أوروبا "القلعة" تُبنى بسرعة فائقة وعسكرة "الحماية من المهاجرين" تبدو، علاوة على كل شيء، سوقاً مربحة خارج أوروبا، وأيضاً داخلها. السياجات والأسلاك الشائكة لا تكفي، ويجب تطوير تكنولوجيات أمنية على الأرض وفي البحر: طائرات بدون طيار، كلاب - روبوتات، حدود الكترونية (كاميرات حرارية، أجهزة استشعار، رادارات وأقمار صناعية)، إلخ...
افترق ممثلو الاتحاد الأوروبي المجتمعون في مالطا يوم 3 شباط / فبراير 2017 بعد أن صادقوا على خطة عمل تهدف إلى كبح  ــ وربما في نهاية المطاف إلى إيقاف ــ تدفق اللاجئين القادمين من ليبيا أساساً. وأمام انفلات الأوضاع في هذا البلد، يتجه المسؤولون الأوروبيون أكثر فأكثر نحو البلدان المجاورة، كتونس ومصر والجزائر، بهدف دفعها إلى احترام آليات التحكم في تدفق الهجرات التي وضعتها أوروبا أو المساهمة فيها.  تنقلت المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل شخصياً حتى تقنع قادة هذه البلدان بالتعاون مقابل مساعدات مادية ومالية هامة. حتى كانت هذه اللقاءات لم تثمر النتائج المرجوة منها، إلا أن ممارسات المراقبة والردع في هذه البلدان راحت تصبح أكثر احترافاً وتأقلماً مع شروط الشركاء الشماليين.
ومنذ عشرين عاماً تقريباً، أصبح التعاون في مجال التصدي للهجرة طابعاً مهماً لسياسة أوروبا المتعلقة بشمال إفريقيا. وتبدو الحدود الجنوبية كواحدة من أولويات

هذه السياسة، خصوصاً وأن انعدام الاستقرار السياسي المتواصل في ليبيا يجبر اللاجئين على تغيير وجهتهم وعبور المتوسط عبر ممرات أطول انطلاقاً من مصر وتونس والجزائر. أرادت المستشارة الألمانية خلال جولتها في شمال إفريقيا التطرّق إلى الوضع في ليبيا والى التعاون في محاربة الهجرة غير النظامية. ألغيت زيارة الجزائر التي كانت مقررة يوم 21 شباط / فبراير 2017 قبل سويعات قليلة من إقلاع طائرة ميركل بسبب ازمة صحية للرئيس بوتفليقة. تفاجأ المسؤولون الألمان بالأمر خصوصاً وأنهم يعلمون جيداً أن اللقاءات الرسمية تعقد مع أعضاء من الحكومة الجزائرية، منذ أن تردت صحة رئيس الدولة. ومع ذلك جددت ميركل التعبير عن عزمها زيارة الجزائر في أقرب وقت ممكن. كما أنها ذهبت يومي 2 و3 آذار/ مارس 2017 إلى كل من مصر وتونس.

 

حركة تنقل مقيدة 

 

