في الأساس، لا يتعلق الأمر بزيارة الرئيس الفلسطيني محمود عباس إلى "البيت الأبيض" الأمريكي، ولا بما قال هناك أو يمكن أن يقول، ولا حتى بما يصرح به الرئيس الأمريكي حول "شيء رائع fantastic !" سيتمكن من الوصول إليه. فهذا لا يقدم في الشأن ولا حتى يؤخر فيه.
في الأساس، هناك مستويان مقرِّران: الوقائع القائمة في الميدان، والوجهة ــ بمعناها الاستراتيجي ــ المتبناة من قبل الأطراف الفاعلة في الميدان.
هناك 570 ألف مستوطن في الضفة الغربية وذلك بحسب "الرباعية"، وهي هيئة دولية لم يُعرف عنها محاباتها للفلسطينيين. هناك 131 مستوطنة تحتل نصف مساحة أراضي الضفة الغربية، كلها أدانت وجودها الأمم المتحدة في قرارها 2334 المتخذ في 23 كانون الأول/ ديسمبر 2016. هناك 185 ألف مستوطن في القسم الشرقي ــ المقر دولياً بأنه فلسطيني ــ من مدينة القدس وحدها. ومجدداً، هذه أرقام "رسمية" وليست "منفوخة". بمقابلها، هناك حوالي 2.8 مليون فلسطيني في الضفة الغربية والقدس، بحسب الإحصاءات الرسمية الفلسطينية.
ما سُمي "حل الدولتين" مات من زمن، هذا لو كان أصلاً وُجد في يوم من الأيام إلا كستار من الدخان أخفى وراءه تنشيطاً غير مسبوق للاستيطان على الأرض (وفق أرقام الأمم المتحدة كذلك)، وتسويقاً لأحلام مخدِّرة. لا يهم متى انكشف ستار الدخان ذاك ــ

وقد انكشف باكراً. كما قد لا يهم اليوم الانزلاق إلى سجالات واتهامات حول قصدية تجاهل هذا الانكشاف والاستمرار في تسويق الوهم، ستراً للعجز ربما أو منفعة لشريحة استقرت أوضاعها في وظيفة إدارة المعطى الاحتلالي بالتي هي أحسن، أو لتقطيع الوقت أخيراً بانتظار معجزة.. لا يهم هذا السجال لأنه عقيم الآن بل وقد يكون مدعاة لمزيد من التناحر والتمزق الفلسطيني، بلا أي خطوة إلى الأمام.
هناك أكثر من ألف معتقل فلسطيني في سجون إسرائيل (من أصل 6 آلاف أو يزيد) مضربون عن الطعام منذ 17 نيسان/ أبريل. وهم يطالبون بحقوق لهم كأسرى وفق القانون الدولي كذلك، متجاوزين كل الانقسامات السياسية القائمة في صفوفهم. خوضهم لهذه المعركة يخص إثبات قدرتهم على رفض القبول بواقع مذل وتعسفي يخضعون له بقصد قتل كيانيتهم كمناضلين في حركة تحرر وطني. وهناك مظاهرات في الضفة الغربية، وإضراب شامل جرى يوم 28 نيسان/ أبريل، وقوبلا بعنف كبير من إسرائيل. وهناك وقفات تضامنية من حركات مساندة لفلسطين في العالم، وهناك رئيس الوزراء اللبناني الأسبق، سليم الحص، الذي أعلن عن إضرابه عن الطعام ليوم، وهو في الثامنة والثمانين من عمره، آملاً بالمساهمة في لفت الأنظار إلى "إضراب الحرية والكرامة" هذا.
أكثر ما تكرهه إسرائيل هو الاتجاه نحو تدويل المسألة الفلسطينية، جعل كل مفاوضات بشأنها تحت إشراف الأمم المتحدة (على كل علل هذه الأخيرة ورخاوتها وتواطآتها)، والتوجه مثلاً إلى "محكمة العدل الدولية" بأكثر من ملف يخص حياة الفلسطينيين تحت الاحتلال، ورفض المحادثات الثنائية بإشراف واشنطن.
إسرائيل لا تطيق تدخل حكومة فرنسا كما تبين في تعاملها مع مؤتمر باريس.. فما الذي يمكن أن يجنيه محمود عباس من ترامب، الذي أمضى حياته غارقاً حتى أذنيه في دعم إسرائيل، وفي اعتبارها قبلة الكون؟ أن يُسعد محمود عباس بزيارة البيت الأبيض ويعتبر ذلك مكسباً لقضية فلسطين، بما هو اعتراف بوجودها كمشكل، شيء.. (وهو أيضاً وتحديداً السياق الذي يندرج فيه موقف حماس الأخير من القبول بدولة فلسطينية على حدود 1967، بوصفه مجرد "إزالة للذرائع")، وأما أن يسعى أياً كان لترتيب تبعات تتجاوز هذا الحد على تلك الزيارة وهذا الموقف، فشيء آخر.
والحقيقة أن رئيس السلطة الفلسطينية، ومهما كانت شرعيته الدولية ما زالت قائمة، لا يملك أن يُقْدم على أي "تنازل". ليس فحسب لأن الحق الفلسطيني جلي، ولديه حراسه وإن كانوا في حالة ضعف، بل لأن إسرائيل لا تريد من جهتها التنازل عن شيء مهما صغر شأنه، وتعتبر ــ بقصر نظر بالمعنى التاريخي ولا شك ــ أنها ستسطو وتبتلع كل شيء. ولذا فكل تنازل فلسطيني هو مجاني مئة بالمئة.
الممكن والملح اليوم هو ابتداع وسائل لدعم إضراب المعتقلين الفلسطينيين، ثم السعي لتوافقات حول برنامج وطني، كخطوة أولى نحو استراتيجية صمود وتحرر. خطوة ستكون نداء لاستنهاض التضامن العام مع فلسطين، وفي العالم بأسره، كما هي ستتطلبه في الوقت نفسه.
ومن غير ذلك فـ"دولة فلسطينية" أو كل ما يوحي بها، هي تسويق لوهم بغرض تقديم خدمة خالصة لإسرائيل.