صوّت البرلمان التونسي وبأغلبية 133 نائباً من أصل 140 لصالح تعديل قانون العقوبات المتعلق باستهلاك المخدرات أو ما يعرف شعبياً بـ"الزطلة" (حشيشة الكيف). ينص القانون القديم 52 الصادر في 18 أيار / مايو 1992، وفي فصله الرابع، على عقوبة تتراوح بين سنة وخمس سنوات سجناً نافذاً مع غرامة مالية من ألف إلى ثلاثة آلاف دينار، لكل من استهلك، أو قبض عليه ومعه مادة مخدرة بغاية الاستهلاك.
تصويت البرلمان لصالح التعديل يُعبّد الطريق أمام مشروع قانون جديد يهدف إلى تخفيف العقوبات المُسلطة على المستهلِكين وفتح باب الاجتهاد للقضاة في تكييف عقوبة الاستهلاك حسب كل حالة، كما جاء مستجيباً (أو راضخاً) لحملة واسعة قادتها أطياف متنوعة من المجتمع المدني، من جمعيات وحقوقيين وأطباء ومحامين وحتى قضاة ونواب في البرلمان وأعضاء حكومة. وأسهمت وسائل الإعلام المرئية والمسموعة لفترة طويلة في تسليط الضوء على حالة الاستقطاب والجدل القائمين بين الداعين لإعادة النظر في القانون القديم وترسيم آخر جديد والرافضين لمثل هذه الدعوات.
يتخوّف معارضو هذه الدعوات من أن فتح باب تخفيف العقوبات في قضية يعتبرونها ظاهرة فتاكة، قد يفاقم الموقف ويجعل عدد المستهلكين في ارتفاع، خاصة بين فئة الشباب والمراهقين المتمدرسين، حيث تشير بعض الإحصائيات إلى أن هناك قرابة 200 ألف تونسي يستهلك "الزطلة" (تعداد

تونس 11 مليون نسمة)، كما يضيفون أنه وعلى الرغم من وجود قانون ردعي، فإن أعداد الموقوفين في قضايا مخدرات في أروقة المحاكم في تزايد (يقدر عددهم بنحو 8 آلاف موقوف حسب إحصائية تعود لسنة 2014) وأنه من بين كل عشرة موقوفين منهم هناك تسعة تمّ توقيفهم بسبب الاستهلاك. ويسألون كيف ستكون الأرقام إذا تمّ التساهل والتخفيف في العقوبات؟
بينما يرد أصحاب حملة "سجين 52" (وهو الاسم الذي يُعرَف به المنادون بضرورة تغيير القانون القديم) أن مبادرتهم ودعواهم تعبر عن رؤية ذات مقاربة "مقاصدية – إصلاحية"، اذ أن القانون بشكله الحالي يعالج الظاهرة بطريقة سطحية وقاصرة، بل إن عواقبه أكثر ضرراً من إيجابياته، إذ أن السجن لمدة لا تقل عن السنة في حق من استهلك سيجارة حشيش، والنظر إليه كمجرم يستحق العقوبة، وليس كضحية ممكنة لحالة نفسية عابرة، نتيجة الضغط والمشاكل الاجتماعية، حالة تستحق المتابعة والمساعدة على إعادة التأهيل ضمن قواعد مختصة وهيئات معنية، كل هذا من شأنه أن يعقد الأمر أكثر.. فالسجن سيكون بمثابة بوابة للتعرف على عالم الجريمة والاحتكاك به عن قرب.
كما أن حبس طالب جامعي او تلميذ متمدرس لمدة تترواح بين السنة والخمس سنوات لكونه ألقي القبض عليه وبحوزته سيجارة حشيش، سيكون بمثابة ضربة قاضية لمستقبله الدراسي والمهني، ولعلاقته مع محيطه الاجتماعي، بدءاً من أسرته التي ستدفع معه ثمن جرّه إلى المحاكم والسجون، مروراً بأصدقائه الذين قد يأمرهم أهلهم بالابتعاد عنه.. وبالتالي فهو ذهاب نحو تهميش الضحية. كما يؤكد البعض من هذا التيار على امر يعتبرونه أساسياً في نظرهم، وهو أنهم لا يدعون إلى قوننة أو تشريع استهلاك المخدرات، بل إلى إعادة مقاربة الظاهرة وفق معايير أكثر عملية واستراتيجية.  فبدل تسليط "عقوبة بدنية" هي السجن، يجب وضع برنامج لإعادة التأهيل فيما يخص المدمنين، وإلغاء العقوبة أصلاً خاصة في حق فئة "المستهلك المُدان لأول مرة". بل يضيفون أنهم يدعون أيضاً إلى تشديد الخناق أكثر على مورِّدي ومروجي تلك المواد في بلد لا ينتجها، بدل متابعة "مستهلك سيجارة" وتسليط عقوبة قاسية في حقه.. إذ لا يجب "تغطية الشمس بالغربال" كما يعبّر بعضهم.