حسب السلطات الجزائرية، فهناك 25 ألف أجنبي يقيمون بطريقة غير شرعية في البلاد، في حين تقدر منظمات غير حكومية عددهم بأكثر من مئة ألف. أغلب اللاجئين القادمين من إفريقيا جنوب الصحراء هم أصلا من مالي والنيجر وغينيا والكاميرون ودول أخرى من غرب إفريقيا، ويتركزون خصوصاً في الجنوب الجزائري. إلى حد الآن ما زال بإمكان المواطنين الماليين الذهاب إلى الجزائر والمكوث فيها ثلاثة أشهر دون تأشيرة. هذا الأمر يُمكّنهم، بالإضافة إلى مهاجرين آخرين يحملون أوراقاً مزوّرة، من التنقل ذهاباً واياباً من مالي إلى الجزائر حيث يجدون عملاً في مجالات البناء والفلاحة. وإذا ما كان هناك عدد كبير من هؤلاء يستقرون لمدة أشهر أو سنوات في الجزائر، فإن الآخرين يعملون لكي يتمكّنوا من السفر إلى أوروبا. الجو في الجزائر ليس مريحاً جداً بالنسبة للاجئين من إفريقيا جنوب الصحراء، بسبب تفشي معاداة الأجانب عامة، والمداهمات البوليسية. حصلت آخر موجة ترحيل مهاجرين واسعة في كانون الأول/ ديسمبر 2016 حيث تمّ إبعاد 1400 واحد منهم. كما أنه في كانون الثاني/ يناير 2014، شملت عمليات الترحيل 19270 مهاجراً.
في تونس، يُقدَّر عدد الليبيين الذي فرّوا سنة 2011 نتيجة التدخل العسكري الغربي بمئات الآلاف. وبإمكان الليبيين دخول تونس من دون تأشيرة استناداً إلى اتفاقية ثنائية تعود إلى 1973، وتسمح لمواطني كل بلد بالعمل والاستقرار في البلد الآخر. وحتى إذا ما كانت الإدارة التونسية تعقّد مسألة الإقامة، فإن الاتفاقات القائمة تسهل نوعاً ما حركة التنقل. في المقابل يعيش عشرات آلاف العمال أصيلي إفريقيا جنوب الصحراء الذين فرّوا من ليبيا إلى تونس وضعية كارثية، بسبب غياب التشريعات المتعلقة بحق اللجوء، وعدم احترام قرارات الحماية الصادرة عن المفوضية السامية لشؤون اللاجئين، والاحتجاز في معسكرات، وعمليات الإبعاد، ونقص فرص العمل.. بالإضافة إلى العنصرية. كلها أمور تجعلهم في وضعية صعبة وتدفع بعدد منهم إلى أن يجرب حظه في الوصول إلى أوروبا.
المغرب الأقصى يعتبر حالة فريدة، بمعنى أنه عدّل منذ سنوات تشريعاته وممارساته حسب الشروط الأوروبية، وخصوصاً الاسبانية، وذلك مثلاً عبر منع العبور إلى "الجيوب" الأسبانية سبتة ومليلية بواسطة سياج مزدوج ثم سياج  ثلاثي من الشبك الحديدي. يبلغ طول السياج الأول 8 كيلومترات في حين يمتد الثاني على مسافة 12 كيلومتراً. كان ارتفاع السياجين يبلغ 3 أمتار قبل أن يصبح 6 أمتار في 2005. من شبه المستحيل اختراق هذه الأسيجة فهي مجهزة بآلات كاميرا وأبراج مراقبة وأسلاك شائكة ذات شفرات حادة. لكن المغرب هو البلد الوحيد في المنطقة الذي اعتمد سياسة هجرة فعلية – وهذا أيضاً في توافق مع التشريعات الأوروبية - تتضمن تسوية وضعية المقيمين غير الشرعيين ومنحهم الحق في الخدمات الصحية والعمل، نظرياً على الأقل. يعد المغرب ما بين 10 آلاف و20 ألف مهاجر، أتوا من إفريقيا جنوب الصحراء، وأغلبهم مواطنو دول لا تُفرض عليها تأشيرات، دخول خصوصاً السنغال وساحل العاج والكاميرون وغينيا.
هوناك ما بين 1000 و2000 شخص يدخلون المغرب سنوياً، ثم يجدون أنفسهم بدون أوراق بعد أن تنقضي المدة القانونية لإقامتهم. في سنة 2014 حصل 25 ألف شخص على شهادات إقامة في حين تشمل عملية تسوية الوضعيات التي انطلقت في كانون الأول/ديسمبر 2016 ما بين 10 و15 ألف شخص. 

