ستذكِّرنا بالتأكيد العديد من المناسبات والأحداث طوال العام الجاري، بأن 2017 هي ذكرى انقضاء خمسين عاماً على احتلال إسرائيل للضفة الغربية وقطاع غزة، مما سيوفر مادة غنيّة للمحللين والصحافيين والسياسيين على حدّ سواء. فمثل هذه المحطات مفيدة لقياس تطور الأمور، تقدمها أو تراجعها، وأهمية أحداث تاريخية بعينها (مرور 70 عاماً على قرار الأمم المتحدة تقسيم فلسطين أو 100 عام على إصدار وعد بلفور).

لكن علينا أن نتذكر أيضاً أن التاريخ لا ينعكس في تواريخ وشخوص وأحداث فحسب، بل هو عملية متراكِمة متشعبة، وغالباً فإن مجراه ووقْع أحداثه الكامل لا يظهران إلا بعد عقود أو أجيال. فمَن كان يتخيل قبل مئة عام أن الوطن القومي اليهودي الذي رسم ملامحه ذلك السيد البريطاني سيصبح فعلاً بهذا الجبروت الظالم الذي اعتدنا عليه في حياتنا؟ ومَن كان يتوقع أن دولة إسرائيل ستقام فعلاً خلال أقل من ستة أشهر من اعتماد قرار التقسيم الذي وُوجه بالرفض والمقاومة من قبل جميع العرب "الشرفاء"؟
 

التاريخ لا يعيد نفسه.. بل يزحف إلى الأمام
 

شهدت الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية الفلسطينية خلال السنوات الخمسين الأخيرة (بل وحتى قبل 1948) تحولات في جميع نواحيها، موازية للمحدّدَين الرئيسيَين المؤثرين في

تكوينها: حجم وقوة وحراك المشروع الاستيطاني التوسعي الصهيوني المتقدم دون هوادة من جهة، وصعود وتراجع المشروع الوطني الفلسطيني والعربي المقاوِم للاستعمار والاحتلال، من جهة أخرى. منذ اللحظة الأولى للاحتلال عام 1967 كان المشروعان في حالة مواجهة وتضاد على الأرض في فلسطين، وفي "دول الطوق" (سابقاً)، وفي محافل الرأي العام والقانون والدبلوماسية الدولية. وتنسحب المعضلة نفسها على المسار التنموي الاقتصادي والاجتماعي الفلسطيني منذ 1967 (وأيضاً منذ الانتداب البريطاني ثم في السنوات العشرين الأولى لقيام إسرائيل)، حيث كان وما زال الإنسان والاقتصاد والموارد الفلسطينية مستهدَفة وفي صلب الصراع السياسي الأوسع بين المشروعين الصهيوني والوطني/القومي – على فرضية أن مَن يسيطر على الأرض والمال والبشر يتحكّم بموازين القوة السياسية.
 

استُبدِل حلم الفلسطيني بالاستقلال والحقوق بالأمل بالحصول على وظيفة وسيارة وبيت وكهرباء وتصريح سفر وملاهي.. وكل ما يمكن أن يعوض عن وطن حر حقيقي
 

لذلك فليس من المستغرب حرمان الشعب الفلسطيني من حقوقه الوطنية طوال القرن الماضي، وطرد نصفه من أرضه ووطنه. بل أخضعت موارده الطبيعية لتحكم المشروع المعادي الزاحف، وتم تشويه اقتصاده الذي بات مرتهناً للمصالح الإسرائيلية الاقتصادية والأمنية العليا، وسُلب الإنسان الفلسطيني من الحق بمستقبل آمن ومن التمتع بحقوقه، ومن حريته أينما كان في الوطن أو الشتات. كما لم يتبقَ لديه سوى كرامته وإيمانه بعدالة قضية شعبه. لا بد من إدراك هذه الحقيقة المرّة، على الرغم من صعوبة الإقرار بأننا أخفقنا في تحقيق أهم الأهداف الوطنية المرسومة منذ سنوات طويلة. لم نستطع الحفاظ على أرض فلسطين أو مواردها، لم ننجح ببناء كيان سياسي موحَّد يجمع بين مختلف مناطق الوجود الفلسطيني وحالاته وآرائه، وأخفقنا في ردع المشروع الصهيوني رغم مئات الآلاف من الضحايا من الشعب الفلسطيني والعربي، والأسرى والشهداء المقاومين بأبسط الوسائل، وهم ما زالوا يسقطون يومياً على أرض الوطن أو في مخيمات اللجوء. فشلنا يكمن كذلك في عدم الالتزام بالفكر الاقتصادي والاجتماعي المناسب لشعب يعيش أطول احتلال في التاريخ الحديث ويواجه أشرس الأعداء في محيط لم يعد صديقاً، إذا كان أصلاً كذلك.
 

