شاع خلال السنوات الأخيرة بشكل كبير استخدام الجلسات العرفية  ـ وهي أحد أشكال فضّ النزاعات القائمة على قواعد عرفية متراكمة عبر الزمن ـ من أجل محاولة معالجة الفتنة الطائفية في مصر. هذا القضاء الموازي لا يعتمد على قوانين مكتوبة، وهو مع ذلك يشهد حضوراً للقيادات الأمنية والمحلية والدينية مما يمنحه شرعية كبيرة.
 

شيوع الجلسات العرفية في الصعيد
 

تقوم فكرة الجلسات العرفية بالأساس على مبدأ الطواعية، حيث أن الطرفين المختصمين يلجآن إليها بكامل إرادتهما ويتمّ اختيار مكان محايد ومُحكّمين محايدين، ثم يقوم كل طرف بسرد الوقائع من وجهة نظره مع تقديم الأدلة الممكنة. بعد ذلك، يجتمع المحكَّمون للخروج بحكم، ويتمّ تحرير محضر بالصلح يتضمن كل التفاصيل مع وضع شروط جزائية على الطرفين في حال أخلّ أحدهما بما تمّ الاتفاق عليه.
منذ ثورة 25 يناير 2011 حتى الآن، عقدت حوالي 56 جلسة عرفية من أصل ما يقرب من 260 حادث طائفي موثق، أي بما نسبته 21.5 في المئة من إجمالي الحوادث، وهو ليس بالقليل.
وتشير دراسة صادرة عن "المبادرة المصرية للحقوق الشخصية" بأن أغلب تلك الجلسات تقع في صعيد مصر نظراً لكونه يشهد أعلى عدد من الحوادث الطائفية، ومحافظة المنيا هي صاحبة أعلى المعدلات إذ شهدت 15 جلسة

عرفية ما بين ثورة يناير وحتى نهاية عام 2014 بواقع 33.3 في المئة من الجلسات التي عُقدت في تلك الفترة.. وهو ما دعا محافظ المنيا لإصدار قرار خلال شباط/ فبراير الحالي بتشكيل لجنة للمصالحات وإنهاء النزاعات العائلية والطائفية، تختصّ بإجراء الخطوات الأولى للمصالحة والتدخل السريع بين أطراف النزاع وحثّهم على حفظ الأنفس.
 

خلال الآونة الأخيرة، وقعت بعض الحوادث الطائفية التي اعترضت الكنيسة على عقد جلسات صلح عرفية لها على الرغم من ترحيب الأزهر ودعمه لذلك. وتعتبر حادثة "سيدة الكرم" بالمنيا في منتصف 2016 مثالاً على ذلك
 

رفض هذه الآلية أحياناً


بجانب تمثيل القيادات الأمنية والمحلية بالمحافظة التي تعقد بها الجلسة العرفية، يكون هناك تمثيل ديني من طرف من الكنيسة والأوقاف أو الأزهر. وخلال الآونة الأخيرة وقعت بعض الحوادث الطائفية التي اعترضت الكنيسة على عقد جلسات صلح عرفية لها على الرغم من ترحيب الأزهر ودعمه لذلك. وتعتبر حادثة "سيدة الكرم" بالمنيا في منتصف 2016 مثالاً على ذلك حين جرى بتجريد سيدة مسيحية مُسنّة من ملابسها أمام الناس على خلفية إشاعة عن علاقة بين مسلمة ومسيحي، مما حدا ببعض القيادات المحلية والأزهر ممثلًا بـ"بيت العائلة"، إلى المبادرة بعقد جلسة عرفية من أجل محاصرة المشكلة، إلا أن الكنيسة القبطية الأرثوذكسية رفضت ذلك التوجُّه وقال الأسقف العام بالمنيا في بيان رسمي "ترفض الكنيسة رفضاً باتاً تحويل قضية الكرم إلى جلسات الصلح وتطييب الخواطر قبل قيام أجهزة الدولة بدورها في محاسبة المتسببين الحقيقيين، وبعد ذلك يأتي البعد المجتمعي". ومن المفارقة أن النيابة العامة حفظت التحقيقات في القضية في مطلع العام الجاري وذلك لعدم كفاية الأدلة!
 

