حاول كل رؤساء الجمهورية الأميركيين ممن هم من الحزب الجمهوري، تعديل النظام العالمي و.. نجحوا. فقد استطاع نيكسون أن يسقط اتفاقيات "بريتون وودز" من خلال إلغاء السعر الثابت   للدولار بالنسبة للذهب،  مما سمح له بإطالة أمد حرب فيتنام. أما ريغان، وهو عرّاب العولمة الليبرالية، فقد استطاع من خلال اتفاقه مع ثاتشر، امتصاص الادخار العالمي لتمويل السباق على التسلح وإسقاط الاتحاد السوفيتي. بوش الأب امتص كل الادخار الكويتي وبرهن انه قائد العالم الغربي بعد سقوط الاتحاد السوفياتي، اما الابن فبرهن ان جيشه يستطيع ان يحتل دولتين، وهو ثبّت هيمنة أميركا على العالم.
إجمالا، بعد كل رئيس من الحزب الجمهوري عُدِّل ميزان القوى العالمي من خلال زيادة الدين الخارجي للولايات المتحدة في أكثر الأحيان. مثلا ريغان ضاعف ثلاث مرات الدين العام! يأتي رئيس جمهورية ديمقراطي فيثبت ميزان القوى الجديد، والعكس بالعكس. انتخاب ترامب بهذا المعنى ليس استثنائياً، إذ جاء بعد 8 سنوات من الهدوء العسكري النسبي، تماما كما حصل مع مجيء جورج بوش الابن بعد كلينتون.
وعلى الرغم من أن الخطاب السياسي للإدارة الجديدة مأخوذ من خطاب ريغان (مع تغيير في هوية "الشرير"!)، فان  الخطاب الاقتصادي مناهض كلياً للعولمة (حمائية بالنسبة للعمل والرأسمال والبضاعة)، والخطاب الاجتماعي جاكسوني

(نسبة إلى أندرو جاكسون الرئيس السابع للولايات المتحدة)، أي يعتمد على العرق الأبيض المسيحي. والجديد  هذه المرة أيضا هو كون أعضاء الإدارة الجديدة بأكثريتهم الساحقة، (وهذا اقل ما يمكن ان يقال)، هم من المناهضين للمؤسسات الحالية، اذ انهم لا يمثلون الأفكار المسيطرة في مختلف الدوائر المالية والنفطية والعسكرية وحتى الدينية!
 

السياسة الاقتصادية
ليبرالية في الداخل وحمائية في الخارج

 

منذ بداية ثمانينات القرن الماضي، أي منذ رسوخ الرأسمالية المالية العالمية ، كانت "وول ستريت" دائما أساس النظام الرأسمالي، وكل الإدارات الأميركية راعتها ، وحتى اوباما لجأ الى هانك بولسون من بنك غولدمان ساكس للخروج من الأزمة.
 

الملفت للنظر أكثر من العدد الكبير للعسكريين السابقين من بينهم هو كونهم ضد المؤسسات والقيادات العسكرية، وكونهم مسيَّسون، تركوا الجيش بعد خلافات كبيرة حول أفغانستان والعراق والمراقبة الواسعة



ولكن هذه المرة، فالمدافعون وبكثافة عن الفقراء البيض في وسكونسن أو فيرجينيا هم المليارديرية وموظفو غولدمان ساكس. والملفت أن كل هؤلاء الاشخاص لا ينتمون الى الفكر المهيمن، أي إلى فكر العولمة الليبرالية. فهذه المجموعة اتت الى السلطة لتحث على رأسمالية وطنية اكثر ليبرالية في الداخل، غير منظمة على صعيد العمل (الغاء الضمان الصحي الحالي، عدم السماح بارتفاع الحد الادنى للاجور..) وعلى الصعيد المالي (إلغاء قانون دود فرانك الذي ينظِّم المصارف الكبرى، وبالوقت نفسه هي قسرية / ابتزازية / مافياوية على الصعيد الخارجي، حتى لو اضطرت إلى ابتزاز الدول المَدِينة وذات الفائض التجاري أي ألمانيا، اليابان، كوريا الجنوبية، الخليج والصين.
أما فيما يتعلق بالدين العام (20 تريليون دولار) الذي يوازي كل الادخار العالمي، فلا تنوي هذه الادارة تخفيفه، بل هدفها زيادته اسمياً وزيادة معدل التضخم اسرع من الفائدة (بفضل البنك المركزي) ومن زيادة الاجور (بفضل قوانين العمل الجديدة). هذه السياسة ، كما يقول المثل، "داويها بالتي كانت هي الداء"، هي ذاتها التي اعتمدها ريغان إذ زاد الدين العام ثلاثة إضعاف عما كان عليه عندما استلم السلطة .
ولكن الاهم بالنسبة لهذه الادارة هو استجلاب رساميل الشركات الاميركية في الخارج التي توازي قيمتها 2.4 تريليون دولار، بحيث ينتقل قسم من الدين الاميركي الخارجي الى الداخل.
 

