من موقع: بالأحمر
 

نحن أمام منظومة أمنية تافهة وضعيفة. هكذا أصبح الكثيرون يرون حال الأمن في مصر، بالأخص مع أداء الجيش المتعثر في سيناء وتفجيرات الكنائس المتتالية في قلب المدن. إلا أن المنظومة الأمنية في مصر ليست بهذا القدر من التفاهة كما يتخيل البعض. فهذه المنظومة لديها العديد من الخبرات العريقة في استغلال القانون كأداة قمع وتأطير للواقع الاجتماعي، وتاريخ طويل يمتد لقرابة قرن من قمع ومطاردة التنظيمات السرية والسياسية والأشكال المختلفة من المقاومة العنيفة الفردية والشعبية. كما طورت خبراتها في الثمانينيات والتسعينيات في مواجهة الإرهاب الإسلامي. كما تشارك في تدريبات مختلفة مع دول متقدمة مثل الولايات المتحدة وألمانيا وتقوم بتدريب بعض أجهزة الأمن معهم مثل البوسنه. ولكن لا شك أنها أصيبت بترهل كبير في العقد الأخير من عصر مبارك وتعاني -على حد تعبير تروتسكي في موضع آخر- من تطور مركب ولكن غير متكافئ؛ فأجهزة مثل أمن الدولة والمخابرات العامة تستهلك ميزانيات ضخمة ومتطورة تقنيا وفنيا بشكل كبير، في مقابل إهمال وعدم اكتراث ببقية الأجهزة المنوط بها بتقديم خدمات الأمن الاجتماعي والجسدي لعموم المواطنين، والحال كذلك مع قطاع مثل المباحث العامة. فأولوية المباحث في المناطق المختلفة هو الإخضاع والسيطرة على المنطقة وليس الحفاظ على سلامة وأمن قاطنيها.

أصيبت المؤسسة الأمنية، وتحديدا الداخلية، بتحلل لا مؤسسي؛ بمعنى أنها أفرطت في استخدام الأشكال غير الرسمية كجزء عضوي من عملها. يمكن القول إن هذا كان الحال نفسه منذ أزمنة بعيدة، ولكنه كان مقصورا على حدود معينة (العائلات الكبرى، بعض المرشدين والبلطجية، مثل شارع عماد الدين في الثلاثينات والأربعينات وهكذا). ولكن نتيجة الحرب على الإرهاب في التسعينيات أصبح الإفراط في الأشكال اللا مؤسسية منهج عمل موسع، وقاد إلي تحول سلطة المؤسسة إلي ريع اقتصادي؛ أصبح العاملون بالمنظومة يحاولون التكسب من مواقعهم بقدر ما يمكن لهم من خلال استغلال السلطة والمساحة، مما أدى إلى قلب العلاقة بين المؤسسة والمجتمع. فمثلما تخترق المؤسسة الأنسجة الاجتماعية بالطريقة الرثة هذه، تخترق الأنسجة الاجتماعية هي الأخرى المؤسسة، حتى أصبح الفساد لا يمكن السيطرة عليه عمليا إلا من خلال الإجهاز الكامل على المنظومة وإعادة بنائها من جديد.
للأمن في مصر أولويات واضحة، أخرها هي أمننا المباشر…و لذلك في ذروة هيمنة العادلي كانت ظاهرة “التثبيت” (أن يوقفك أحد الأشقياء أو البلطجية ليسلب منك بعض الأموال) في الشارع، ظاهرة متفشية، يعاني منها قطاع كبير سواء من طلبة المدارس أو المشاة أيا كانت طبيعتهم، وطبعا السيدات من تحرش إلى تثبيت الخ… محاولة للهيمنة من خلال خطوط معينة تحرص الداخلية عليها لخلق استقرار نسبي متوهم، وأصبحت مساحات كثيرة آمنة على عدة مستويات، وإن كان بشكل خارجي وظاهري فقط. على سبيل المثال، إلى يومنا هذا تباع المخدرات في منطقة مثل ميت عقبة (بجوار نادي الزمالك وحي المهندسين بمجرد عبورك 200 متر فقط من طريق 15 مايو)، ثم أصبحت بعد ما يسمى بالانفلات الأمني عقب الثورة تباع على قارعة الطريق نفسه. والحقيقة أن المائتين متر هي تعبير حقيقي عما حدث وشديد الأهمية لفهم رؤية البرجوازية والطبقات الوسطى والمحافظين للأمر. فالبيع كان يتم طيلة الوقت، وما زال. لكنك لم تكن تمر عليه، كان عليك أن تطأ بقدميك أول المكان حتى ترى بنفسك.
لكن هذه السياسات اللا مؤسسية حالت دون تكوين مافيات كبيرة، مستقلة وقادرة على التحرك بحرية وخلق علاقات خارجية، وبالتالي أصبحت هناك صعوبة كبيرة في عمل تقييم حقيقي لقوة الجهاز. بمعني هل هو جهاز قوي أم جهاز ضعيف وغير قادر على السيطرة والضبط؟ خاصة حين نقترب بعدسة الرؤية نحو مستوى أدنى في التفاعلات الاجتماعية اليومية، فلا يوجد أحد أكثر سطوة وقوة من رئيس المباحث ورجالته في قسم ما، وليكن قسم الرمل أو المطرية أو السيدة… ومع ذلك وبسبب العلاقات المؤسسية- اللا مؤسسية المتداخلة والفساد الرهيب ومحاولة السيطرة من خلال علاقات مشبوهة تكونت قطاعات داخل هذه المناطق تفعل ما يحلو لها من بلطجة وتجارة غير مشروعة واستيلاء على أراضي… الخ.
 

لقراءة المقالة كاملة