2.5 مليار دولار هي قيمة اتفاقية تصدير الغاز المصري لإسرائيل الموقعة في 2005، في عز "التعاون" بين البلدين، مع صعود طاقم الحكم المقاوِل بقيادة جمال مبارك، وإنشاء اللجان المختلفة العاملة لهذا الغرض في كافة الميادين، ومنها الإعلام وليس فحسب الاقتصاد.
الغريب أن كلفة إنتاج السعرات الحرارية تفوق بكثير ثمن بيعها: فالأخير يتراوح بين 70 سنتاً و1.5 دولار لمليون وحدة حرارية بينما يصل سعر التكلفة الى 2.65 دولار. ولم يُكتفَ بذلك، بل حصلت شركة الغاز الإسرائيلية على إعفاء ضريبي من الحكومة المصرية لمدة 3 سنوات بدءاً من عام 2005 وإلى عام 2008. وعلى ذلك أيضاً وأيضاً، حكمت محكمة القضاء الإداري بمجلس الدولة في مصر مرتين، في 2008 و2009، بوقف تصدير الغاز المصري باعتبار سعر تصديره أقل من السعر العالمي له وقيمته في السوق، وذلك بإقرار الحكومة المصرية نفسها. وفي المرتين لجأت الحكومة إلى المحكمة الإدارية العليا لوقف تنفيذ تلك الأحكام، باعتبار الاتفاقية تدخل في نطاق اختصاصها السياسي، وهي بالتالي من أعمال "السيادة". وبالمناسبة، وفي يوم اتخاذ هذا القرار في شباط/ فبراير 2009، بعد شهر على العدوان المريع على غزة، قررت المحكمة ذاتها منع إدخال المساعدات إلى القطاع المنكوب.. لعلها صدفة!!
والاتفاقية التي وقعها وزير البترول في حينه، تقضي بتصدير 1.7 مليار متر مكعب سنوياً من

الغاز الطبيعي المصري إلى إسرائيل، وتمتد على 20 عاماً. وقد مُدّت أنابيب من العريش في سيناء إلى ميناء عسقلان الإسرائيلي بطول مئة كيلومتر، فنشأت أولى الخلايا "الجهادية" حول نشاط نسفها بين حين وآخر! وكانت شركة "غاز شرق المتوسط"، مكلفة بتنفيذ الاتفاق، وقد أسسها ورأسها وملك أغلب أسهمها رجل الأعمال المصري حسين سالم، بشراكة مع مجموعة ميرهاف الإسرائيلية وآخرين، أمريكان وتايلنديين.. هكذا يكون البزنس الناجح.
والرجل أصيل في المجال، وخصوصاً حين يتعلق الأمر بإسرائيل. فهو من أنشأ مشروع مدينة شرم الشيخ السياحية الذي يقع على البحر الأحمر في مكان يربط بين سيناء والعقبة، وكان منتجعاً "عالمياً" تقصده باصات السياح الإسرائيليين.. حتى بدأت عمليات التفجير فيه. وهو بالمناسبة يقابل جزيرة تيران ويبعد عنها مرمى حجر. وهذه "أهداها" السيسي للسعودية مع جزيرة صنافير القريبة منها، واتّبع بعد ذلك السياق نفسه لإبطال قرارات المحاكم التي قضت بإلغاء المنحة.. للخبرة أحكامها!
بعد اتفاقية تصدير الغاز إلى إسرائيل تلك، انفجرت أزمات نقص المتوفر من الغاز الطبيعي للاستهلاك المحلي (الذي يباع للمواطنين المصريين بسعر السوق العالمية)، وارتفاع سعر عبوات الغاز وندرتها، وانقطاع الكهرباء بسبب توقف المعامل لنقص امدادها بالغاز، وكقرار أيضاً للتوفير وخفض الأعباء عن كاهل السلطات.. لا يهم.

ما مناسبة تقليب هذه المواجع؟

حسين سالم (الذي بدأ حياته ضابطاً في سلاح الجو ثم في المخابرات العامة)، هرب مع عائلته إلى إسبانيا قبل أيام من عزل مبارك إثر انتفاضة 2011. ليس فحسب لأنه خشي المحاسبة على هذا الملف بل لأنه تربح في عشرات المجالات بشكل يجسد الفساد النهّاب الذي ساد وقتها: استيلاء على مساحات شاسعة من أراضي الدولة، منح مقابلها ابني مبارك جمال وعلاء فيلات، غسيل أموال (بلغت قيمتها 4 مليار دولار) وغيرها وغيرها، وهي كلها صدرت فيها أحكام قضائية غيابية حتى وافقت محكمة الاستئناف الإسبانية على تسليم الرجل وابنه وابنته إلى مصر (باعتبارهم من المافيا)، إلا أن المحكمة الدستورية الإسبانية علقت إجراءات التسليم لأن الرجل كان قد تحوّط ونال في 2008 الجنسية الإسبانية وتسليمه ينتهك حقوقه الدستورية.. بُعد نظر.
المهم أن الرجل تفاوض منذ 2013 على "التصالح" مع الدولة مقابل رد 75 في المئة من ثروته، التي قُدِّر إنها تتجاوز 5 مليار جنيه أو 600 مليون دولار، مستفيداً من انهيار سعر العملة المصرية.. يا للحظ!
وأما عقد صفقة مع الرجل، أو تسوية، فأمر مفهوم وممارس في العالم بأسره في حالات مشابهة. ولكنها بحسب المحكمة المصرية بالأمس.. "براءة"!