السياسة الدفاعية: الردع والابتزاز
 

لم تعرف اي ادارة اميركية هذا العدد الكبير من العسكر السابقين.. وأكثرهم ترك الجيش منذ فترة قصيرة. سنعدد بعضهم: جيمس ماتيس الملقب "الكلب المسعور" أو "الراهب المقاتل" (من الحروب الصليبية!)، يحتقر البنتاغون والبيروقراطية. مايكل فلين، اجبر على الاستقالة في تموز/ يوليو 2014 على أثر تحديه  قيادة الجيش، كان يدعو علناً الى سجن هيلاري كلينتون، وجيف سيسيونس وزير العدل يريد منع "المسلمين" من الدخول الى أميركا لتخليصها من "الإيديولوجية السامة".. وجون كللي الذي وقف ضد اوباما في مسألة  إغلاق غوانتانامو، ومايكل روجرز الأميرال الذي ناهض إستراتيجية الإدارة السابقة فيما يتعلق بداعش، بالإضافة إلى مايك بومبيو خريج الكلية العسكرية "وست بوينت"، عدا عن الجنرال بتراوس، المقرب والذي لم يتم تعيينه لأنه متورط بفضيحة، وكان قائد القوات في العراق وأفغانستان وتحدى علناً سياسة أوباما.  
 

نقطة ضعف الولايات المتحدة منذ حرب فيتنام هي اعتمادها على النفط المستورَد، وهذا الوضع يتنافى مع سياستها الجديدة المبنية على الابتزاز والتخويف



الملفت للنظر أكثر من كثرتهم هو كونهم ضد المؤسسات والقيادات العسكرية، وكونهم مسيَّسون، وتركوا الجيش بعد خلافات كبيرة حول افغانستان والعراق والمراقبة الواسعة.. هم متطرفون كزملائهم في المال وفي الدين، يريدون الهيمنة دون إطلاق رصاصة، من خلال الردع (النووي؟).. لذلك هم بحاجة لتحييد روسيا، القوة الوحيدة  القادرة على عرقلة مشاريعهم.. وسيلجأون الى ابتزاز الدول المَدِينة والتي تعتمد عليهم عسكرياً.

 

سياسة الطاقة: تلوث واكتفاء ذاتي


سياسة الادارة الجديدة في مجال الطاقة شفافة وبسيطة، وهي تفترض الوصول الى الاكتفاء الذاتي خلال سنين قليلة، أي التوصل إلى انتاج 12 مليون برميل في اليوم.
لذلك يجب على هذه السياسة أن تحقق ثلاث  مسائل:
- خفض كلفة الإنتاج من خلال خفض مراعاة معايير تلوث الهواء والماء (لان الغاز الصخري يلوث الماء كثيراً)، ومن هنا ضرورة التعيينات في الإدارة لأشخاص لا يعترفون بالتغيير المناخي.
 -  تمرير مشروع "كيستون" لأنابيب النفط من ألبرتا في كندا الى جنوب الولايات المتحدة.
-  مساعدة الإنتاج النفطي والغازي مباشرة.
-  بالإضافة طبعا الى العمل ليرتفع سعر البرميل الى 70  دولار تقريباً، بدون ان تلجأ روسيا الى زيادة انتاجها النفطي. لذلك فان آخر اتفاق لدول أوبك لا يتناقض مع هذه الإستراتيجية الجديدة. وهكذا فالعديد من آبار الغاز في الولايات المتحدة تصبح مربحة من جديد.
 نقطة ضعف الولايات المتحدة منذ حرب فيتنام هي اعتمادها على النفط المستورَد، وهذا الوضع يتنافى مع سياستها الجديدة المبنية على الابتزاز والتخويف.