 

أوروبا "القلعة" تُبنى بسرعة فائقة، وعسكرة "الحماية من المهاجرين" تبدو ــ علاوة على كل شيء ــ سوقاً مربحة خارج أوروبا وداخلها أيضاً. السياجات والأسلاك الشائكة لا تكفي، ويجب تطوير تكنولوجيات أمنية على الأرض وفي البحر: طائرات بدون طيار، كلاب - روبوتات، حدود الكترونية (كاميرات حرارية، أجهزة استشعار، رادارات وأقمار صناعية)..

 

بروفيلات المغتربين لا تتطابق أبداً مع الفكرة الشائعة. أغلبهم قدموا بطريقة قانونية قبل أن يصبحوا مقيمين غير شرعيين، وخمسون في المئة منهم لديهم شهادات جامعية، ويستقرون بطريقة دائمة إما لأنهم مجبرون أو نظراً إلى نقص البدائل حتى وإن لم يجدوا إلا وظائف متدنية. سياسة تسوية الوضعيات هذه لا تمنع السلطات المغربية من القيام بعمليات إيقاف وإبعاد خارج أي إطار قانوني.  
في مصر يعيش قرابة 5 ملايين مهاجر بشكل غير نظامي، نصفهم من السودانيين. من جهتها أحصت المفوضية السامية لشؤون اللاجئين 190 ألف لاجئ في مصر منهم 117 ألف سوري، لكن عدد غير المسجلين يناهز المليون شخص. الساحل نقطة انطلاق مفضلة، خصوصاً باتجاه إيطاليا، وذلك بعد غلق الطريق المارة عبر تركيا. المصريون والسوريون والسودانيون والصوماليون والاثيوبيون والاريتيريون هم أساساً من يخاطرون بسلوك الطريق البحرية المركزية في المتوسط رغم أنها أطول وأخطر. لكن الجزء الأكبر من اللاجئين يطمح إلى المرور إلى ليبيا. 

 

نقل الجهاز التشريعي الاوروبي الردعي إلى شمال افريقيا

 

