قبل أيّام، هاجمت مجموعة من الشبّان مبنى الهلال الأحمر الفلسطينيّ وأطلقت النار في الهواء احتجاجاً على حفل تخريج لطلّاب مدرسة أقيم في قاعة المبنى، وظهر الادعاء بأن سبب الهجوم هو الاحتجاج على إقامة احتفالات في ظل إضراب الأسرى الفلسطينيين. تبيّن لاحقاً أن الهجوم ليس إلا استمراراً لشجارٍ بين عائلتين لا علاقة له بالحفل ولا بالإضراب. قبلها، بداية شهر نيسان/ابريل، استخدمت أجهزة أمن السلطة الفلسطينيّة الرصاص الحيّ لتفريق مجموعة من أبناء مخيّم الجلزون، ممّن خرجوا غاضبين إلى شوارع رام الله يطالبون بإغلاق المحال التجاريّة إثر استشهاد الشاب جاسم نخلة. قبل هذه الحادثة بأسبوعين، أطلق جيش الاحتلال النار على سيّارة استقلّها 4 شبّان من المخيّم، ارتقى منهم شهيدان وأصيب الآخران بجراح. إثر عمليّة الإعدام هذه، هاجمت مجموعة أخرى من شبّان المخيّم المحال التجاريّة في رام اللّه وكسّرت واجهات بعضها لإغلاقها بالقوّة وفرض الإضراب.. ذلك إلى أن وصلت أجهزة أمن السلطة وطردت الشبّان. في الحالتين، فتح أصحاب المحال التجاريّة أبوابهم بعد أن استعادت أجهزة الأمن قبضتها على الشارع وفرّ الشبّان بين اثنين: قمع السلطة من جهة، واستنكار الهجوم "غير الحضاريّ" على المحال التجاريّة من جهةٍ أخرى. وعلى الرغم من أن إغلاق المحال التجاريّة بعد سقوط شهيد هو تقليد وطنيّ كان قائماً خلال الانتفاضة الأولى والثانيّة

في فلسطين، وأن هذا التقليد كان يُفرض أحياناً باستخدام القوّة عند رفض أحد المحال التجاريّة الإنصياع للإضراب والإغلاق حداداً، إلا أنّ المُلفت هذه المرّة هو منع الإغلاق والإضراب باستخدام القوّة.
 

7 كيلومترات: المسافة بين المخيّم وأوسلو


يفصل مخيّم الجلزون عن مستوطنة "بيت إيل" شارع واحد فقط، حيث يستطيع القاطن في بيوت المخيّم القريبة من الشارع رؤية المستوطِن وهو يطهو في المطبخ، ويحيط "بيت إيل" سياج مكهرب، وبرج مراقبة وجنود وقنّاصة، بالإضافة إلى بندقيّة أوتوماتيكيّة موجودة حتماً في إحدى الغرف. وبين المستوطنة والمخيّم يقع كذلك مبنى الإدارة المدنيّة الإسرائيليّة، الذي تحوّل إلى مبنى "الارتباط" بعد اتفاقيّات أوسلو.. أي مبنى الارتباط بين السلطة الفلسطينيّة والاحتلال الإسرائيليّ: التنسيق، إصدار التصاريح، التحقيقات والاعتقالات، بالإضافة إلى الاجتماعات التنسيقيّة. من جهة أخرى، يبعد مخيّم الجلزون عن مدينة رام الله مسافة 7 كيلومترات ليس أكثر. مسافة تفصل بين مركزيّ الحالة الفلسطينيّة: على طرفها الأول تسكن رام الله، المدينة التي تتمركز فيها السلطة الفلسطينيّة ما بعد "أوسلو" بكافة تجلّياتها المادّية والرمزيّة: المنظّمات الأجنبيّة، السفارات، المؤسّسات غير الحكوميّة، المستشفيّات، الوزارات، المقاهي، المراكز الحزبيّة والسياسيّة، مراكز خدمة الجمهور والمعتقلات أيضاً. وفي الشق الثانيّ، يسكن المخيّم، حيث الفقر والتهميش والتهجير والاستغلال الطبقيّ والسياسيّ، والشرعيّة الشعبيّة، والقاعدة الجماهيريّة المُبكّرة لحركة فتح.
 