عدد كبير من القرارات التي تتمخّض عنها تلك الجلسات قد تقوم بالأساس على فكرة مناهِضة لفكرة العدالة نفسها، مثل قرارات التهجير التي تطال في الغالب الطرف المسيحي، بما لذلك من تداعيات سلبية سواء نفسية أو اجتماعية
 

ويحمل هذا الموقف الكنسي بين طيّاته رفضاً ضمنياً للجلسات العرفية كآلية لتطبيق العدالة الناجزة، بل والنظر إليها باعتبارها تناقض فكرة قيام الدولة بواجباتها الأساسية في إنفاذ القانون عبر ما تمتلكه من أدوات، سواء من خلال الشرطة أو القضاء، واعتبار دور الجلسة العرفية لاحقاً لدور الدولة ومكملاً لها وأنه لا يجوز أن يأتي سابقاً عليها أو نافياً لها.
ولا يقتصر رفض مثل تلك الجلسات على الكنيسة فقط، فقد شهد شهر آب/ أغسطس الماضي وقفة احتجاجية أمام دار القضاء العالي شارك بها العشرات من أعضاء "مصريون ضد التمييز الديني" من أجل التنديد بتصاعد الأحداث الطائفية في محافظة المنيا ورفض الاستمرار في استخدام الجلسات العرفية كبديل لتحقيق العدالة وتطبيق القانون.
 

مُسكّنات لا تنهي المَرض


ومع التسليم بنجاح الجلسات العرفية في فضّ بعض المشاحنات أو وقف بعض المعارك الدموية التي يكون طرفاها مسلمون ومسيحيون، إلا أنّ ذلك لا يعني أنها تتسم بالفاعلية الكافية خاصةً إذا ما تمّ النظر إلى استمرار وتصاعد تلك الحوادث الطائفية وبالتحديد في محافظة المنيا. ولذا فهي تعتبر مُسكّنات قد تَقضي على العَرض دون أن يمتدّ أثرها إلى المرض.
 

انحسار دور الدولة لصالح أدوار مجتمعية لا تملك أدوات تتسم بالشمولية أو الفاعلية يزيد الفجوة بين المواطن والدولة من جانب، ويفقد مع الوقت، ومن جانب آخر، تلك الجلسات مصداقيتها
 

وفي السياق ذاته، فإن الجلسات تعتمد بالأساس على التراكم المعرفي العرفي للمحكَّمين، وهو أمر نسبي قد يختلف من مُحكّم لآخر. ولا توجد آليات واضحة من أجل إنفاذ العدالة، وهو ما يعني أن نزاعاً طائفياً بعينه قد يكون له حكمين مختلفين وفقًا للآليات التي اعتمدها المحكَّمون. كذلك الأمر فيما يخص اضطرار أحد أطراف الخصومة إلى قبول الصلح نظراً لضغوط بعض القيادات الأمنية أو المحلية أو الدينية. وعلاوة على ذلك فتغيب آليات الاستئناف أو النقض التي توفّر مسارات محددة لرفض الحكم.. بالإضافة إلى أن عدداً كبيراً من القرارات التي تتمخّض عنها تلك الجلسات قد تقوم بالأساس على فكرة مناهِضة لفكرة العدالة نفسها، مثل قرارات التهجير التي تطال في الغالب الطرف المسيحي، بما لذلك من تداعيات سلبية سواء نفسية أو اجتماعية، وبخاصة أنها تمسّ عائلات بكاملها وليس الشخص المُدان فقط، بما يتعارض مع نص مواد الدستور مثل المادة 63 التي تحظر التهجير القسري التعسفي للمواطنين بجميع صوره وأشكاله، والمادة 95 من الدستور والتي تنصّ على أن "العقوبة شخصية، ولا توقع العقوبة إلا بحكم قضائي".
ومن جانب، آخر فإن انحسار دور الدولة لصالح أدوار مجتمعية لا تملك أدوات تتسم بالشمولية أو الفاعلية يزيد الفجوة بين المواطن والدولة من جانب، ويفقد مع الوقت، ومن جانب آخر، تلك الجلسات مصداقيتها. ما يجعل المواطن أمام خيارين أحلاهما مرّ: قضاء عادي بطيء أو قضاء موازي يفتقد العديد من مقوّمات العدالة..

النص مترجماً إلى: الانكليزية