تبقى ليبيا الهدف الأول للسياسات الهجرية الردعية الأوروبية نظراً لأن العدد الأكبر من المهاجرين واللاجئين يحاول عبور البحر الأبيض المتوسط انطلاقاً من سواحلها. في سنة 2016 وصل 180 ألف شخص إلى إيطاليا بحراً وغرق أكثر من 5000 شخص في البحر الأبيض المتوسط. يضاعف الأوروبيون جهودهم لفرض "برنامج النقاط العشر" الذي تمّت صياغته في بداية شهر شباط/ فبراير في مالطا. ينصّ هذا البرنامج على تدعيم تكوين خفر السواحل الليبي وتزويده بعتاد أكثر تطوراً، وإقامة مخيم لللاجئين وتمويل عودة المهاجرين الطوعية إلى بلدانهم الأصلية، ومراقبة حدود الجنوب الليبي. سيتم تخصيص تمويل قيمته 200 مليون يورو لتنفيذ هذا المخطط الذي يتقاطع مع أهداف أخرى: يريد الإيطاليون والإسبان مثلاً ربط مكافحة الهجرة غير الشرعية مع حماية الأنشطة البترولية الليبية التي تدهورت منذ احتدام الحرب الأهلية.
امتثالاً منها لمختلف التوصيات التي تلقتها في العقود الأخيرة، انتهى الأمر ببلدان شمال إفريقيا إلى اعتماد تشريعات يشمل القسم الردعي منها مواطنيها الراغبين في الهجرة، ولكنه يستهدف خصوصاً مواطني دول إفريقيا جنوب الصحراء الذين أصبح دخولهم وخروجهم وإقامتهم بطريقة غير شرعية مخالفات جنائية. تنص الإجراءات الجديدة على التمييز بين الأشخاص الذين يدخلون البلد ويقيمون فيه والأشخاص الذين يعبرونه. وهكذا تم تثبيت مفهوم أشخاص في "وضعية عبور" (ترانزيت) الذي صاغته "الدول الأوروبية بهدف تحفيز تعاون الدول المغاربية، وذلك باعتبار نفسها الوجهة الفعلية للمهاجرين الموجودين في المغرب العربي."
هذا المفهوم الذي يغلب عليه الطابع السياسي أكثر من القانوني يهدف إلى إجبار الدول المغاربية على تعديل سياساتها الهجرية في مسألة الخروج من البلاد بشكل أخص. فمن هنا فصاعداً، سيعتبر الانطلاق من تلك الدول "خروجاً غير قانوني" أو "هجرة غير شرعية"، مما يتضمن أن تشترط هذه الدول على الراغبين في الهجرة استظهار تأشيرات دخول إلى أوروبا، وهكذا تتحول إلى خفر سواحل إضافي.
أما الدول المغاربية فهي تستعمل مفهوم "الترانزيت" بهدف وصم الساعين إلى الهجرة، والذين في حقيقة الأمر لا ينوون البقاء في المغرب العربي ولا يرون قيمة فعلية في توضيح وضعيتهم. هذا التأويل يتأتى عنه خرق للقانون الدولي، لأنه حتى وإن كانت مسائل الدخول والإقامة تضبطها قوانين البلد، فأن مسألة الخروج هي حق أصيل، ومتضمَّن في عدة نصوص دولية.
مطابقة سياسات دول شمال إفريقيا الهجرية للمطالب الأوروبية يتعلق أيضاً بمسألة إعادة قبول الأشخاص الذين يتم إبعادهم من أوروبا، سواء كانوا من مواطني تلك الدول أو من عابري أراضيها. تمّ تحويل تطبيق مبدأ اتفاقيات دبلن المتعلقة "بتحديد الدولة المسؤولة عن النظر في مطلب لجوء إلى أوروبا" إلى بلدان المغرب العربي. والحال أن سياسات اللجوء التي تعتمدها هذه الأخيرة لم تشهد إصلاحات رغم المطالب الأوروبية. فحتى منح صفة لاجئ من طرف المفوضية السامية لشؤون اللاجئين التي لديها تمثيليات في كل هذه البلدان، لا تصحبه ضمانات، خصوصاً فيما يتعلق بحماية الأشخاص المعنيين.

 

[Media:6669]

 

فيما يخص تونس والمغرب ومصر، فإن مبدأ إعادة قبول المواطنين متضمن في اتفاقات الشراكة المبرمة بين كل واحدة من هذه البلدان والاتحاد الأوروبي. أما بالنسبة للجزائر فأن هذه الاتفاقات تشمل حتى "إعادة قبول مواطني بلدان أخرى". وإذا ما كانت الجزائر مثلاً ترفض (إلى حدود الساعة) أن تستعيد لاجئين / مهاجرين من غير أبنائها الذين ليست لهم وضعية قانونية في أوروبا، فإن المغرب يقبل بتنظيم عمليات إبعاد المهاجرين إلى بلدانهم الأصلية. أما الجزائر فلقد أبرمت اتفاقاً مع النيجر بهدف تسليم أشخاص مقيمين بطريقة غير قانونية في بداية شهر كانون الأول/ ديسمبر 2016. وتم! ترحيل قرابة 900 شخص من جنسيات مختلفة في باصات انطلقت من تامنراست الجزائرية باتجاه أغاديس في النيجر، حيث يوجد مخيم لللاجئين يعتبر"مركزاً رائداً". هذا المركز يموله الاتحاد الأوروبي، وتتولى فيه "المنظمة الدولية للهجرة" مهمات إعلام اللاجئين وحثّهم على العدول عن فكرة الهجرة وإعادة توطينهم. في سنة 2015 مرّ أكثر من 100 ألف شخص بهذا المخيم، أكثرهم كان في طريقه إلى ليبيا. ولكي يلتف على اجراءات التعرف الطويلة، يمكن للاتحاد الأوروبي في المستقبل أن يطبق "تصريح المرور الأوروبي" المصادَق عليه  بتستر في تشرين الأول/ اكتوبر 2016، وهو يسمح للدول الأعضاء بطرد شخص دون انتظار التعرف عليه من طرف البلد الذي يفترض أن يكون من مواطنيه.

