اليوم قصفت إسرائيل موقعاً قرب مطار دمشق. قيل فيه إنه مخزن ذخائر، بينما يقول الطرف الآخر إنه مستودع وقود تابع للمطار نفسه، راداً على الحادث بخطاب لعل بلادته تضاهي قوة القذائف: "العدوان الإسرائيلي يأتي كمحاولة يائسة لرفع معنويات المجموعات الإرهابية التي تنهار تحت ضربات قواتنا المسلحة، ولن يثنينا عن مواصلة حربنا على الإرهاب وسحقه".
 .. وتقول إسرائيل بتعال لا يقل سخفاً إنها "تحتفظ بحق التدخل حين يكون ذلك ضرورياً"، بينما هي هددت وتوعدت حين أسقطت المضادات السورية إحدى طائراتها في غارة سابقة. وكأن ذلك "الحق" الذي تعتد به قائم فعلاً، أو هو مقدس ينبغي على الجميع احترامه، بما فيهم ضحاياه والأعداء. وهي إسرائيل نفسها بالمناسبة التي يقول وزراؤها اليوم إنهم يتبنون موقف مارغريت تاتشر حيال إضراب أكثر من ألف معتقل فلسطيني عن الطعام: إهمالهم وتركهم يموتون.. كما فعلت رئيسة الوزراء البريطانية مع المعتقلين الإيرلنديين.
 .. فيما يقول وزير الخارجية البريطاني إن بلاده ستشارك الولايات المتحدة في أي ضربة عسكرية مقبلة على سوريا، بعد الـ59 صاروخ توماهوك التي أرسلت من سفن أمريكية تمخر عباب البحر المتوسط، رداً على خان شيخون التي قصفت بأسلحة كيماوية، و"هي محرمة منذ مئة عام".. واضعاً بذلك القوانين التي يسنها وأمثاله كقيمة عليا مطلقة،

وواضعاً البربرية في ماض ختم عليه قبل مئة عام.. فيما ذلك تزوير معيب بحق ذاكرة الناس وأفهامهم. فقد لجأت بلاده وأمثالها الى ما هو أشنع، كالقنابل النووية في الحرب العالمية الثانية، بل إن بلاده وأمثالها استخدمت الكيماوي بعد ذلك التاريخ، ووقائع قصف "القوم المتحضرين" لأعدائهم بأسلحة "محرّمة" في حرب فيتنام تشهد، كما تشهد وقائع قصفهم المتكرر بتلك الاسلحة، بل وبأخرى تجريبية، في 1991 ثم 2003 في العراق.
وأما مفخرة إخراج قنبلةMOAB  العملاقة من مخزنها وإرسالها فوق جبال أفغانستان حتى تسمع كوريا الشمالية التهديد، فقد حدث منذ أيام. والقنبلة معرّفة بأنها تأتي مباشرة قبل تلك النووية، وهي قتلت بضع عشرات من "الإرهابيين"، ما يعني أن قتل واحدهم كلف مليون دولار على الأقل، مما ستخرج أرقامه المثيرة للسخرية في مقبل الأيام.  
استخدام الأسلحة الكيماوية فعلة مريعة.. ككل قتل للمدنيين خصوصاً في الحروب. وخان شيخون في سوريا كانت آخر من اكتوى بهذه النار في 7 نيسان/أبريل الجاري، حيث سقط عشرات الضحايا في قصف اتُهِمت السلطة في دمشق بارتكابه. قبل ذلك الحادث بأسبوع، في آخر يوم من آذار/مارس، صدرت تصريحات أمريكية متعددة تقول إن تنحي الأسد لم يعد شرطاً مسبقاً للبحث عن حل، بل قالت نيكي هالي سفيرة الولايات المتحدة في الأمم المتحدة، إن ذلك "لم يعد أولوية سياسة أمريكا تجاه سوريا"، وقال ريكس تيلرسون، وزير الخارجية الأمريكي في اليوم نفسه، وخلال زيارته لأنقرة، أن "مصير الأسد يقرره الشعب السوري"، وهو حرفياً ما تقوله السياسة الروسية في الشأن! وهذه كلها تضاف إلى تصريحات وتلميحات نطق بها المرشح ثم الرئيس ترامب، تعتبر أن الأولوية هي للحرب على داعش، وليس لإسقاط الأسد.. فهل شجع ذلك كله السلطة في دمشق على استخدام الكيماوي؟ تماماً كما يقال إن أبريل غلاسبي، السفيرة الأمريكية في بغداد في 1990، أوحت لصدام حسين أن بإمكانه تسوية مشكلته مع الخليجيين كما يشاء، إثر نكثهم بوعودهم له خلال حربه الطاحنة مع إيران. وقد اعتُبِر ذلك في حينه فخاً متعمداً، قد يكون خُطِّط له من دون دراية السفيرة نفسها التي عوملت بعد ذلك كساذجة.. وهي ربما كانت كذلك، وربما قيل ذلك تنصلاً! وهكذا يمكن لرواية في كيفية صنع المؤامرات أن تتراكب بلا نهاية.
استخدام الأسلحة الكيماوية فعلة مريعة.. ككل قتل للمدنيين خصوصاً في الحروب. ما لا يمنع أن مدنيين أكثر قتلوا خلال قصف أمريكي مباشر على مبان سكنية في الموصل. وقد وقع ذلك قبل جريمة خان شيخون تلك بأسبوعين! ولم يوجد من يرتعد غضباً نتيجة الحادث، ولا يمكن إرجاع الاستخفاف به إلى أنها ضرورات الحرب على الإرهاب التي يذهب فدية لها مئات المدنيين، تخلصاً من قناص على سطح بناية مثلاً.. مثلما قيل. أو أن القصف الأمريكي أكثر تحضراً من ذاك السوري مثلاً.
وليس في الأمر أبداً وضعاً للضحايا في منافسة، ولا ممارسة لتفضيلات تخفف من طبيعة الجريمة بحسب هوية مرتكبيها أو ضحاياها، ولا تعميماً للجرائم المرتكَبة بحيث يبهت هولها. لكنه رفضٌ للاستخفاف بالعقول ولتبرير جرائم بجريرة غيرها. وهو كذلك رفض لهذا اللعب بالنار الذي يمكن أن يؤدي إلى حرائق مرعبة. فلو كانت نظرية "الرجل المجنون" بخصوص الرئيس الأمريكي نيكسون، التي اخترعها وزير خارجيته هنري كيسنجر لإخافة مفاوضيه ودفعهم للتنازل، قد أبانت عن فشل عظيم، فإن نبشها وإعادة استخدامها اليوم بخصوص ترامب "الرجل غير القابل للتوقع" يبدو أخرقاً كما هو الموقف الذي نشهده والذي قد ينزلق إلى حيث لا يعود مجرد استعراضية.. فهل يستمر هؤلاء السادة كلهم بهكذا تهديد لمصير البشرية.. وليس أقل؟