الثورة: مخلوق حيّ متحرك، مثل البشر، وليست حجارة غرانيت تحافظ على خواصها لمئات القرون. هكذا عرّفها التشكيلي السوري الجميل يوسف عبدلكي.

 

مخلوقٌ متحرّك ومحرّكٌ للعقول والأجساد هيَ.

 

قبل ستّ سنوات من الآن جعل الحماس الثوريّ عقل شابّة مصريّة في العشرين من عمرها اسمها غدير أحمد يتحرّك في اتّجاه البحث عن وسيلة للدفاع عن جسدها وأجساد بنات بلدها وعن حرّية هذه الأجساد في الحيّز العام، فكانت "ثورة البنات"، وهي مجموعة نسوية مستقلّة تمارس نشاطها التوعويّ عبر فايسبوك، وصار لها من المتابعين اليوم أكثر من 145 ألفاً. في عزّ انغماس غدير في هذا العمل، جاء من وضع على يوتيوب فيديو بعنوان "الناشطة النسائية غدير أحمد ترقص رقص ساخن جدا". عندما أخبرها أصدقاؤها بالأمر خافت أوّلاً، ثمّ غضبت، ثمّ قرّرت أن تعيد نشر الفيديو على صفحتها الشخصيّة على فايسبوك مع تعليق تؤكّد فيه أنّها الفتاة الراقصة في الفيديو، وتتساءل عن المقصود من وراء نشر مقطعٍ صَورّته إحدى صديقاتها عام 2009، وأرسلته هي

إلى حبيبها في حينها الذي يبدو أنّه من نقله إلى يوتيوب بهدف "التشهير"!
 وتبعت خطوة إعادة النشر خطواتٌ أخرى، بينها الحديث عن الأمر لوسائل الإعلام، وكتابة مقال في جريدة الغارديان مؤخّراً تدافع فيه عن حرّيتها في استخدام جسدها بالطريقة التي تحبّ، وتتحدّث عن تجارب أخرى لنساء جرى ابتزازهن بنشر مقاطع فيديو أو صور لهن تبدين فيها عاريات أو "مثيرات". هذه الأفعال هي اعتداء على الحرية والخصوصية من جهة، وهي جرائم عبر الفضاء الإلكتروني (cybercrimes)، وتتعرض لها النساء بنسبة أكبر من الرجال بـ27 ضعفاً عالميّاً، ويجب معاقبتها قانونياً على هذا الأساس وليس على أساس اعتبارها جرائم تشهير. وهذا تشدّد عليه غدير في مقالها في الغارديان لأنّ المشكلة ليست في أن تظهر في مقطع فيديو ممارسة حريّتها، بل في أن يصير هذا المقطع الذي لم يصوّر بهدف النشر متاحاً لأيّ شخص في أيّ مكانٍ في العالم.
الإنترنت: بحرٌ افتراضيٌّ تسبح فيه الأفكار، من أكثرها سخافةً واعتباطيّة إلى أكثرها عمقاً وأشدّها ابتكاراً. معاً. بحرٌ سرمديٌّ لا وقت فيه وحجمه آخذٌ في التعاظم. في البحار الواقعيّة يسبح البشر ويسافرون، وفيها أيضاً يرمون ما يفيض عن حاجتهم من علب السردين إلى المخلفات النفطيّة.. وهنا أيضاً يستطيع أن يرمي إنسانٌ ما أجمل ما في عقله ليراه شركاؤه مثلما يستطيع أن يرمي أبشع ما في عقله او عقله الباطن، والإنسان كما قال الكاتب حسين البرغوثي على فراش موته "كائن فش في احتملاتو حدّ لا في السفالة ولا في الفضيلة".