بينما يُحرَّك "الهروب الجماعي من السياسة" في الضفة الغربية من خلال جزرة "الإثراء"، فإن النتيجة نفسها تحدث في غزة من خلال التلويح بعصا "الإفقار"، وفي القدس ومناطق 1948 بواسطة "الأسرلة" الزاحفة


مع كل ما يتحمله المقابل الإسرائيلي، بقوته وقدراته، من مسؤولية عن هذه الحالة الوطنية الفلسطينية المتردية، وبجانب إقرارنا بكل ما أنجز في تحسين حياة الفلسطينيين في ظل "السلطة الوطنية"، فأنه لا يمكن إنكار ما تتحمله القيادات السياسية والمالية والفكرية (والمواطِن أيضاً) من مسؤولية في عدم التقدير الصحيح لقوة العدو أو في طرح الوسائل السياساتية المناسبة لمواجهته (وهذا في أحسن تفسير)، أو في تسليم البعض لمنطق المحتل والمساهمة بتحريف مسار الصراع معه من هدف تحرير الأرض والإنسان إلى الاكتفاء بما يمكن تحقيقه من إدارة حسنة وخدمات معقولة وأمن نسبي. بذلك استُبدِل حلم الفلسطيني بالاستقلال والحقوق بالأمل بالحصول على وظيفة وسيارة وبيت وكهرباء وتصريح سفر وملاهي.. وكل ما يمكن أن يعوض عن وطن حر حقيقي.

وبينما يحرَّك هذا "الهروب الجماعي من السياسة" في الضفة الغربية من خلال جزرة "الإثراء"، فإن النتيجة نفسها تحدث في غزة من خلال التلويح بعصا "الإفقار"، وفي القدس ومناطق 1948 بواسطة "الأسرلة" الزاحفة.


المواطن أولاً... والوطن بَعْدين


اعتمدت منظمة التحرير الفلسطينية منذ نشأتها ووضع برامجها الاجتماعية والاقتصادية في سبعينيات القرن الماضي، توجهات تحررية تقدمية في معتقداتها وسياساتها للتعامل مع احتياجات الشعب الفلسطيني المعيشية، من خلال مشاريع "صامد" في الشتات و"الصمود" في الداخل، وبترابط وثيق مع دفة الصراع مع العدو والمحتل، بل بغية تقوية مقومات النسيج الاجتماعي والمعيشي الفلسطيني الهش لتوظيفها في المعركة. وحتى عندما عقدت المنظمة اتفاق أوسلو في 1993، كان البعد التنموي الشامل ومبادئ الاستقلالية الاقتصادية والعدالة الاجتماعية هي السمات البارزة لمحاولاتها الأولى لإدارة نظام الحكم الذاتي، تحت عنوان "البرنامج العام الإنمائي للاقتصاد الوطني الفلسطيني للأعوام 1994-2000"، الذي أنجز قبل 25 عاماً.

