لم تُحرَّر الموصل بعد تماماً من أيدي داعش، وإن كان تحقق الكثير في هذا الاتجاه، كاشفاً من بين أشياء أخرى عن حجم الدمار الذي طال المدينة العريقة عموماً وآثارها خصوصاً، وبعض هذه يعود إلى آلاف السنين، وهي كلها تدلّ على امتزاج مذهل لحضارات وديانات متنوعة، تعكس الغنى الاستثنائي لهذا الجزء من العالم: من آثار الحضارة الأشورية، صاحبة أول إمبراطورية في التاريخ، ومعها بقايا قصر سنحاريب، إلى نمرود والخضر والنبي يونس، إلى دير مار إيليا للمسيحيين الكلدان، وإلى المتحف العراقي.. وسينشغل علماء الآثار سنوات في ترتيب الاكتشافات الجديدة التي أمكن الوصول إليها بسبب دمار ما كان يحجبها، إلى ترميم ما يمكن ترميمه، وإلى رصد المسروقات (وبالمناسبة، فما نُهب من سائر العراق على يد الأمريكان والبريطانيين، وهو مهول، لم يُستعد بعد)..
ولكن ماذا بعد الموصل؟ منذ أيّام، سرت إشاعات عن أن البغدادي أمر قوات داعش بالانتشار في الجبال والتوزع في السهوب. وهلل البعض باعتبار ذلك يعني اعترافاً بهزيمة "الدولة الإسلامية"، وهي ما جاء بعد "القاعدة"، مما لا يجب نسيانه. فماذا سيأتي بعد داعش؟ طالما الأسباب التي استولدت هذا وذاك ما زالت قائمة بل تفاقمت، وهي تتعلق بدرجة الخراب والبؤس وانسداد الأفق الذي تعاني منه مجتمعاتنا، قبل أن تكون نتاجاً لما يشار إليه من فبركة  أو تلاعب، الّتي لو وجدت من

دون تلك الأرضية الخصبة لما أثمرت أبداً.
هل يحتل داعش المطرود من الموصل ناحية الرحانية الواقعة في صحراء الأنبار بين الرمادي وكربلاء، كما يتردد اليوم في العراق، فيحتاج طرده منها إلى حملات عسكرية تجرّد عليه وتوقع مئات المدنيين ضحايا لها.. وأين المعارك في سوريا من كل هذا، وهي دارت في حلب التي "حُسمت" السيطرة عليها، وهي اليوم تدور على جنباتها في الباب وإدلب، وما زالت مشتعلة وإن بالقصف في شرقي الفرات الذي يشمل الرقة ودير الزور.. وهذه عوالم فسيحة، ومليئة بالسكّان متنوعي الانتماءات ومتعدديه. فما الذي "سيحسم" حرباً كهذه يمكنها أن تستمر بوتائر متفاوتة، ما بين قصف وإرهاب؟ وكيف يستقيم الوضع في العراق أو في سوريا ــ وفي عموم المنطقة ــ والحال هو على هذا النحو؟

 

ماذا سيأتي بعد داعش؟ طالما الاسباب التي استولدت هذا و"القاعدة" من قبله ما زالت قائمة بل تفاقمت، وهي تتعلق بدرجة الخراب والبؤس وانسداد الأفق الذي تعاني منه مجتمعاتنا، قبل أن تكون نتاجاً لما يشار إليه من فبركة  أو تلاعب، التي لو وجدت من دون تلك الأرضية الخصبة لما أثمرت أبداً

 

لا بد من اعتبار الضرورة الماسة لإعادة بناء التوافق السياسي في هذه البلاد: ليس التسوية الفوقية بين "قوى" (وهذه تشمل تلك الحاكمة، والتي يصعب تسميتها طرفاً دولتياً)، تعقد صفقات وتتفاوض على محاصصات سياسية ومالية، لا تلبث أن تختل وتنهار، فيما الناس متروكون الى مصائرهم ما بين الجوع والرحيل والقتل. بل هي إعادة التأسيس التي لم تعد ترفاً (من قبيل التطوير والتحسين!) وإنما ضرورة حياتية.