كانا أسبوعين حافلَين في أمريكا بالنسبة لليمن. بدأها الرئيس الجديد ترامب بقراره التنفيذي الذي شمل اليمن ضمن سبع دول يمنع رعاياها من دخول أمريكا بحجة أنّهم إرهابيين. لم يصدر مقابل القرار أي رد فعل من الحكومة المعترف بشرعيتها، سوى تغريدة استنكار صغيرة لوزير الخارجية. أما وزير خارجية الحكومة التي شكّلها حلف الحوثي ــ صالح فبعث للإدارة الأمريكية برسالة طويلة يعرض فيها خدماته للتعاون في مكافحة الإرهاب، في تناقض صريح مع شعار الموت لأمريكا المرفوع من قبله.
 

إنزال وليس درونز


ثم وقعت عملية إنزال جوّي أمريكي في محافظة البيضاء وسط اليمن، لقتل قيادي من تنظيم القاعدة وأخيه، أسفرت عن مقتل جندي أمريكي وعشرات اليمنيين، قرابة نصفهم من النساء والأطفال. وهي ثاني عملية إنزال جوي أمريكي بعد الأولى التي جرت كمحاولة للإفراج عن الصحافي الأمريكي لوك سومر وأدت لمقتله في كانون الأول /  ديسمبر 2014. في العادة تكتفي الولايات المتحدة الأمريكية بالطائرات من دون طيار (درونز) لاستهداف قياديي تنظيم القاعدة. فسر البنتاغون أنّ الهدف من العملية كان جمع معلومات استخباراتية من خلال الحصول على أجهزة التلفونات والكمبيوترات الموجودة. لكن الأهم في هذه العملية هو مشاركة قوات إماراتية عوض القوات اليمنية التي شاركت القوات

الأمريكية في عملية الإنزال الجوي الأولى، مما يوضح غياب شريك محلي لأمريكا في "الحرب ضد الإرهاب" تلك، بعد تهاوي مؤسسات الدولة اليمنية.
والتطور الأكثر أهمية هو ردّ البنتاغون على استهداف الحوثيين لمدمرة بحرية سعودية في مطلع الشهر الجاري، في عملية نوعية جديدة جاءت بعد إطلاق الحوثيين لصواريخ ساحلية أصابت وقتها سفن بحرية عسكرية إماراتية وفشلت في إصابة المدمرة الأمريكية "مايسون" مرتين، ما أسفر عنه تدخل عسكري أمريكي مباشر قام بتدمير رادارات الحوثيين في تشرين الأول /  أكتوبر الماضي. 


مقارنة بين زمني أوباما وترامب


الفارق بين ردة الفعل الأمريكية أثناء إدارة أوباما والإدارة الحالية جليّ. فحين جرت محاولتين فاشلتين لاستهداف مدمرة أمريكية اكتفى الأمريكيون بعملية عسكرية بسيطة وهي ضرب الرادارات، بعد ثاني استهداف وبدون أي ضجيج إعلامي. أما الآن، ومع الاستهداف الناجح لفرقاطة سعودية، فقد صدرت تصريحات شديدة اللهجة من البنتاغون تجاه الحوثيين وإيران، اعتبرت هذه العملية خطيرة على المنطقة لأنها تستهدف سفناً في منطقة بحرية مكتظة، مضيفة أن الهدف منها قد يكون سفناً أمريكية. 
 

ترجيح كفة الحرب لصالح "التحالف" تغيّر كبير في موازين القوة العسكرية، قد يعيد بعض التوازن للصراع الإقليمي الذي رجحت كفته لصالح إيران في كل المناطق الساخنة، وبالأخص بعد مآل معارك حلب. هذا التوازن مطلوب لإبقاء جذوة الصراع الإقليمي الذي ترتبط به مصالح شركات السلاح بالغرب..

 

يترافق هذا التطور الأمريكي مع تقدم لقوات الحكومة "الشرعية" وقوات "التحالف" في سهل تهامة، الساحل الغربي للجزء الشمالي من اليمن، ووصولها إلى المخا والمعارك الجارية للسيطرة على المدينة والميناء الرئيسي، وهو أكبر تغير حدث في مسار المعارك باليمن منذ سيطرة قوات التحالف على منطقة نهم الواقعة شمال صنعاء قبل عام من الآن. وفي آخر حوار للرئيس هادي لجريدة القدس العربي منذ قرابة أسبوع تحدث على أن التقدم العسكري سوف يستمر حتى السيطرة على ميناء الحُديدة وهو الميناء الرئيسي باليمن بعد عدن، ويمد كل المناطق الشمالية التي يسيطر عليها الحوثي بالمواد الغذائية وغيرها، ولا يقل تعداد سكان هذه المناطق عن العشرين مليوناً.