وبالأخذ بعين الاعتبار حالة التفاؤل التي كانت سائدة في تلك الفترة، افترض هذا البرنامج إنهاء الاحتلال الإسرائيلي، وإقامة دولة فلسطينية خلال خمس سنوات، وعودة جزء كبير من النازحين الفلسطينيين. لذلك سعى البرنامج الإنمائي بشكل أساسي إلى دعم صمود الشعب الفلسطيني في أرضه من خلال التركيز على إعادة تأهيل المرافق الاقتصادية الفلسطينية وإعمار الخراب الذي خلّفه الاحتلال الإسرائيلي. كما ركز على ضرورة التخلص من التبعية للاقتصاد الإسرائيلي، وعلى أهمية تنمية القدرات الإنتاجية للقطاعات الاقتصادية الفلسطينية، وبالأخص الصناعة والزراعة والإنشاءات، وإعادة صوغ العلاقات التجارية الخارجية للاقتصاد الفلسطيني.

لكن، وبعد التوقيع على اتفاقية أوسلو، ظهر واقع جديد لم يكن في الحسبان، وبذلك وضع هذا البرنامج جانباً ولم يتم تنفيذه أو العودة إليه في مراحل لاحقة. بعد تجارب تخطيطية عديدة خلال السنوات التالية، غالبيتها ثلاثية، تحت عناوين عكست كل منها المراحل السياسية المتعاقبة، من "طوارئ" أو "إغاثة" أو "تعافي" بين 2000 و2006، مروراً "بالإصلاح" و"بناء الدولة" بين 2007 و2016. وسيطل علينا قريباً بحسب التقارير الصحافية، آخر اجتهاد تخطيطي لسلطة فلسطينية منقوصة السيادة والصلاحيات والموارد. إذا كانت الخطط السابقة لم تنجح في إحداث "التنمية المستدامة" التي غالباً ما نادت بها، كما لم يتم الوفاء بوعد سلام فياض عام 2009 بـ"إنهاء الاحتلال وإقامة الدولة" خلال سنتين، فإنّ الهدف المعلَن للخطة الأخيرة وسياقها ومضمونها يعكس بشكل جلي مدى ابتعاد التفكير الاقتصادي والاجتماعي عن ذلك التراث / المسار النضالي الوطني التحرّري الذي انبثق عنه.

بداية، فإن الوثيقة السياساتية الفلسطينية الجديدة تخلّت عن مفهوم التخطيط التنموي، وتبنت صيغة أقرب إلى عالم الإدارة والأعمال سُميت بـ"أجندة السياسات الوطنية". وهي وبكل جرأة، تتصوّر فترة زمنية طويلة لسريانها (2017-2022)، مما يوحي بالقبول باستدامة الظروف الراهنة على الأقل في الفترة المتوسطة، ربما بنوع من القبول بمنطق عدم وجود مخرج من الأزمة الراهنة، بل توفّر إمكانية لإدارتها فحسب.

كما أنه ولأول مرة  لم يعد هدف التحرير أو الوطن أو الشعب أو التنمية أو الصمود العنوان الجامع لهذه الوثيقة التي تحمل شعاراً واحداً وبسيطاً: "المواطن أولاً". مع أن فصول الأجندة المختلفة تحافظ بمجملها على عناصر سابقة من التوجّهات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، وهي تمّت صياغتها بمشاركة جميع الجهات الرسمية المعنية، فإن الأفق التنموي الوطني لم يعدْ هو الهدف الرئيسي، وباتت "المواطَنة" القاسم المشترك للعمل الاقتصادي والاجتماعي والمؤسسي. هذه الواقعية السياسية في رسم السياسات الاقتصادية والاجتماعية كانت ضرورية حتى قبل 2010، عندما رُفِع سقف التوقعات بإنهاء الاحتلال وإقامة الدولة. إلا أن الاستنكاف عن محاولة التخطيط الوطني الشامل، والاكتفاء بوضع توجيهات ترشيدية للدور الإشرافي والتنظيمي للحكومة من جهة، وبالأمل بإطلاق قوى السوق والقطاع الخاص من جهة ثانية، في مرحلة نحن فيها بأمسّ الحاجة لوقفة وطنية جامعة وشاملة لكل الطبقات والفئات والمناطق، تشير إلى المزيد من تخلي القطاع العام عن دوره القيادي والتحفيزي في العملية الاقتصادية، وفي محاربة الفقر والبطالة واللامساواة، وفي توفير الخدمات الاجتماعية للجميع بالتساوي.
 

