بيوت مَن لم يفقدوا أحدًا في الحادث، لكنهم يستقبلون زوار للجلوس سويًا ومواساة بعضهم البعض، بينما شُيد سرادق ضخم أمام حرم كنيسة القرية منذ عُرِفَ الحادث. لم يتوقف استقبال المعزين من أبناء القرية والقرى المجاورة من يوم الجمعة الماضية.

حضر أشرف إسحق شقيق القتيل من المحلة الكبرى فور سماعه بالحادث، وما زال أسيرًا لحالة من الذهول. يشير إلى تعامل الأجهزة الأمنية ووزارة الصحة مع جثمان أخيه: «جثة أخويا في المستشفى من الساعة 10 الصبح، ولغاية الساعة 5 مفيش شهادة وفاة ولما أبونا يكلم سيادة العميد يقوله مش بزيادة تأخير، يقوم يرد عليه إيه يا أبونا عايز تعمل فتنة ويزعق له قدامنا، وإحنا لازم نسكت. إحنا مسالمين آه، لكن حرام كدة علينا».

لم ينته الموضوع بظهور شهادات الوفاة، بل شكَا ميلاد رزق الذي رافق نقل جثامين القتلى من موقع الحادث للمستشفى٬ وهو أحد أبناء عمومة إسحق لمعي، من صيغة كتابة شهادات الوفاة على حد تعبيره.

وأوضح أن هذه الصيغ لم تكن دقيقة، فقد كتب ببعضها أن سببب الوفاة كان نتيجة لهبوط في الدورة الدموية وليس بطلقٍ ناري، مما قد يؤثر على حقوق القتلى وذويهم كذلك. وأضاف: «قالوا لنا هنغير لكم الشهادات دي بعدين، بس خدوها دلوقتي عشان تدفنوا، وطبعا تغيير الشهادات دي معاناة وبياخد شهور وفي الحقيقة بيضيع حقوق الناس في التعويضات والمعاشات وغيره».

وقال أشرف إسحق: «الدولة عايزة تسكتنا وخلاص، ضربات في ليبيا ايه، مالنا ومال ليبيا إحنا، دي مصالح كبيرة مالهاش دعوة بالأقباط. ما ييجي يشوف العنصرية اللي اتعاملوا بيها معانا في المستشفى والأمن نفسه. الإرهاب هنا في مصر بس هما ما يقدروش يتكلموا عنه فيقولوا لنا عملنا لكم ضربات بره، ولما نتكلم يقولوا لنا بتعملوا فتنة طائفية، طيب ما طلعتش بطيارة تشوف المجرمين اللي استخبوا في حتة قريبة من الدير ليه؟».

كان الرئيس عبد الفتاح السيسي قد قال في  كلمته لتعزية الشعب المصري عقب الحادث: «اللي شفتوه النهارده مش هيعدي كده والمعسكرات اللي خرجت منها وتم التدريب فيها للعناصر دي تم توجيه ضربة ليها جامدة جدا». وقد وجهت الضربة إلى معسكرات مجلس شورى مجاهدين درنة في ليبيا، الذي نفى علاقته بالحادث.

بينما قال ميلاد رزق لـ «مدى مصر»: «مش إحنا في قانون الطوارئ  وده معناه أن الجيش هو اللي بيحكم، طيب الجيش ما عندوش طيران حربي في المنيا وبني سويف كان يطلع يلاحق المجرمين، طيب مفيش طيران لنقل المصابين، إحنا مش جهلة يا أستاذة ولا هبل زي ما الدولة بتتعامل معانا، إحنا بس بنسكت».

وأضاف رزق: «إحنا نقلنا الجثث في عربيات نص نقل وفي ناس أخدت الجثة في توكتوك، طيب الإرهابيين اللي بيعملوا العمليات دي الدولة مش عارفاهم، ومش عارفة تعاقبهم. لكن دكاترة وممرضين المستشفيات وظباط الشرطة دول أكيد عارفاهم هتعمل معاهم ايه؟».

وكان الدكتور أحمد عماد الدين، وزير الصحة، قد أمر بنقل المصابين من الحالات الحرجة لمستشفيات القاهرة، ونقلوا عن طريق عربات إسعاف على الطريق البري. وقد تكررت الشكاوى من تعامل المستشفيات مع الجثامين في تصريحات كل مَن تحدثوا لـ «مدى مصر» خلال الإعداد لهذا التقرير.