إعادة توازن الصراع الإقليمي.. ليستمرّ!


احتمال تقدّم تلك القوات في سهل تهامة وارد بقوّة لأنها مناطق سهلية، ما سيجعل فارق القوة العسكرية الكبير يظهر ويرجّح نتائج المعركة لصالح الأقوى عسكرياً، وهذا أمر مخالف لمسار المعارك في الجبال التي يمكن التغلب على فارق السلاح  بفارق الخبرة، وكذلك لأن المعارك الجبلية تعتمد حروب العصابات والكرّ والفرّ، لذا تطول فترتها وتستنزف أي قوة نظامية. كما تحتكر تلك القوات الجو، وتوجد مدمرات بحرية تدعمها. 
هذا السيناريو على كارثية كلفته الإنسانية، سوف يرجّح الحرب لصالح "التحالف" وهو تغير كبير في موازين القوة العسكرية، مما قد يعيد بعض التوازن في الصراع الاقليمي بالمنطقة الذي رجحت كفته لصالح إيران في كل المناطق الساخنة، وبالأخص بعد مآل معارك حلب. ويبدو أن هذا التوازن مطلوب لإبقاء جذوة الصراع الإقليمي الذي صارت ترتبط به مصالح شركات السلاح بالغرب التي تعقد صفقات بمليارات الدولارات سنوياً.
كانت سياسة أوباما السابقة تميل لدعم "التحالف" مع شعور بالحرج من الكلفة البشرية للقتال في اليمن. لكن هذا الشعور تلاشى مع الإدارة الجديدة التي يغلب عليها شخصيات ذات خبرة سابقة في شركات البترول مثل وزير الخارجية الذي كان يعمل في شركة إكسون موبيل وكان مدير للشركة في اليمن ببداية تسعينات القرن الفائت.. إضافة للمصالح التجارية الكبرى التي تربط ترامب ببعض رجال الأعمال الخليجين مثل حبتور في الإمارات، مما قد يفسر تصاعد الدور الإماراتي باليمن، ومشاركة قواتها في الإنزال الجوي الأمريكي الأخير وكذلك المشاركة الواسعة لقواتها ولحلفائها الجنوبيين في عملية القتال الجارية بسهل تهامة.

 

هزيمة الحوثيين باليمن لن تكون في الواقع جسيمة بالنسبة لإيران. فالحوثيون باليمن ليسوا حلفاء مباشرين لطهران. صحيح أن هناك شكل من التحالف بين الطرفين، لكنه ليس ما يفسر الصعود الحوثي باليمن، الذي يتعلق أكثر بضعف كيان الدولة وشدة الانقسامات السياسية والإجتماعية
 

سياسة ترامب هي امتداد ــ صريح ــ للسياسة الغربية التي ترى في اليمن ساحة نفوذ طبيعي للسعودية، وهي ضرورية للحفاظ على توازن الصراع الإقليمي الحالي بما يخدم المصالح الغريبة في المنطقة، خاصة وأن روسيا تبدو غير ممانعة وليست لديها مصالح تذكر في اليمن وهو أمر يختلف عن الوضع في سوريا.
إضافة لأن أي تدخل عسكري أمريكي مباشر ضد الحوثيين يسهل تسويقه للإعلام ولجمهور ترامب كعملية قتال ضد إيران، مما يعطي مؤشراً على أن ترامب وفى بوعوده الانتخابية في كسر شوكة إيران، ولم يكن تصعيده ضد إيران خطابياً فقط.
 

.. ليست ضربة قوية لإيران
 

لكن هزيمة الحوثيين باليمن لن تكون في الواقع جسيمة بالنسبة لإيران. فالحوثيون باليمن ليسوا حلفاء مباشرين لإيران. صحيح أن هناك شكل من التحالف بين الطرفين، لكنه ليس ما يفسّر الصعود الحوثي باليمن، الذي يتعلق أكثر بضعف كيان الدولة وشدّة الانقسامات السياسية والاجتماعية، ولا هو معيار لحجم النفوذ الإيراني في البلاد. من جهة أخرى، فليس الحوثي حليفاً مهماً بالنسبة لإيران، وليس لطهران مصالح مباشرة في اليمن، وما أغراها هنا هو الكلفة الرخيصة والسهلة لساحة تستنزف فيها السعودية، وليس بالضرورة كسب ساحة نفوذ جديدة خاصة.
بالمقابل وبالنسبة لترامب، فاليمن ساحة يسهُل فيها استعراض عضلاته ضدّ إيران.. التي لن تخسر شيئاً حقيقياً بخسارة اليمن، بينما ستظل حالة الصراع الطائفي- الإقليمي دائرة دون نهاية، مدمِّرة أكثر من بلد في المنطقة.. وربما في سواها من بعد ذلك.