ربما تخفق السلطة الفلسطينية مرتين خلال سعيها لتجديد نظام حكمها بالتركيز على الفرد والوعد بتأمين "حياة عادية" و"حكم رشيد": مرة في عدم قدرتها الفعلية على الوفاء بأهدافها ضمن السياق الاحتلالي القائم، ومرة أخرى في ترك قوى السوق والمال تسرح وتمرح في إثراء وإفقار المواطن، وفي إفراغ السياسة نفسها من مضمونها
 

وإذا كانت الأجندة الجديدة تنعكس في تصريحات وزير المالية الفلسطيني الأخيرة المعربة عن الرغبة بانتهاج المزيد من أعمال الخصخصة في قطاعي المحروقات والخدمات الصحية، فإن ذلك ينذر بعواقب وخيمة ليس على "المواطن" فحسب، بل أيضاً على المسار التنموي المشوّه أصلاً.


لكن.. أين الوطن من المواطن؟


ماذا على هذا المواطن ــ الذي يُتغنَّى به وتُنجز باسمه ومن أجله كل هذه الجهود اللاتخطيطية اللاتمنوية ــ أن يَتوقع من سلطته الوطنية بعد 50 عاماً من تراجع البرنامج الوطني و100 عام من الشقاء الإنساني؟ وكيف تتجاوب هذه السلطة، المحرومة أصلاً من اليقين والقدرة على تقديم وعود بأي شيء، أبعد من البقاء في مكانها والمضي بالأمر الواقع؟ يستحق شعب طال نضاله وكبرت تضحياته أكثر من أجندة ليبرالية تتمحور أساساً حول "تحسين نوعية الحياة"، وهي غير مناسبة للتعامل الجدي والمنهجي مع المسبب الرئيسي لانعدام الحياة الفلسطينية.

المفارقة رهيبة، والفجوة شاسعة بين توقعات "المواطنين" في هذا الوطن الفلسطيني، على ضوء التباين في  أوضاع المواطن بين منطقة وأخرى وطبقة وأخرى. في رام الله يتذمر ويتظاهر منذ أسبوعين بعض الأهالي من نقل مدرسة بناتهم إلى مبنى جديد (رغم أنه نموذجي وأخضر...)، لأنها تبعد 3 كلم عن مدرستهن الحالية على إطراف المدينة "في قاع الوادي، بعيدة عن المساكن، وتنتشر في محيطها قطعان الخنازير البرية" (حسب قولهم)! مقابل هذا الترف/ البطر الاحتجاجي، ماذا نقول عن الشاب الغزي إسلام المقوسي، المشلول جسدياً بسبب دهس سيارة عسكرية له منذ 8 سنوات، الذي اتُّهم باطلاً بسرقة طرد غذائي بقيمة 20 دولار من الجمعية الخيرية التي كان يتطوع فيها؟ بعد التحقيق معه من قبل أجهزة الأمن وأهانة ما تبقى لديه من كرامة إنسانية، خرج وأشعل النار بجسده واستشهد قبل أيام متأثراً بجراحه. ماذا نقول لابنة القدس، الشابة مرح بكير المحكومة بالسجن لمدة ثمانية أعوام ونصف العام بتهمة التخطيط لتنفيذ عملية طعن، والتي اعتقلت أثناء هبة 2015 بعد إصابتها بعيارات نارية أطلقها عليها أحد أفراد شرطة الاحتلال عقب خروجها من مدرستها في الشيخ جراح؟ أسئلة عديدة ليست لها أجوبة سهلة، ومن أهمها معنى المواطَنة من دون وطن.

ربما تخفق السلطة الفلسطينية مرتين خلال سعيها تجديد نظام حكمها من خلال التركيز على الفرد والوعد بتأمين "حياة عادية" و"حكم رشيد": مرة في عدم قدرتها الفعلية على الوفاء بأهدافها ضمن السياق الاحتلالي القائم، ومرة أخرى في ترك قوى السوق والمال تسرح وتمرح في إثراء وإفقار المواطن، وفي إفراغ السياسة نفسها من مضمونها.