حملت أخبار فلسطين اليوم أن قرية أم الحيران البدوية في شمال النقب هُدمت، وأن شاباً من أبنائها استشهد أثناء مقاومة العملية.
قاومت أم الحيران لسنوات قراراً إسرائيلياً بهدمها وتهجير أهلها، وهو ما سيتم للمرة الرابعة! فهم تنقلوا مرتين من قرية كانوا يفلحون أرضها قبل نشوء إسرائيل في 1948، إلى أن استقروا في هذه البقعة بأمر ــ وإجازة ــ من الحاكم العسكري الإسرائيلي (منذ 60 عاماً، في منتصف خمسينات القرن الماضي). لكن القرية بقيت "غير معترف بها"، كما هو حال 38 قرية أخرى في النقب يسكنها حوالي 100 ألف فلسطيني.*
وقد نص مخطط "برافر" (  Prawer plan)* على هدم تلك القرى، على الرغم أن معظمها قائم قبل وجود إسرائيل تلك نفسها. وأقر "الكنيست" هذا القانون في حزيران/ يونيو 2013، وهو يسمح لإسرائيل بأن تستولي بموجبه على أكثر من 800 ألف دونم من أراضي النقب وتهجِّر 40 ألفا من سكانه. والقانون مبني على توصية من وزير التخطيط الإسرائيلي أيهود برافر عام 2011 لتهجير سكان تلك

القرى وتجميعهم في ما يسمى بـ"بلديات التركيز"، حيث يقيمون في مبانٍ أشبه بالمغازل، وبلا إمكانية لممارسة أي من نشاطاتهم الاقتصادية (الزراعة والرعي)، وبانقطاع تام عن تقاليدهم وروابطهم الاجتماعية.

[Media:5185]

يعتبر الفلسطينيون أن هذا المخطط الذي بدأ اليوم بتنفيذه مع هدم قرية أم الحيران ــ بعدما كان قد جُمِّد بفضل حملة كبيرة ضده، محلية ودولية ــ هو أحد أوجه النكبة المستمرة اللاحقة بهم. ومن السخف اعتداد السلطات الإسرائيلية بتأييد "المحكمة العليا" لقرار الهدم، فهذا أشبه بإلزام المغتصَبات بعقد زواج يمحو الفعل الجرمي ويعفي المغتصِب من المساءلة (قانون متوفر في معظم البلدان العربية!). ومن السخف كذلك الانزلاق إلى محاجة قانونية ــ إجرائية مع تلك السلطات، قد تطغى على طبيعة القرار نفسه بوصفه عنصرياً وعنفياً، ولكنه قبل كل شيء مطابق تماماً لطبيعة إسرائيل التي لا يمكن إلا أن تكون تلك هي صفاتها، وهي تنتهي غداً لو كانت غير ذلك.

سبق هذه المحاولة "الناجحة" لهدم وتهجير أم الحيران، محاولات عديدة كان آخرها في تشرين الثاني/نوفمبر 2016. يومها هرع إلى القرية عشرات المتضامنين، فلسطينيين وإسرائيليين، ومعهم بعض النواب العرب في الكنيست، وصحافة من العالم.. فـ"تأجل" التنفيذ.

قد ينظر الى الحدث على أنه "محدود"، ولكن مأساة البشر حين تقع على أية جماعة، وعلى إنسان فرد، هي دوماً عظيمة. وصحيح أنه في السنوات الأخيرة هُدمت في سوريا مثلاً مدن بأكملها بفعل القصف المريع، ووصل عدد المهجرين من أبنائها إلى الملايين، وعدد الضحايا إلى مئات الألوف (وحدث في العراق وليبيا واليمن وسواها..)، ولكن لا يوجد جريمة تبرر أخرى أو تخفف من وطأتها. وهذه المبادئ تحديداً ليست نظرية ولا شعرية، بل تبنيها هو بالتأكيد أحد مداخل الخروج من الخراب الذي نقبع فيه، والذي يبدو كحلقة مفرغة لا فكاك منها، وذلك تحديداً لأن الاستنكار والمجادلة السائدين والمهيمنين اليوم لا يقومان على مبادئ قيمية مشتركة يمكنها أن تكون إحدى نوافذ الحل العام.
 

[Media:5255]

وعلى مستوى آخر، ففلسطين ليست "ضائعة" ويجدر غسل الأيدي منها والالتفات إلى هموم أخرى. هذا هو الوهم بعينه. فعلى الرغم من جبروتها، فإن إسرائيل تجري إلى طريق مسدود وتكاد اليوم تصطدم بنهايته. وهذه واقعية مبنية على تحليل ومعطيات وليست هي الأخرى تنظيراً ولا شعراً ولا عواطف. والأمر عائد إلى طبيعة تكوينها من جهة، وإلى المقاومات ضدها: المسلحة والسلمية، صغيرها وكبيرها.. التي لم تتوقف يوماً. وفلسطين الآن، وأكثر من أي وقت مضى، جزء من المعركة الشاملة الدائرة على مستوى العالم بخصوص نوعية الحياة التي يريدها البشر، لهم اليوم ولأبنائهم من بعدهم. وهي معركة تخص السياسة بمقدار ما تخصّ البيئة والحقوق ونمط الإنتاج الخ.. وكلّ قناعة وكل موقف وكل إرادة وكل مبادرة تهمّ. فأين تقفون؟

مراجع:
* "عرض لنكبة القرى غير المعترف بها"ـ إعداد المحامية سهاد بشارة، مركز عدالة
* "مخطط برافر" - متابعة من إعداد مركز عدالة