واعتبر أشرف إسحق أن الخطر ليس قادمًا من خارج مصر وإنما يسكن أرضها ونفوس أبنائها وقال موضحًا: «لما نقول للمستشفى عايزين نغسل الجثث يقول لنا مفيش مياه في المستشفى، إحنا نغسل الشهداء بخراطيم مياه من البيوت على باب المستشفي، هيرضوها لميت مسلم؟».

من جانبه اعتبر القس متى القمص أخنوخ، قس كنيسة العذراء في قرية «دير الجرنوس»، أن الحادث الإرهابي لم يكشف فقط عن العنصرية التي تلتهم العلاقات بين المسلمين والمسيحيين وتهدد استقرار الصعيد، وإنما أيضًا يكشف حاجة الصعيد لتنمية، وقال: «الصعيد محتاج تطوير خطاب ديني، زيه زي مصر كلها، وإصلاح العقول ليقبل الآخر. فوق كل ده محتاج أساسيات آدامية زي مستشفيات، ودي خدمات من صميم حقوق المواطنين كلهم بغض النظر عن الدين والجنس».

وأضاف قس كنيسة العذراء: «العدو الظاهري هو الجماعات الإرهابية اللي بيقولوا إنهم بيضربوها دي ما نفهمش فيها إحنا.. ماشي. لكن العدو الخفي وهو الأكثر  شراسة هو التقصير الأمني في حماية المسيحيين أو حتى ملاحقة المجرمين في حقهم، والتقصير في الرعاية الطبية عشان الضحايا مسيحيين. تعامل المستشفيات في العدوة ومغاغة ومطاي كان بعيد كل البعد عن الإنسانية، متخيلة الألم والقهر لما نطلب مياه في جرادل عشان نغسل الجثامين».

صَمَتَ القس متى قليلًا وأضاف: «الناس دي معروفة للدولة ويعملون في مؤسسات الدولة، وتصرفاتهم تُسيء للجهات المسئولة اللي بتقول إنها ضد العنصرية، وتخلينا نحس أن الرئيس السيسي بيشتغل لوحده في الدفاع عن المسيحيين لأن اللي تحت إيده كلهم بيعملوا عكس كلامه، هيعمل هو إيه في ده!؟ ».

استمر أشرف إسحق في تلقي عزاء أخيه وغيره من رجال القرية، ثم عاد لاستكمال كلامه مع «مدى مصر» وقال: «حلو إن الشهيد في السما، ويا بختهم وكل الكلام الحلو ده، لكن أنا كمواطن لسه عايش المفروض أعمل إيه، انهي مستقبل ده اللي مستني عيالنا وأحفادنا بالشكل ده».

داخل سرادق العزاء جلس الطفلان ماركو (14 عامًا) وشقيقه مينا (10 أعوام)، نجلا القتيل عايد حبيب، سائق السيارة التي كانت تقل العمال. توجه إليهما أبناء القرية لمواساتهما خاصة بعد العمل البطولي الذي قام به ماركو بشكل لا يتناسب مع صغر سنه، فقد كان هو المُبلِّغ عن الحادث بعد فرار الإرهابيين.

بعد عودتهما للمنزل جلس ماركو ومينا في دائرة تضم عشرات الرجال من الأسرة وأسر الناجين. خاطبه أحدهم: «أجمَّد يا ماركو أنت بطل» بينما قال له آخر: «يا ماركو أنت عملت اللي مش سهل أي حد يعمله». وبالرغم من عبارات التشجيع والتعاطف إلا أنها تأثيرها عليه لم يكن إلا وقودًا لمزيد من البكاء والانهيار.

قال خال الطفلين لـ «مدى مصر»: «الإرهابيين وقفوا العربية ونزلوا منها عايد وكان معاه ماركو ومينا، قالوا للعيال اجروا بعيد، فالعيال جريت، وبعد ما شافوا عربيات الإرهابيين في قلب الصحرا، رجعوا تاني، وماركو أخد العربية وطلع بيها كيلو، أول ما لقط شبكة اتصل بأهله قال لهم ورجع تاني قعد مع الجثث».

لم تتوقف دموع ماركو رغم تبدل ملامحه ليصبح في حالة شرود، بينما أخوه يمسك بيده ناظرًا له، وتابع خال ماركو قائلًا: «عايد الله يرحمه كان بيعلم ماركو السواقة خاصة في المدق رغم أنه صغير السن».