ما الذي يمكن أن يحققه إعلان حالة الطوارئ؟
إعلان الطوارئ معناه إلغاء المظاهرات والوقفات الاحتجاجية. معناه أيضاً السماح للشرطة بالقيام بإجراءات استثنائية كالقبض العشوائي الاحترازي والتفتيش دون إذن من النيابة وتعليق بعض الحريات المنصوص عليها في الدستور.
ولكن كل هذا مطبق فعلاً. بل مطبق ما هو أشد منه، فهناك تعذيب مستشري في أقسام الشرطة في طول البلاد وعرضها، وهناك محاكمات استثنائية، والمدنيون يحاكمون أمام القضاء العسكري، وهناك توسع ملحوظ ومضطرد في إصدار أحكام بالإعدام.
وبالتالي فيبدو أن إعلان الطوارئ لن يضيف شيئاً.
لكن هذا غير صحيح. فإعلان الطوارئ يضرب عصفورين بحجر. الأول هو إظهار السيسي وكأنه متحكم بالفعل في المشهد العام، بل يظهره كالرجل القوي الذي باستطاعته التصدي للإرهاب وليس كالمسؤول الأساسي عن الفشل الأمني الذي تشهده سيناء منذ أكثر من عامين، ذلك الفشل الذي وصلت آثاره للعمق المصري في طنطا والإسكندرية والقاهرة (كانون الأول / ديسمبر الماضي).
أما الهدف الثاني فهو وأد أي محاولة للتفكير الجدي والنقدي حول أنجع الوسائل للتصدي للإرهاب. فلا حديث عن دور الإسلام الوسطي الجميل الذي ترعاه الدولة بأزهَرها في تزكية الطائفية. ولا حديث عن تعليق الحقوق والحريات وازدياد الاحتقان المجتمعي نتيجة لذلك، ولا حديث عن مصادرة المجال العام وسلب الناس قدرتهم على

التلاقي والتفكير وتبادل الرأي كي يمارسوا واجبهم المجتمعي في التصدي للإرهاب. ولا حديث عن السيطرة على الإعلام الذي بات يشوّه الحقائق ويحجر على الأصوات المعارضة. ولا حديث عن الضربات المتتالية التي يوجهها النظام للسلطة القضائية حتى ضاع إيمان الناس بحقهم في محاكمة عادلة. ولا حديث عن ضرورة إصلاح الشرطة حتى انعدمت ثقة الناس في هذا المرفق الهام. ولا حديث عن أسلوب الجيش في التعامل مع إرهابيي تنظيم الدولة في سيناء، ذلك الأسلوب الذي ألب أهالي سيناء على الجيش بعد أن استعداهم وشكك في ولائهم وهدم بيوتهم واستباح أعراضهم، كل ذلك باسم القضاء على الإرهاب.
لا توجد حلول سحرية للقضاء على الإرهاب، ولا يمكن القضاء عليه بضربة قاضية، ولن نستطيع استلام سينا "متوضية من الإرهاب" بهذه السياسة الأمنية العقيمة التي تزيد الأمور تعقيداً بدلاً من حلها.
للمرة المليون نقول إن الإرهاب يمثل خطراً وجودياً ليس فقط على الدولة ولكن علينا كمجتمع. وإننا كأفراد، مسيحيين ومسلمين، رجال ونساء، شباب وكهول، كلنا علينا واجب التصدي للإرهاب. هذا واجبنا كلنا قبل أن يكون حقنا، ولا يجب التخلي عنه أو تفويض غيرنا للقيام به.
القبول بإعلان حالة الطوارئ هو التخلي عن واجبنا في التصدي للإرهاب. إعلان حالة الطوارئ جزء من منظومة أمنية ترى أن الدولة، والدولة وحدها، هي من يحق لها مواجهة الإرهاب. لقد جربنا هذه السياسة على مدار أكثر من أربعين سنة، ولم تحقق شيئاً بل زادت مشكلة الإرهاب تعقيداً سنة بعد سنة وعقداً بعد عقد.
الحل يكمن في مساءلة المسؤولين ومحاسبتهم بل إقالتهم إن قصروا في واجبهم وليس في تفويض الدولة في أن تتصرف كيفما تشاء.. في طرح أسئلة نقدية وحرجة وليس في تأجيل النقاش حتي تنقشع الغمة.. في العمل على تقوية مؤسسات المجتمع وليس في إطلاق يد الدولة.. في الإفراج عن المعتقلين كإسماعيل الإسكندراني وغيره، وليس الزج بخيرة شباب مصر في السجون.. في فتح المجال العام وليس في مصادرة الحقوق والحريات.. في تعزيز المشاركة المجتمعية وليس في الاصطفاف وراء القائد.

من موقع المؤرخ خالد فهمي