 

تجريم "جنحة التضامن"

 

بالإضافة إلى كل هذا، فإن الأحكام  الجديدة المدرجة في القوانين المستحدثة والمتعلقة بدخول وإقامة الأجانب وبالهجرة غير النظامية، تتضمن تجريم "جنحة التضامن". أي شكل من أشكال الإحاطة بالمهاجرين في "وضعية عبور" أو بالذين يستعدون إلى الرحيل باتجاه أوروبا، يعرّض القائم به إلى عقوبات سجنية وغرامات مالية ثقيلة. في الجزائر "كل شخص يسهل أو يحاول أن يسهل بطريقة مباشرة أو غير مباشرة إقامة أجنبي بطريقة غير نظامية في التراب الجزائري" يعرّض نفسه لعقوبة تتراوح بين سنتين وخمس سنوات سجن. في تونس "يعاقب بالسجن لمدة ثلاثة أعوام وبخطية قدرها ثمانية آلاف دينار كل من أرشد أو دبّر أو سهّل أو ساعد أو توسّط أو نظّم بأيّ وسيلة كانت، ولو دون مقابل، دخول شخص إلى التراب التونسي أو مغادرته خلسة". البرلمان المصري صادق من جهته في تشرين الأول /اكتوبر 2016 على قانون لمواجهة "تهريب البشر" يتضمن أحكاماً بالسجن مدتها 25 عاماً وغرامة مالية قدرها 500 الف جنيه مصري (32130 دولار). هذا النص الذي لا يميز بين الهجرة غير النظامية والاتجار بالبشر لا يتضمن عقوبات لضحايا الاتجار أو المهاجرين غير الشرعيين، لكنه ينص على وجوب إعادتهم إلى بلدانهم الأصلية مهما كان الخطر الذي قد يتعرضون له.
السياسات الهجرية التي تعتمدها دول شمال إفريقيا تشغل الاتحاد الأوروبي منذ قرابة العشرين عاماً. اتفاقات الشراكة التي أبرمت مع تونس والمغرب والجزائر ودخلت حيز التنفيذ في 1998 و2000 و2005 تتضمن إلزامية مكافحة الهجرة غير النظامية باتجاه أوروبا. والهدف منها "المعالجة الخارجية"، قبل حتى إمكانية الحصول على اللجوء والهجرة نحو الشمال. ومذاك جاءت اتفاقيات أخرى لتدعم هذه الاتجاه في حين يرافق الأوروبيون بطريقة نشطة وفي الميدان جهود مكافحة المهاجرين واللاجئين.

 

عسكرة الحدود بمساعدة الغربيين

 

في الوقت الذي تتقدم فيه المفاوضات حثيثاً مع المسؤولين الليبيين بهدف غلق باب العبور عبر المتوسط، فإن الأوروبيين واعون بأن الحرب الأهلية لا تسمح في الوقت الراهن بمنع الانطلاق من السواحل الليبية بصفة مستدامة. وهم يقدرون أيضاً أن الفوضى المستمرة ستجعل عدداً متزايداً من اللاجئين يحاولون الوصول إلى أوروبا عبر تونس ومصر والجزائر. لمواجهة هذا المشكل، يعتبر الأوروبيون أنه من الضروري- على الرغم من ترسانة القوانين الموضوعة والتي يرون أنها لا تطبق بشكل كاف من طرف هذه الدول ــ تجنب دخول المهاجرين إلى شمال إفريقيا أصلاً.
إذا ما كانت الجولة الشمال إفريقية للمستشارة الألمانية أنجيلا ميركل قد افتتحت بفشل في الجزائر، فإن التعاون الذي بدأ منذ سنة 2008 بين البلدين راسخ، خصوصاً في مجال التسليح العسكري والذي يستعمل خصوصاً في مراقبة الحدود. تمّ إبرام اتفاق بقيمة 10 مليون يورو بين البلدين يتضمن تسليم الجزائر فرقاطتين من طرف شركة "تيسين كروب". الهدف هو تدعيم الجيش الجزائري خصوصاً في مسألة "تأمين" 6300 كيلومتر من الحدود البرية في الجنوب، وألف كيلومتر من الحدود البحرية. تم أيضاً التفاهم على عدة شراكات في المجال العسكري بين شركات جزائرية ووزارة الدفاع وشركات ألمانية.