يفصل مخيّم الجلزون عن مستوطنة "بيت إيل" شارع واحد فقط، حيث يستطيع القاطن في بيوت المخيّم القريبة من الشارع رؤية المستوطِن وهو يطهو في المطبخ، ويحيط "بيت إيل" سياج مكهرب (...). من جهة أخرى، يبعد مخيّم الجلزون عن مدينة رام الله مسافة 7 كيلومترات ليس أكثر
 

إلا أن ذلك لا يجعل غضب الشبّان وفرضهم الإضراب بالقوّة موقفاً ضدّ السلطة أو دعماً لنهج المقاومة. هذه المجموعات التي تبدو أداة معارِضة للسلطة السياسيّة وتظهر حاقدة عليها، تحمل بالحقيقة الثقافة السياسيّة ذاتها التي تؤسس لقمع "المعارضة" لسلطة أوسلو: فمن الممكن أن يكون الشبّان ذاتهم الذين هاجموا المحال التجاريّة أعضاء في الأجهزة الأمنيّة الفلسطينيّة ممّن يقمعون المظاهرات المتوجّهة للحواجز الإسرائيليّة. ويمكنهم أن يكونوا ممّن يصوّرون فتاة تدخّن في مظاهرة رافضة لقمع السلطة للتشهير بالمتظاهرات ونعتهنّ "بالفجور". وربما يكونون ممّن يشهّر بالأسير المحرّر خضر عدنان اجتماعياً وقيمياً بسبب العداء بينه وبين السلطة السياسيّة. ومن الممكن أيضاً أن يكونوا هم أنفسهم قيادة "فتح" و"السلطة" في مخيّم الجلزون. وفي الوقت الذي تُطالب السلطة الفلسطينيّة باحتكار العنف وتطبيق القانون في رام الله، تقوم هي نفسها بخلق تحالفات عشائريّة، طائفيّة وفصائليّة، عصّبيّة ضيّقة.


"في ظلّ الشهيد"
 

لحظة الاستشهاد هي اللحظة التي يتحوّل فيها الإنسان من المادّة والجسد إلى فكرة تنتشر في الحيّز، تتغلغل في الوعيّ، تصيغه من جديد وتستنهض المشاعر والأسئلة. وعلى الرغم من تشابك وتعقيد الحالة التي شهدتها رام الله بعد استشهاد جاسم نخلة في المستشفى الحكومي، وخروج الشباب من غرفه الضيّقة إلى حيّز المدينة يطالبون بإغلاقها حداداً وإضراباً، تتأصّل الأسئلة الاجتماعيّة والسياسيّة المطروحة في مسألة الاستشهاد: هل تستمرّ الحياة بصورتها الطبيعيّة المستفزّة في الوقت الذي يُقتل فيه الناس؟ هل يصبح هذا الشهيد البالغ من العمر 18 عاماً خبراً منسياً أم يُصبح فكرةً تدور في فلك المدينة التي تشكّل "عاصمة" النظام السياسيّ الفلسطينيّ؟ هذا السؤال، بالأساس، يخص ماهيّة الشهيد في المجتمع والحيّز. فالمنطق من وراء الإضراب والحداد هو تحويل الشهيد حالةً معنويّة تذكّر بالواقع وتدفع لمواجهته، بينما تحاول "المدينة" واتفاقيّات الحكم الذاتيّ (أوسلو أبرزها) نسيانه من خلال بناء حياة تَظهر وكأنّها طبيعيّة داخل كانتونات لها أعلام وإعلام ووزارة وشرطيّ وعبارة "دولة" تظهر على كافة الرسائل الرسميّة التي تصدر عن السلطة لزرعها في الوعيّ وتكريس الوهم.
 

تستمد السلطة الفلسطينيّة شرعيّتها من جهتين نقيضتين متنافرتين: الأول هو التاريخيّ، أي منظّمة التحرير وتاريخها النضالي والقاعدة الجماهيريّة لحركة "فتح". والثاني هو مصدر الشرعيّة الحديثة ما بعد "أوسلو"، المتمثّل في الاتفاقيّة ذاتها وإفرازاتها، والمجتمع الدوليّ، والاستعمار الذي ارتبطت فيه بحكم الاتفاقيّة، والارتباط الأمنيّ الاقتصاديّ
 

الشهيد، الذي قُتل على يد جنديّ إسرائيليّ، يذكّر بالجنديّ ويذكّر بما يحاول الجميع نسيانه. ومن هذا المنطق، يمكن فهم، مثلاً، تنظيف السلطة للشوارع بعد أي مواجهات مع الجيش الإسرائيليّ خلال ساعات الليل، لتصحى المدينة كما نامت، وكأن المواجهات لم تكن. فيبقى الاحتلال، خبراً ضارباً في مخيم الجلزون، خفياً مستتراً عن مدينة رام الله.
حالة الاستشهاد هذه تُضفي على المشهد تركيباً إضافياً. فهي تُخضع الإضراب والحداد الضروريّ لئلا يُطمس فعل الاستشهاد من الحيّز العام إلى أبعاد اجتماعيّة وطبقيّة خطيرة يتحمّل النظام السياسيّ مسؤوليّتها ويستفيد منها. ويُخضع التقليد الوطنيّ الصادق إلى نظام اجتماعيّ مرتبط بالاستعمار بنيوياً ويغرق في التناقض بين الفقر و"التحديث"، ويتيح لفئات شعبيّة أن تفرّغ الغضب الاجتماعيّ والطبقيّ من خلال التكسير والعربدة في حيّز اجتماعيّ ليبراليّ مرفّه. فئات تشكّل، هي بذاتها، مصدر الشرعيّة والقوّة لعربدة النظام السياسيّ وقمعه.


بين شرعيّتين
 

تعلن السلطة السياسيّة احتكارها للعنف المشروع كأي سلطة سياسيّة طبيعيّة. ويقودنا ذلك إلى السؤال عن شرعيّة السلطة السياسيّة الفلسطينيّة التي تخوّلها بناء جهاز شرطة وأمن عام ومخابرات وأمن وطنيّ. وهنا نلاحظ أن السلطة الفلسطينيّة تستمد شرعيّتها من جهتين نقيضتين متنافرتين بطبيعة الحال جوهرياً: الأول هو التاريخيّ، أي منظّمة التحرير الفلسطينيّة وتاريخها النضالي، والقاعدة الجماهيريّة لحركة "فتح" باعتبارها الحزب المُسيطر على منظّمة التحرير. والثاني هو مصدر الشرعيّة الحديثة ما بعد "أوسلو"، المتمثّل في الاتفاقيّة ذاتها وإفرازاتها، والمجتمع الدوليّ، والاستعمار الذي ارتبطت فيه بحكم الاتفاقيّة والارتباط الأمنيّ الاقتصاديّ الذي بات بنيوياً.
ظاهرياً وعلى مستوى التصريح، تُتخذ منظّمة التحرير بوصفها الممثّل لقضيّة اللجوء والتناقض مع إسرائيل مصدراً للشرعيّة. أمّا جوهرياً، فقد تبدّلت تدريجياً، شرعيّة النظام السياسيّ الفلسطينيّ في الضفّة الغربيّة مع توقيع اتفاقيّة "أوسلو"، لتغدو شرعيّتها وشرعيّة وجودها نابعة من الاتفاقيّة ذاتها التي تُقاس بقدرتها على حماية أمن الاحتلال. وبناءً على ذلك، ففي فلسطين هناك مصدران للشرعيّة أحدهما جوهريّ وحقيقيّ، والآخر شعبويّ ظاهريّ لا يرتبط بالواقع إلّا على مستوى التصريح السياسيّ المتناقض مع الممارسة السياسيّة. ومن هذا الباب فقط يمكن فهم التناقض بين شعار "الطلقة الأولى" المستخدم في المهرجانات الفتحاويّة، و"الممثّل الشرعيّ والوحيد" كما يعبّر عنه وزير الأوقاف محمود الهبّاش، وبين "التنسيق الأمنيّ المقدّس" كما يعبّر عنه رئيس السلطة الفلسطينيّة محمود عبّاس أمام مجموعة من الطلّاب الإسرائيليّين في المقاطعة. ومن هذا الباب أيضاً يمكن فهم وجود يافطات تقدّس حق العودة في مؤتمر "فتح"، وأقوال أبو مازن أمام صحافيّة الإسرائيليّة بأنّه "لا يود إغراق إسرائيل بالفلسطينيين، وأنه لا يريد العودة إلى صفد".
 

تختار السلطة الفلسطينيّة التفريق بين المصدرين، العزل والفصل بينهما، وعلى ذلك تقوم: ليبقى المخيّم في المخيّم، ولتبقى رام الله كما هي بصورتها "الحضاريّة".. أي توزيع مادّي وتفريق بين شقّي المعادلة، ليبقى كل في حيّزه العام / الخاص
 

إن هذا التوتّر بين مصدريّ الشرعيّة يعود أساساً إلى التحوّل الجذريّ الذي مرّت به الحركة الوطنيّة الفلسطينيّة، ولا تزال في صيرورته، وهو لم يكتمل بعد: من حركة تحرّر وطنيّ إلى حزب "الحكم الذاتيّ"، عبر مسيرة طويلة كانت بدايتها الخروج من بيروت إلى تونس، وثم"أوسلو" ثمناً للعودة من تونس إلى الوطن، في مسيرة بات هدفها الوحيد الحفاظ على الجسم السياسيّ كهدف بحد ذاته، وليس جوهره.. إن كان حركة تحرّر وطنيّ. وبالتالي، بدأ النظام السياسيّ الفلسطينيّ في الضفّة الغربيّة يرتكز، تدريجياً، على مصدريّ شرعيّته: تاريخه المتناقض مع الاستعمار أولاً، والاستعمار ذاته بواسطة اتفاقيّات وتعاون مستمر أمنيّ - اقتصادي، ومعه الجهات المانحة بصورة غير مباشرة، أو إسرائيل والولايات المتّحدة الأمريكيّة بصورة مباشرة. هذا التناقض بين مصدريّ الشرعيّة، يأخذ بالتوتّر ويقود النظام السياسيّ إلى الحسم بين كلا مصدريّ الشرعيّة لتبنّي واحد على حساب الآخر، ومن هذه الزاوية تفهم مطالبة نتنياهو وترامب السلطة الفلسطينيّة وقف رواتب عوائل الشهداء والأسرى مثلاً. وهو بالمناسبة ليس إلّا طلباً لاستكمال مسيرة التغيير الطويل من حركة تحرّر وطنيّ إلى جسم "حكم ذاتيّ" يُفرّغ من كونه مسانداً للفعل النضاليّ.

 

العزل الاجتماعيّ حلاً لأزمات السلطة
 

انفجر المشهد. السلطة تُطلق النار بالهواء على الشبّان. هذا هو انفجار حالة اللعب على شقّي مصادر الشرعيّة. التقى مرّة واحد وفي حيّز مشترك: المخيّم والشباب والسياسة الشعبويّة التي ترتكز عليها حركة "فتح"، والمدينة الحديثة بوصفها مدينة "الحكم الذاتيّ" و"أوسلو" و"التحضّر" الحديث من مظاهر واستهلاك سياسيّ واقتصاديّ. كلاهما كمصادر شرعيّة للنظام السياسيّ يستطيعون إسقاطه: 1) القاعدة الشعبيّة لحركة "فتح" تستطيع ذلك من خلال سحب بساط الشرعيّة من تحت "فتح" والتوجّه نحو الصدام مع الاحتلال أو مع "فتح" ذاتها، وهو ما يمكن أن يؤدّي إلى اجتياح إسرائيليّ جديد للضفّة الغربيّة. أو 2) تسقطه إسرائيل والمجتمع الدوليّ من خلال عدم تحويل الأموال أو العمليّة العسكريّة الواسعة أو رفض التعاطيّ مع السلطة الفلسطينيّة، ما يضعها أمام مسار سياسيّ مغلق، خاصة وأنّها أبقت على كافة نقاط قوّتها العسكريّة والنضاليّة والشعبيّة مكشوفة للاحتلال.
هنا، تختار السلطة الفلسطينيّة التفريق بين المصدرين، العزل والفصل بينهما، وعلى ذلك تقوم: ليبقى المخيّم في المخيّم، ولتبقى رام الله كما هي بصورتها "الحضاريّة".. أي توزيع مادّي وتفريق بين شقّي المعادلة، ليبقى كل في حيّزه العام / الخاص.