القانون الذي أقره الكنيست الإسرائيلي يوم الاثنين 6 شباط/فبراير بقصد التشريع لتلك الفئة من المستوطنات المسماة "مواقع متقدمة" والتي كانت حتى تاريخه "غير شرعية" بنظر القانون الإسرائيلي نفسه، لأنها قامت بمبادرات من مستوطنين وليس بتخطيط من الدولة نفسها، وهي عشوائية تستولي على أراضٍ فلسطينية خاصة يقيم أصحابها عليها أو بالقرب منها. اعتبرها القانون الجديد بمثابة "الأراضي المصادرة"، وأن لأصحابها الحق بالحصول على تعويض مالي أو أرض بمساحة موازية إذا ما وافقوا على وقف الملاحقات القضائية لاستعادتها.
بداية، يلح سؤال من قبيل الفضول: أين تقع تلك "الأراضي التعويضية الموازية"؟ ولمن هي في الأصل حتى تعطى تعويضاً عن الأرض المصادرة؟
حسناً، كفى مزاحاً الآن، ولنعد إلى الصدمة التي يبدو أنها انتابت العالم كله بالإجماع: من الاتحاد الأوروبي الذي أعلن عن إلغاء القمة التي كان يُفترض أن تجمعه بإسرائيل في 28 شباط / فبراير، وأعلنت وزيرة خارجيته، فدريكا موغريني، أنه بتمرير هذا القانون فإن البرلمان الإسرائيلي  تجاوز نطاق صلاحياته، كونه يشرع لأراض ليست تحت ولايته بل هي محتلة وخاضعة للسلطة العسكرية، مضيفة أنه "أوجَد فعلياً دولة واحدة ولكن بحقوق غير متساوية".. وحتى البيت الأبيض وقاطنه الجديد الذي يجد نفسه محرجاً وغير مرتاح للقانون، بل

وإلى النائب العام الإسرائيلي غير الموافق والذي لن يدافع عن القانون أمام المحكمة العليا!! كما يُرى الإجماع في مقالات الصحف العالمية كلها وفي افتتاحياتها هذه الأيام التي يتناول العديد منها الحدث الجلل.
يفرح المرء لأنه جاءت فرصة (أخرى، متجددة) لتأكيد أنه احتلال وليس شأناً يخص تنظيم الحياة في "يهودا والسامرة"، ولأن الفلسطينيين عادوا فجأة بشراً لهم حقوق يجري الاعتداء عليها، ولهم أراض وأملاك تجري سرقتها.. ويخشى المرء الانزلاق إلى العدمية السياسية إن لم يفرح، وإن لم يعتبر الصدمة الصاخبة حدثاً إيجابياً يجب البناء عليه، كما كان يجب البناء على تصويت مجلس الأمن 2334  بلا فيتو أمريكي في 23 كانون الأول / ديسمبر ضد توسع الاستيطان.. أو يخشى الانزلاق للعدمية السياسية إن لم يقدِّر حق قدرها الدلالة الخطرة للقانون الجديد (الذي سُمي أحياناً "قانون تسوية الوضع") بوصفه خطوة نوعية تقرِّب قرار ضم كل الضفة الغربية إلى إسرائيل (بعد قرار ضم القدس منذ سنوات)، باعتبار المستوطنات (الكبرى كمعاليه أدوميم، والصغرى كهذه "المواقع المتقدمة") خاضعة للقانون الإسرائيلي العادي وليس للحكم العسكري. وللتذكير فعدد سكان المستوطنات هو 750 ألف نسمة! وللتذكير فمنطقة ج المستثناة من ترتيبات "أوسلو" التليدة تمثل أصلاً 60 في المئة من مساحة الضفة. ماذا تبقى؟ فلسطينيون بشر محتلون وبلا أي حقوق. يضاف إليهم في فئة أخرى فلسطينيون بحقوق منقوصة ولكنهم حائزون على جواز السفر الإسرائيلي (أهالي 1948). هنا ابرتهايد وفي الضفة استعمار وفي غزة حصار يحيلها إلى سجن.
بعض المصدومين الدوليين اقتصر في ردة فعله على القانون الجديد وأسماه "استعماراً من عصر آخر".. وهي متعة فكرية لا تغيّر من الواقع شيئاً. وحذر بعضهم من اشتعال مواجهات عنيفة.. كحجة براغماتية تتناسى معنى الجاري وتصنيفه القانوني والأخلاقي. وهو تحذير يبدو كحرص على إسرائيل نفسها.
الصدمة إذاً إما كاذبة أو ساذجة، مع ترجيح الفرضية الأولى. فهذه هي إسرائيل، تفعل ثم تشرّع. وهي تتابع مسارها بلا أي تناقض، منذ نشوءها ثم إصدارها لقانون "أملاك الغائبين" 1950 وحتى هذا القانون الأخير، وبينهما قوانين كثيرة وإجراءات وآليات الخ..
هل يريد السادة المصدومون عملاً مناسباً للفعل الجاري؟ وضع إسرائيل على لوائح المقاطعة رسمياً. وهذه أيضا عملية طويلة جداً وتصاعدية، تطلبت 30 عاماً لمواكبة القضاء على نظام الفصل العنصري (الابرتهايد) في جنوب إفريقيا، منذ أول قرار في آب /أغسطس 1963 بدعوة البلدان الأعضاء إلى الامتناع عن بيع بريتوريا السلاح والذخائر (وكان إدانة قوية، ولكنه لم يصبح إلزامياً إلا في 1977، وبالمناسبة لم تطبقه إسرائيل في أي وقت)، وحتى 1993 حين استقبلت على منصتها نيلسون مانديلا تكريساً واعترافاً بالدولة الجديدة.
وإلا، فشكراً لكلامكم الطيب!