 

يضاعف الأوروبيون جهودهم لفرض "برنامج النقاط العشر" الذي تمّت صياغته في بداية شهر شباط/ فبراير في مالطا. ينصّ هذا البرنامج على تدعيم تكوين خفر السواحل الليبي وتزويده بعتاد أكثر تطوراً، وإقامة مخيم للاجئين وتمويل عودة المهاجرين الطوعية إلى بلدانهم الأصلية، ومراقبة حدود الجنوب الليبي

 

سنة 2014 أبصر النور مصنع شركة "راينميتال الجزائر"، المتخصص في تجميع الدبابات ذات عجلات، في منطقة "عين سمارة" قرب مدينة قسنطينة، ومن المنتظر أن ينتج ألف دبابة. الموظفون المتخصصون تلقوا تكوينهم في ألمانيا. هذه الدبابات من طراز "فوكس 2" تستعمل على الحدود منذ منتصف 2016 في إطار "مكافحة الارهاب". تصنيع السيارات الرياضية من صنف "العربات متعددة الاستعمالات" التي تسوقها "دايملر" وتجميع عربات اليونيموغ وشاحنات عسكرية أخرى تابعة لمرسيدس أصبح يتم في الجزائر من طرف مصانع "الشركة الجزائرية لإنتاج الشاحنات الثقيلة - مرسيدس بنز" الموجودة في كل من مدينتي الرويبة وتيارت. حتى منشآت الرادارات وأجهزة الاتصال والكاميرات التي تعمل بالأشعة تحت الحمراء أصبحت تصنّع في الجزائر من طرف شركة محاصة ما بين "الشركة المشتركة الجزائرية لصنع الأنظمة الالكترونية" و"دويتشه الكترونيكز لشافت ــ الجزائر". هذا التعاون له ثمن لم تدفعه الجزائر بعد، وهو تطبيق بند متضمن في اتفاق الشراكة، يقضي بإعادة قبول المهاجرين الجزائريين ومواطنين أجانب مروا عبر البلاد. تؤكد وزارة الداخلية الألمانية أن 13 ألف جزائري دخلوا ألمانيا سنة 2015، جزء منهم فقط قدم مطالب لجوء. وعدد الجزائريين المقيمين في ألمانيا بطريقة غير قانونية هو على الأرجح أكثر بكثير. وعدت السلطات الجزائرية بتسريع إجراءات التعرف على مواطنيها الذين لا يحملون أوراق إقامة، لكنها لا تريد استعادة المهاجرين الأجانب ولا إقامة مخيمات على أراضيها.
وفي تونس، جمعت لقاءات عقدت يوم 3 آذار/ مارس 2017 أنجيلا ميركل وكلا من رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة، وتمحورت حول ترحيل التونسيين إلى بلادهم والتدابير التي يجب اتخاذها لوقف الهجرة إلى أوروبا.
تم توقيع اتفاق من أجل الإبعاد الفردي والجماعي للتونسيين الذين ليست لهم وضعية قانونية في ألمانيا. تدفع هذه الأخيرة في المقابل 250 مليون يورو كمساعدات لتطوير العتاد الأمني. وعدت السلطات التونسية بتسريع الإجراءات والتزمت بالتعرف على 1500 مهاجر تونسي بدون وثائق إقامة خلال شهر.
