باتت مقاومة البلطجة في مصر حالة شعبية، بينما الدولة مستقيلة وبعض أفراد أجهزتها الأمنيّة متواطئون. يقاوم الناس بتشكيل لجان لـ"استرداد الحقوق"، وأحياناً بحمل السلاح الأبيض والصواعق الكهربائية للدفاع عن النفس بوجه اعتداءات،  ولا تنتهي هذه المقاومة بأن يدفع شابٌّ من إحدى قرى دلتا النيل، صار بطلاً، محمد عيسى،  حياته ثمناً لوقوفه بوجه هذه الظاهرة المتفاقمة

 

تطالب السلطات الشعب بالوقوف أمام جشع التجار وبالإبلاغ عن معتنقي الأفكار التكفيرية.. لكن أن يصل الأمر لأن يدفع أحدهم حياته ثمناً للتصدي للبلطجة داخل قريته بدلاً عن الدولة وأجهزتها الأمنية فهو ما لم يتم التخطيط له مسبقاً، وإن كان تتابع الخطوات يفضي إليه لا محالة. "عيسى البطل"، هكذا أصبح اسمه. تحولت سيرة الرجل إلى أسطورة داخل كل البيوت المصريّة، وتحوّلت جنازته في قرية "شما" بدلتا مصر إلى إحدى أكبر المظاهرات التى شهدتها المحافظات المصرية منذ اندلاع ثورة 25 يناير 2011. النهاية الدرامية لحياته تختصر القصة التى يخشى الجميع روايتها، وهي أنّه لم يعد هناك مجال لمواجهة البلطجة إلّا بالمقاومة الشعبية.
من تلك القرية الصغيرة تُسمع التفاصيل. وقف عيسى في مواجهة أسرة شقيّة اشتهرت عبر السنوات بممارسة أعمال القتل والسرقة والبلطجة

داخل القرية، على مرأى ومسمع من أجهزة الدولة. لم يسعف القانون الأهالي في محاكمة هؤلاء، ولم تقترب قوّات الأمن منهم للقبض عليهم، فلم يجد الأهالي غير الحلول العرفية، واختاروا "عيسى" ممثلاً لهم لعقد الاتفاق، فلا حل إلا بالترحيل عن القرية. وفي أحد المكاتب المكيفة داخل مديرية الأمن، تمّ التعهّد بالتّنفيذ، ولكن ساكناً لم يتحرك على الأرض. وتوالت الشكاوى والاستغاثات، وكان الصوت الأكثر ارتفاعاً هو لابن القرية الذي اشتهر بمشاركته فى جميع الأعمال الأهلية من جمع تبرعات لبناء المدارس، إلى توفير وحدات الغسيل الكلوي، وإلى رصف الطرق.. وعندما سُمع في إحدى الليالي صوت رصاص بالقرب من بيته، خرج الجميع وهم غالباً يعرفون الإجابة، فقد قتل "محمد عيسى". رحل هو، ولم يرحل ممارسو البلطجة، ولا زالت الدولة بمكاتبها المكيفة تتابع من هناك.

 

الفتوة و البلطجي .. قصة معادة

 

مشهد يعيد للأذهان صوراً من رواية "الحرافيش" لنجيب محفوظ، حيث تتبدى الفروق بين "الفتوة" و"البلطجي". فهذا يستخدم قوته لفرض الأمن والاستقرار للناس، وذاك تتحول سطوته مدخلاً لفرض الجباية عليهم وممارسة أعمال كالنهب والسرقة والتشهير والقتل .

 

الصورة معقّدة في ظل سطوة دولة تواجه اتهامات منذ عصر حكم الرئيس المخلوع مبارك بمسئوليتها المباشرة عن صناعة ظاهرة "البلطجي"، و من ناحية أخرى ظهور جيل جديد من "البلطجية" عقب ثورة 25 يناير

 

ولكن الصورة بالتأكيد أكثر تعقيداً في ظل سطوة دولة تواجه اتهامات منذ عصر حكم الرئيس المخلوع مبارك بمسئوليتها المباشرة عن صناعة ظاهرة "البلطجي".. و من ناحية أخرى ظهور جيل جديد من "البلطجية" عقب ثورة 25 يناير. وبعد مرور ست سنوات من التدهور الحاد الاقتصادي والاجتماعي، أصبحت "البلطجة" مخرجاً إجرامياً لآلاف ممن وجدوا أنفسهم داخل المئات من المناطق العشوائية شديدة الفقر، حيث ينتشر بيع السلاح والمخدرات والبطالة، و يتذبذب الأداء الأمني فتكون الفرصة سانحة لفرض سطوة على جيوب وممتلكات وأرواح الناس.

 

جبهات المقاومة الالكترونية

 

في قرية الجعافرة بدلتا مصر، مثالٌ آخر. فالقرية تقع ضمن ما يسمى بـ"مثلث الإجرام" حيث تنتشر على أطراف ثلاث قرى عصابات الاتجار بالمخدرات والسلاح ذائعة الصيت. وقبل عام واحد شهدت القرية مذبحة خلال مداهمة قوة أمنية لأحد الأوكار، فكان الحصاد 6 أرواح ما بين ضابط وفرد أمن.
انتهت التحقيقات بالكشف عن تورط عدد كبير من ضباط الشرطة الكبار والمباحث الجنائية مع هؤلاء البلطجية، إلى حد تلقّي رواتب شهرية ثابتة منهم، علاوة على الحصول على حصص من الاحِراز (بالعامية المصرية وتعني "المصادرات المتحفّظ عليها") التي يتم ضبطها بالتنسيق مع تلك العصابات. ولم تكن تلك الحقائق لتتكشف لولا جهود شباب القرية، ممن نظموا حملة شعبية عبر وسائل التواصل الاجتماعي لجمع كافة المعلومات المطلوبة عن تاريخ تلك العصابات، والعائلات التي يندرج أعضاء منها معهم، وعلاقاتهم القديمة بعدد من ضباط الشرطة، وتأثير هذا الفساد على تحول تلك القرى إلى أوكار مفتوحة.

