تبدأ أسيل سيد أحمد حديثها عن مشروعها مع "أسبوع بيروت للتصميم" للعام 2016 برواية قصة قصيرة: "في أحد الأيام استقلّيتُ سيارة "سرفيس" إلى عملي، ركبت سيدة أخرى في السيارة بعدي مباشرة، فسألني السائق معتذراً إن كنتُ أمانع أن يوصل السيدة إلى وجهتها أولاً. أنا لم أمانع، ولكن قبل أن أعطيه إجابة واضحة تدخّلت السيدة فوراً قاطعة عليّ الحديث وقالت "لا، هيدول "العبيد" ما بيخصّهم، ما بيقولوا لأ، ما عندهم شي.." وكنت أريد الردّ عليها لكن السائق سرعان ما تولى الرد بنفسه، فقال لها أنه لا يجوز استخدام تلك الكلمة الفظيعة، "عبيد"، والتكلم بتلك الطريقة عن بشر آخرين، وأن له صديق سوداني تعرف إليه من خلال عمله على سيارة الأجرة، وتعلّم منه مدى سوء هذه الكلمة ووقعها. لكن المرأة أصرّت على استخدام الكلمة وبدأت بتبريرها بالقول أن الجميع عبيد لله في النهاية. واستمر النقاش بينهما إلى أن وصلتُ إلى وجهتي. وفيما أنا أترجّل من السيارة شكرته لكلامه، فتفاجأ الاثنان أنني أتكلم العربية وكنت أفهم الحديث طوال الوقت.
عندما مشيت مبتعدةُ بدأت أفكر أن هذه المرأة تعكس عقلية مجموعة من الناس، كنت بدأت ألاحظ أنماطها خلال فترة إقامتي الأولى في بيروت في

ذلك الصيف. والحقيقة أنها نظرة عنصرية بالفعل. لكن الأكثر إثارة للاهتمام بالنسبة إليّ كان السائق سامي. لقد كان قادرا على تخطي هذه العقلية والتخلي عن مفردة مسيئة، وذلك لأنه تفاعل مع إنسان آخر من مكان آخر، أي صديقه السوداني.."

 

"العنصر": جماليات الشتات الإفريقي

 

أسيل شابة سودانية - بريطانية، تسكن في بيروت منذ 4 سنوات، وهي مستشارة خاصة في مسائل فضّ النزاعات، وتعمل مع منظّمة أطباء بلا حدود. اشتركت في الدورة الماضية من المسابقة التي نظّمها "أسبوع بيروت للتصميم" للعام 2016، بعنوان Disrupt! Design! (عطّل! صمّم!).
اختارت أسيل لمشروعها معالجة ثيمة العنصرية، وأنجزت برفقة مجموعة من الأصدقاء والمصممين مشروعاً بعنوان "العنصر".
تتابع أسيل حديثها بالقول "بعد تلك الحادثة، بقيت الفكرة في مكان ما في رأسي. ليس الأمر متعلّقاً بالتعليم فقط، فهناك كثيرون يذهبون إلى الجامعات ويتخرّجون وتبقى تلك العقلية قائمة في أذهانهم وتصرفاتهم". تذكّرنا الشابة إذاً أنّ الكولونيالية أسّست لها مجموعة متعلّمة جداً من الناس، وعِلمهم لم يمنعهم من الإساءة والعنصرية. إذاً الأمر بالدرجة الأولى يتعلق بمكوّن سحري هو "التفاعل" مع الآخر الآتي من خلفية مختلفة.
مسابقة "أسبوع بيروت للتصميم" (أسس لها MENA Design Research Center) تتمحور حول استخدام التصميم كأداة لصنع تأثير اجتماعي، وتركز على استكشاف القيمة العملية الاجتماعية للتصميم المستدام، لا على الجمالية فقط. من هنا جاء مشروع "العنصر" كمحاولة اجتماعية - ثقافية لخلق مساحة حيث يستطيع أشخاص من ذوي البشرة الداكنة من مجتمع العمل المنزلي في لبنان أن يتفاعلوا مع الأشخاص اللبنانيين في بيئة خالية من حواجز التواصل.
"لاحظت أن اللبنانيين والعمال الأجانب يتواجدون غالباً في مساحات منفصلة، ولا يلتقون إلا في أماكن قليلة تكون فيها ديناميات السلطة مركّبة مسبقاً وتلقائياً لصالح الطرف اللبناني. كيف يمكن أن يكون هناك تفاعل حقيقي إذا استمر هذا اللاتوازن؟ أردنا إيجاد مساحة تُعادِل بين الأطراف، وخلق مكان "تملكه" نساء من أصول إفريقية، ويُدعى إليه اللبنانيون ليكونوا ضيوفاً".
بالاشتراك مع الفنانة الأميركية الأفريقية الأصل راي فيليبس وآخرين، استطاعت أسيل سيد أحمد تنظيم ورش عمل مع مركز "مجتمع العمّال المهاجرين" Migrant Community Center، مع مساعِدات منزليات من سريلانكا، إثيوبيا، نيجيريا وغيرها، ركزت على بناء ثقتهن بأنفسهنّ واستكشاف شخصياتهن ومشاعرهن.
تلا ورش العمل يومٌ من النشاطات المتعلقة بالثقافة الإفريقية في مبنى "كيد" في منطقة الكرنتينا. قدِم الجميع لابسين ثياباً تقليدية خاصة ببلدانهم إلى تلك المساحة المرحِّبة، وجلّهن كنّ من العاملات في المساعدة المنزلية. وشاركن في يوم كامل، كلّ من خلال مهارة معيّنة تتقنها، من لفّ العمائم على الطرق الإفريقية التقليدية المختلفة، إلى صناعة أنواع القهوة الإثيوبية، إلى التصاميم الحرفية والأزياء وصناعة الحقائب والحلي، وصولاً إلى حفل موسيقي ليلاً، مستوحى من موسيقى القارة الإفريقية.

 

خطوة بعد خطوة..

 

تقدّر أسيل والفريق المتعاون نجاح هذا النشاط بالتفاعل الحي وبتمكّن الجميع من تخطّي مسألة العرق إلى الأبعاد الإنسانية، لكنها تضيف أنّ ما لم تتمكّن من تقديره هو كمّ الناس الذين تغيّرت مقاربتهم فعلاً لموضوع العنصرية بعد هذا النشاط، وهو ما تعتبره أمراً مهماً يحتاج لمتابعة مستقبلية.

 

Growing Sustainably: Beirut Design Week 2016 from Beirut Design Week on Vimeo.

 

التنمية المستدامة الاجتماعية والثقافية يمكن أن تتواجد فقط عندما نبدأ بمعاملة الأشخاص كأفراد مبدعين قادرين على المساهمة في تنشيط اقتصاد البلاد، لا عبر استغلال عمالتهم بما يشبه العبودية (ما يُسمّى بنظام الكفالة نموذج عن مبلغ سوء الاستغلال). وتعتقد أسيل أن الخطوة التالية للمشروع يجب أن تأخذ منحى مهنياً عمليا، من هنا أهمية استكمال الجهود عبر عمل رينيه أبي سعد على تطبيق إلكتروني يسمح للسيدات اللاتي يصنعن منتجاتهن وتصاميمهن الخاصة بعرضها وإنشاء "بيزنس" خاص بهنّ.  
تطرح أسيل في الفيديو الذي أنتجه أسبوع بيروت للتصميم سؤالاً ملفتاً: لماذا ــ رغم الهجرة والهجرة المقابلة بين إفريقيا ولبنان منذ سنين طويلة ــ لم تتمكن الثقافات من التلاقي والتواصل بشكل صحّي؟ لماذا بقي سؤال العنصرية؟
الطريق طويلة ولم تنتهِ المهمّة بعد، فالمشروع الذي بدأ صغيراً صار نواة لآخرين مهتمين بوضع اقتراحاتهم وإثراء المعالجة بمشاريع أخرى، ستستكمل في دورة العام 2018 من مسابقة التصميم المستدام في بيروت.