التعاون بين البلدين يمتد أيضا للجوانب "الأمنية". بدأت السلطات التونسية منذ صيف 2015 في بناء ساتر ترابي وخندقاً لمنع عمليات العبور من ليبيا. يزود الألمان تونس بالتكنولوجيا التي تمكِّن من مراقبة الحدود ويدربون شرطة حدودها على التعرف على الوثائق المزيفة وكشف المتفجرات وتقنيات استجواب المشتبه بهم واستعمال الكاميرات الحرارية التي تعمل بالأشعة تحت الحمراء، إلخ... وعد الألمان أيضاً بتوفير دعم لنظام المراقبة الالكترونية وتسليم منظومة رادار، كما أن العربات الجديدة التي وفروها تحسن حركية رجال الشرطة. يريد التونسيون منع تسلل المقاتلين، في حين أن نظراءهم الألمانيين يسعون إلى تجنب عبور المهاجرين في اتجاه الموانئ الليبية. أقامت الشرطة الألمانية منذ 2016 "مكتب إدارة مشروع" في تونس بغاية تقوية هذا التعاون. تدفع برلين في اتجاه تركيز مخيم احتجاز في تونس، حيث يقدم اللاجئون مطالبهم للّجوء إلى بلد أوروبي. في الوقت الراهن لا تعتزم السلطات التونسية استعادة لاجئين يحملون جنسيات بلدان أخرى وهو ما يعني أنها ترفض إنشاء "مخيم احتفاظ" على أراضيها.
أنجيلا ميركل التي ذهبت إلى مصر يوم 2 آذار/ مارس للأسباب "الأمنية" نفسها، التقت الرئيس السيسي ووعدته بقرض قيمته 500 مليون يورو. تم تدعيم التعاون بين البلدين "باتفاق أمني" يمكِّن، حسب تصريح للحكومة الألمانية، من بناء علاقة ممتازة ووثيقة مع جهاز الاستعلامات التابع لأجهزة المخابرات المصرية الداخلية (جهاز الأمن القومي)، مبرزة هكذا أهميته الاستراتيجية. 
ويبدو أن حتى التنسيق مع المخابرات الخارجية مثمر جداً. مراقبة الحدود في مصر كما في أماكن أخرى هي في قلب المشاغل الألمانية. لهذا تم تنظيم دورات تكوينية لشرطة الحدود بالإضافة إلى تربصات لعناصر من جهاز الأمن القومي في مصر وألمانيا. وكما جرت الأمور في كل من الجزائر وتونس، بِيع عتاد عسكري من أجل مراقبة أكثر نجاعة للحدود. قدمت مصر طلبية شراء قمر صناعي للاتصالات العسكرية من مؤسسة "تاليس الينياسبيس" (فرنسا) في حين باعها الألمان أربع غواصات. 
أوروبا "القلعة" تُبنى بسرعة فائقة وعسكرة "الحماية من المهاجرين" تبدو علاوة على كل شيء سوقاً مربحة خارج أوروبا وأيضاً داخلها. الأسيجة والأسلاك الشائكة لا تكفي، يجب تطوير تكنولوجيات أمنية على الأرض وفي البحر: طائرات بدون طيار، كلاب - روبوتات، حدود الكترونية (كاميرات حرارية، أجهزة استشعار، رادارات وأقمار صناعية)، إلخ...
سخّر الأوروبيون بقيادة ألمانيا إمكانات مالية ومادية هامة في إطار مقاربة عسكرية - بوليسية على المدى القصير تستند أساساً على أنظمة سياسية استبدادية. الديكتاتوريات والعلاقات النيوكولونيالية التي ترعاها دول الشمال، واستغلال الرجال والنساء والموارد كلها أمور تجبر الناس على الرحيل نحو آفاق يفترض أنها أحسن. وكما يقول مهاجر: "عندما تكون معرضاً لخطر الموت فلا يهم أن تسلك هذه الطريق أو تلك. أنت تريد فقط بلوغ هدفك بكل الوسائل".

 

ترجمه عن الفرنسية: محمد رامي عبد المولى