الدين: التوراة ضد الإسلام والكفار


كل هذه المسائل والطروحات الجديدة ستؤدي بالضرورة الى مشاكل اجتماعية، لذلك وجب تغليفها بإطار ديني يؤمّن التضامن الاجتماعي. الدين والمحافظة الأخلاقية كانا دائماً عنصراً أساسيا في الخطاب الرئاسي الجمهوري، وحتى وفي بعض الأحيان في خطاب الحزب الديمقراطي! خطاب استفاد منه كثيرا جورج بوش الابن. ولكن وعلى الرغم من تعصبه الديني والأخلاقي، لم يهاجم بوش الابن او أياً من إدارته الديانات الأخرى، وذلك حتى بعد 9/11.. فخطابه العسكري لم يكن ضد الإسلام إنما ضد "الدول المخادعة" (Rogue states). وهو تحالف أحيانا مع دول اسلامية محافظة ضد دول اكثر علمانية.


يجب توقع سنوات من الإرهاب (النفسي!)، فترامب يبيع صورة (كاذبة طبعا!) بأنه غير متوازن، مفاجئ، فيبث حالة الرعب نفسها التي يلجأ إليها رئيس جمهورية كوريا الشمالية



الخطاب الديني للإدارة الحالية، متمثلاً بستيفن بانون، هو توراتي يتعلق بالعصور الوسطى.. يتكلم عن الحرب بين الحضارة اليهودية / المسيحية والآخرين، ويستعمل مفردات من قبيل "المسيحية الرأسمالية ضد الإسلام الفاشي" دون توضيح ما اذا كان الإسلام هو الفاشي ام هي فئة من المسلمين،  ويقول أننا على ابواب حرب عالمية ضد الكفار والمسلمين.. الرأسمالية في نظره لا يمكن فصلها عن اليهودية والبروتستانتية، فيقول ان "الله قد اعطى كل مسيحيي مهمة خلق العمل والثروة".. هذا التحليل يتبناه عسكر الإدارة، ويقول احدهم أن التعبئة  ضد الاسلام يجب ان تكون على مستوى المجتمع المدني.
 

خلاصة


هذه الادارة الجديدة تشبه الى حد بعيد سلطات بعض البلدان النامية أو المافيا، فهي عائلية، دينية، قوية ومديونة كثيراً. تريد استعمال الردع والابتزاز لكي تعيد هيمنتها على العالم، من خلال الحفاظ على توازن القوى من دون التدخل المباشر عسكرياً بالضرورة. يجب توقع سنوات من الإرهاب (النفسي!)، فترامب يبيع صورة (كاذبة طبعا!) بأنه غير متوازن، مفاجئ، فيبث حالة الرعب نفسها التي يلجأ اليها رئيس جمهورية كوريا الشمالية.
هذه الإدارة تريد ان تربح الحرب العالمية الثالثة دون خوضها، وذلك يتطلب أن تكون روسيا محَّيدة، على الأقل فيما يتعلق بملفي النفط والنووي. أخيرا يبدو ان هذه الإدارة الجديدة والكونغرس سيسرّعان إعلان القوانين الجديدة، لأنهما من جهة لا يريدان المخاطرة بالانتخابات الفرعية القادمة بعد سنتين، ومن جهة اخرى فان الجانب السلبي من هذه السياسة الجديدة (الدَين، التلوث، التفاوت) لن يُلحَظ قبل 3 أو 4 سنوات.
 تريد هذه الإدارة الجديدة تغيير قوانين اللعبة  العالمية التي وضعتها وفرضتها بعد الحرب العالمية الثانية ، لتعديل ميزان القوى لصالحها مجدداً، من ضمن منطق ان  الملوِّث هو الأكثر ااستفادة  اقتصاديا إذا التزم الباقون بعدم التلويث! لكن الأقوى الذي لا يحترم قوانين اللعبة المعتمَدة يربح على المدى القصير،خاصة إذا لعب مع سائر اللاعبين كلٌ على حدة!