 

[Media:5128]

 

سمح القبض على عدد من رجال تلك العصابات وإحالة ضباط للمحاكمة، بخلق حالة من الثقة داخل تلك القرى، لكن هذا لم يمنع الخوف الشديد على أرواح الشباب ممن تولوا المبادرة، حتى لو لم يعلنوا عن هوياتهم.

 

أداة شعبية للضبط الاجتماعي

 

التجارب هنا وهناك لا تمثل حلاً شافياً، خاصة عند الأخذ بالاعتبار زيادة معدلات البلطجة توازياً مع اتساع رقعة العشوائيات والفقر على الخريطة المصرية. فسرقة السيارات وتوقيف الأفراد للحصول على ما في جيوبهم.. أصبحت أمراً اعتيادياً، ولم يعد الكثيرون يفكرون بالذهاب إلى قسم الشرطة لاسترجاع حقوقهم نتيجة خبرات سلبية سابقة.
أصبح حمل السلاح الأبيض أو الصاعق الكهربي الصغير حلاً لدى بعض الشبان والفتيات للدفاع عن أنفسهم، إلا أنّ الشريحة الأعظم أصبحت تتجه لحلول أخرى، مثل الالتجاء لمجموعات تُعرِّف نفسها بصفتها "مستردو حقوق" وممارسون لأعمال البلطجة من أجل استرداد الديون والأموال. البعض يراهم "بلطجية" و"محترفو إجرام" سابقون، قرروا تسخير إمكاناتهم لمواجهة أجيال جديدة من"الأشقياء"، وهي خدمات مدفوعة الأجر تتم فى العلن ـ إلى حد ظهور صفحات رسمية لتلك المجموعات على مواقع التواصل الاجتماعي. بل إنّ كثيراً من المخبرين والأمناء يتحولون إلى وسطاء وسماسرة من أجل جلب المعتدى عليهم إلى تلك المجموعات الجديدة.

 

تفاقم عدد البلطجية على مدار السنوات العشر الماضية، مِنْ ما يقارب 92 ألف بلطجي إلى ما يقارب 200 ألفاً وذلك بحسب تقديرات "المركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية في مصر"، وهو هيئة رسمية

 

يشير الباحث علي الرجال لهذا التطور، و يتساءل: "كيف يمكن أن تتحول البلطجة في بعض أشكالها إلى أدوات ضبط اجتماعي؟"، وهو في ذلك لا يشير فقط لتلك المجموعات الناشئة فى مواجهة مجموعات أخرى بالعاصمة المصرية، ولكن أيضاً لظاهرة "البلطجي" صاحب الهيبة في قرى الصعيد الذي يتم اللجوء إليه في بعض الأحيان كقاضٍ عرفي ومظلة حماية اجتماعية.

 

أرقام خرساء وظاهرة متجددة

 

حسب تقديرات "المركز القومي للبحوث الإجتماعية والجنائية في مصر"، فإن عدد البلطجية على مدار السنوات العشر الماضية قد تفاقم، مِنْ ما يقارب 92 ألف بلطجي إلى ما يقارب 200 ألف، وذلك اعتماداً على إحصاءات وزارة الداخلية لضبط الـ"مسجلين خطر"، وتقدير لما يقع خارج سيطرتها. وتشير تلك الدراسات الرسمية بوضوح الى دور جهاز أمن الدولة خلال عهد الرئيس المخلوع مبارك في خلق جيل مدروس من البلطجية لاستخدامهم ضد الخصوم السياسيين، ولكن الأمر خرج عن التحكم بعد اندلاع ثورة 25 يناير، ومن ثَمّ عادت الأجهزة الأمنية لممارسة "دورها" ذاك كما في عهد مبارك، ولكن كمتغير تابع لا مستقل، مما يجعل الأعداد خارج أي إحصاء دقيق
..

في قرية شما، لا زال الغضب مشتعلاً رغم زيارات القيادات السياسية والأمنية في المحافظة للأهالي، وفي كل مرة يشهرون فى وجه زائريهم صور استغاثات "عيسى البطل" لكافة المسئولين، وصولاً لرئيس الجمهورية وجميعها مذيلة بالعبارة ذاتها: "إلى متى تستمر أعمال البلطجة.. نحن لن نسمح بعودة هؤلاء إلى قريتنا حتى لو بذلنا دمنا ثمناً لذلك".
لم يسمح الأهالي بعودة الأسرة الشقية، وتحول "عيسى" إلى أسطورة شعبية يرويها الكبار ويستلهمها الشباب والأطفال، بينما قراءة سريعة للواقع تقول إنّ أسر "الحرايرة" و"جبريل" وغيرها ممن تم وصمهم بالبلطجة لا زالوا يملكون السلاح والقوة والسطوة، وسيستخدمونها أينما حلّوا، وأن عيسى آخر قد يعود للتضحية من جديد.

 

فيديو يعود لعام 2012 لمحمد عيسى الذي قتل على يد البلطجية  في تشرين الثاني / نوفمبر 2016: