تجارة الحرب مزدهرة. هذا ما يقوله تقرير "معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام" الصادر منذ أيام. تقدّم عالمي في مبيع السلاح بنسبة 8.4 في المئة خلال السنوات الخمس الماضية مقارنة بالخمس التي سبقتها، ما يجعل القطاع قد استعاد عافيته ومستوى ما كان عليه عند نهاية الحرب الباردة. وأخبار مفرحة عن صعود السعودية إلى المرتبة الثانية عالمياً في لائحة.. مشتري الأسلحة! كما تَحضر في المشهد الإمارات العربية المتحدة! وإن صعب تصديق انشغال تلك الإمارات بأمر لا يفترض أن تكترث به، فذلك يذكِّرنا بقصة قطر ورغبتها بمنافسة السعودية قبل سنوات، ما دفعها إلى ارتكاب ما يمكن اعتباره حماقات في أحسن الأحوال، وممارسات خطيرة في أسوأها.. وعلى ذلك، فالدوحة لم تتخلف عن الحضور في المضمار، فها هي تشتري من فرنسا 24 طائرة "رافال" مجهزة بكل أنواع الأسلحة الممكنة،full  كما يقال، ويفترض بها أن تتسلمها العام المقبل، علاوة على تدريب باريس لمئات الطيارين والميكانيكيين القطريين، ما يضاعف كثيراً فاتورة الـ6.3 مليار دولار كثمن للطائرات.
وبما أن للإمارات دور في الحرب الدائرة على اليمن، و"قواتها" موجودة على الأرض هناك، فهي أسست قاعدة عسكرية في "أرض الصومال" (وافق برلمان هذه "الدولة" على ذلك مقابل وعد بمئات الوظائف ومئات ملايين الدولارات من "الدعم").

وهذه القاعدة تلي تلك التي تمتلكها الإمارات في اريتريا وتبررها بضرورات حصار الحوثيين من جهة البحر الأحمر. والإمارات أنفقت كذلك على شراء منظومة مضادة للصواريخ، اشتريت من أمريكا.
البائع الأكبر هو طبعاً الولايات المتحدة الأمريكية، وحصتها من السوق العالمية للسلاح تبلغ 33 في المئة، تليها روسيا بحصة 23 في المئة. وأكبر زبونين للولايات المتحدة هما السعودية والإمارات تليهما تركيا.
وأما ميزانيات ما يقال له "الدفاع" ــ أي الحرب ــ فهي أيضاً الأعلى في أمريكا وتبلغ 604 مليار دولار لسنة 2016. والمفاجأة هي للسعودية مجدداً، فميزانيتها تقارب ميزانية روسيا (58.9 مليار للأخيرة مقابل  56.9 مليار للأولى!) وتتفوق على كلٍ من بريطانيا والهند واليابان وفرنسا وألمانيا! والرياض ضاعفت للفترة 2012-2016 ميزانية مستورداتها الحربية بنسبة 212 في المئة، والبند العسكري هو أول بنود ميزانيتها العامة ويستحوذ على أكثر من ربعها. وقد أوصت الرياض منذ 2011 على 154 طائرة مقاتلة من طراز أف 15 المطوّر، واحتلت المرتبة الثانية عالمياً مباشرة بعد الهند (قافزة إليها من الصف الحادي عشر)، حائزة على حصة 8.2 في المئة من السوق. كما للإمارات 4.6 في المئة من حصة السوق، والجزائر 3.7 في المئة! وحتى مصر تشتري السلاح، ولكن من الفرنسيين هذه المرة: 24 طائرة رافال وفرقاطة بـ5.2 مليار دولار.
وكل ذلك ليس كافياً! فحال استلام الإدارة الأمريكية الجديدة الحكم، وتعيين وزير دفاع، تقرر زيادة الإنفاق العسكري.. "لمواجهة داعش" التي لو لم تكن موجودة لوجب اختراعها تبريراً لتشغيل مصانع السلاح وكارتلات المصالح المرتبطة بها.
ولا تختفي حصة إسرائيل من هذه التجارة المربحة، فهي أصبحت المصدر الأول للطائرات بلا طيار (درونز) قبل الولايات المتحدة نفسها، وهي تبيع 90 في المئة من إنتاجها في أرض الله الواسعة، وكانت قيمة مبيعاتها حوالى 5 مليار دولار في 2013.
"داعش" تستوجب كل ذلك؟ لله دركم! هذا للكبار. أما ربْعنا فحالهم أعجب: السادة المتقشفون، بعضهم يدعو ناسه إلى مزيد من شد الأحزمة على البطون وهو محتار في كيفية توفير السكر والطحين للناس حيث وصل سعر الجنيه المصري إلى أدنى مستوى له مقابل الدولار (حتى قال أحد مسؤولي صندوق النقد الدولي بكل خفة أن الهبوط فاق توقعاتهم)، وبعضهم الآخر من أصحاب النفط الذي انهارت أسعاره، خفضوا الرواتب وألغوا التقديمات الاجتماعية وفرضوا الضرائب.. إلا المساس بالسلاح، وإلا كبح الجماح إلى الحروب بكل أنواعها، وهي تركت بلادنا في خراب عميم. بينما يفرك أرباب "لوكهيد مارتن" أيديهم فرحاً ومعهم البنتاغون، وسائر أشباههم في العالم: البزنس مزدهر.