مؤخراً، قام سكان مدينة الناظور في منطقة الريف من شمال المغرب بالمطالبة بتشييد مستشفى في مدينتهم لأنهم يضطرون إلى قطع حوالي 200 كيلومتر للوصول إلى مستشفى وجدة وهو الأقرب إليهم. يعاني سكان جهات عديدة في المغرب من هذا الوضع، وخاصة في جبال الأطلس المتوسط الكبير والصغير، حيث يضطر السكان إلى حمل مرضاهم إلى مستشفيات بعيدة عن مقر سكناهم. تكون المعاناة في أوجها في فصل الشتاء، مع ارتفاع الثلوج في المناطق الجبلية والأوحال في المناطق المنخفضة، علاوة على الطرقات المهترئة والمعابر غير المعبّدة، أو غير القابلة للمرور أصلاً. 
في إطار توسيع التنمية، ولكي يحظى جميع السكان بنصيبهم من المكتسبات الوطنية، تم اٍلغاء ما يسمّى بالإقليم وتعويضه بمصطلح الجهة، الذي استقر على اٍحداث 12 جهة عوضاً من 16 جهة كما كان سابقاً. عبر مواقع التواصل الاجتماعي، وفايسبوك تحديداً، أصبحت أخبار القرى النائية والمنسية والعالية في المرتفعات تصل إلى المواطنين أينما كانوا: ثلوج تحاصر السكان، ومدارس بدون تدفئة، وداخليات التلامذة بدون حمامات في مستوى التطلعات والاحتياجات اليومية، في حين أن لائحة الطلبات تبقى في حدود المعقول حيث تشمل مطالب تصون كرامة المواطن وتحفظ وجوده في المناطق النائية البعيدة عن الجهات التي تتمتع بالبنى التحتية، من جامعات ومستشفيات ومصحات ومدارس وطرقات وقناطر ومسابح ودور ثقافة وطرقات

تضمن التنقل بشكل مريح. 
من الأمور التي اعتمدت عند تقسيم الجهات في المغرب هو اللجوء إلى معايير الحدود الترابية، والتي من خلالها تم تنزيل منظومة الجهات. وقد احدثت جماعات وقيادات وعمالات ومراكز الدرك، دون الاهتمام بالجانب الاجتماعي. ويظهر ذلك جلياً من خلال التفاوت بين البنى التحتية لبعض المدن "المتقنة" والأخرى الواقعة في المجال القروي والتي تعاني الأمرّين وكأنها في العصر الحجري. 
الصحة والتعليم والعدل والمواصلات والثقافة هي ما يشكل التباين بين الجهات في المغرب. كثيرة هي المدن والقرى التي تطالب بمستشفى الولادة يليها نصيب التعليم حيث يكافح أبناء القرى في الجهات النائية بوسائلهم الفردية لمتابعة دراستهم ،على الرغم من الظروف الجوية والمادية الشاقة. وهناك أيضاً بعض الإدارات كالمحاكم ومكاتب المحافظة العقارية، التي تتطلب من سكان القرى قطع مسافات للوصول إليها. وأخيراً، تأتي المواصلات والطرقات بين القرى والمدن القروية وهي الهاجس الذي يغيّر من سلوكياتهم بحكم المعاناة اليومية، ويسبب اليأس والإحباط الذي يرافقهم. غالبية سكان القرى والمناطق الجبلية في المغرب يعيشون في فقر وتهميش. تبلغ ميزانية جهة الدار البيضاء مثلاً، والتي تعتبر في صدارة الترتيب بدون منازع حوالي 870 مليون درهم من العملة المغربية لسنة 2017 (عدد سكانها ثلاثة ملايين ونصف مليون نسمة)، علاوة على المداخيل الإضافية من الضرائب من إدارة الموانئ في المدينة نفسها، وأسواق السمك واللحوم والخضر والمقاهي والمطاعم والفنادق والشركات والمعامل والمصانع والمتاجر وغيرها. فيما تبلغ ميزانية جهة خنيفرة بني ملال (عدد سكانها مليونين ونصف مليون نسمة) حوالي 486 مليون درهم للسنة نفسها، وهو ما يعادل نصف ميزانية الدار البيضاء تقريباً، مع الإشارة إلى أن لمدينة الدار البيضاء مداخيل إضافية من التجارة، ولها صيتها الدولي والأفريقي والمحلي اقتصادياً، حيث يمكن أن تضاهي جميع جهات المغرب لوحدها، لأنها بمثابة القلب النابض للمغرب بأكمله. حصة الميزانيات في المغرب بخصوص الجهات تعتمد على عدد السكان أولاً، ثم على الرواج الاقتصادي، وهو ما يجعل الجهات الفقيرة أصلاً محكوم عليها أن تبقى فقيرة. 
 

الصحة والتعليم والعدل والمواصلات والثقافة هي ما يشكل التباين بين الجهات في المغرب. كثيرة هي المدن والقرى التي تطالب بمستشفى للولادة مثلاً، يليها نصيب التعليم حيث يكافح أبناء القرى في الجهات النائية بوسائلهم الفردية لمتابعة دراستهم
 

لا يوجد صندوق تضامن مع الجهات ذات الاقتصاد الهش حيث يعتمد السكان على تربية الماشية والدواجن وزراعة الزيتون. هذه الإشكالية في حد ذاتها تجعل المسؤولين والموظفين المحليين بالجهات في حرج تجاه وسائل الإعلام والمجتمع، فلا ميزانية كافية لرفع التهميش عن أبناء المنطقة الذين يتظاهرون أحياناً للمطالبة بتشييد ثانوية بقريتهم، وعندما تتم الاستجابة لهذا المطلب، تنشب مطاحنات ومزايدات سياسية بين قريتين مجاورتين حول مكان الثانوية. أما وسائل الترفيه، كالحدائق والمنتزهات والمسابح ودور الثقافة بما فيها المسرح والفن السابع فإٍنّها تبقى من الكماليات. 
يبقى موقع الأحزاب السياسية والمجتمع المدني من هذه الإشكالية معلقاً، حيث الجماعة القروية تحيل المشكل إلى الجهة، والجهات بدورها تلجأ إلى مراكز القرار بمحاضر تفصيلية عن المطالب. وهكذا فدور الأحزاب والمجتمع المدني يبقى اقتراحياً لا غير.
وقد فاقم المشكل في السنوات الأخيرة التغيرات المناخية حيث أضحت الثلوج تتساقط بكميات تفوق الأرقام التي تعودت الأرصاد الجوية على تسجيلها، وهو الأمر الذي ضاعف من معاناة سكان أعالي الجبال والمناطق الوعرة. هذا النوع من المشاكل لا يحتاج إلى وعود ومبادرات فردية، بقدر ما يحتاج إلى برنامج شمولي بميزانية خاصة خارجة عن ميزانيات الجهات. وأما السياحة الجبلية التي قد يمكنها المساهمة في توفير موارد لهذه المناطق، فهي بدون برنامج وبدون مستثمرين.