في هذا الجزء الثاني: جلسات الاستماع العلنية لضحايا انتهاكات حقوق الإنسان في تونس هي انتصارٌ رمزيّ للضحايا وللذاكرة الجمعيّة. وبالطبع، فردود الفعل عليها متباينة. وأما أعوان النظام السابق فهم يحاولون تشويه مسار العدالة الانتقالية بحجة إنهم كانوا ضحايا للنظام أو بالحديث عن الخشية من غشاعة أجواء انتقامية.. يبقى أنها مرحلة أولى، وأن الخطوة الثانية هي حضور المرتكبين للإدلاء بما لديهم وللاعتذار من الضحايا، وهو ما لم يحدث بعد...

 

انطلقت في تونس يومي 17 و 18 تشرين الثاني/ نوفمبر الحلقة الأولى من جلسات الاستماع العلنية لضحايا الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان، وقد حضرها بالإضافة إلى الضحايا وعائلاتهم، عدة سياسيين وناشطين حقوقيين تونسيين وأجانب. وعقدت الحلقة الثانية في 17 كانون الأول/ ديسمبر (ذكرى اندلاع الانتفاضة الشعبية)، وستعقد الحلقة الثالثة في 14 كانون الثاني / يناير (ذكرى هروب بن علي). وحدهم الرؤساء الثلاثة غابوا عن المشهد. غياب/ صمت  موغل في البلاغة. وتعتبر هذه الجلسات انتصاراً مهماً حتى وإن كان جزئياً ورمزياً. فهي أعطت الفرصة لردّ الاعتبار لضحايا عقود من الظلم، بانتظار أن يعترف الجلادون و يعتذروا. وتباينت ردود الفعل على مستوى "النخب" وعموم المواطنين، بحسب الانتماءات السياسية

والإيديولوجية.

 

انتصار رمزي للضحايا و للذاكرة الجماعية

 

قد يعتبر البعض أنّ مجرد عقد جلسات تنقل في التلفزيون لا يعتبر إنجازاً عظيماً في بلد شهد "ثورة" وتحرَّر من نظام ديكتاتوري، وينعم حالياً بحرية التعبير. قد يكون ذلك صحيحاً عندما يُعتقَد أنّ الأمور قد حسمت في تونس، كما يروّج لذلك الإعلام المحلّي والأجنبي على السّواء. لكنّ الأمر ليس بتلك البساطة، فالصراع ما زال مستمراً في البلاد ما بين الذين يريدون فحسب تعديل صورة النظام وبين الذين ينشدون تغييراً حقيقياً ويريدون أن يقطعوا فعلياً مع الماضي وأن يحصنوا مستقبل البلاد من القمع والاستبداد. موازين القوى اليوم في تونس هي في صالح الأوائل.

 

[Media:5120]

 

أغلب المناصب السياسية والإدارية المهمّة يسيطر عليها "أزلام" النظام القديم / الجديد.  كما أنّ حالة عدم الاستقرار التي لم يعتد عليها الناس جعلت جزءاً منهم يحن إلى "أيّام" بن علي "الآمنة". ووسط هذا المناخ المعادي، تبرز جلسات الاستماع العلني لضحايا الاستبداد كنقطة ضوء وكانتصار رمزي على كل الذين حاولوا طمس الحقيقة وقطع الطريق أمام العدالة. الجلسات كانت بمثابة جرعة تذكير لكلّ من نسي أو تناسى أنّ تونس كانت ترزح تحت نظام قمَع كل المكونات السياسية المعارضة، وعطّل الحياة الثقافية والحريات، وانفرد بالقرار، وبدَّد ثروات البلاد، ورهن مصيرها للمؤسسات المالية الدولية. مشاهدة ضحايا القمع يتحدثون عن جروحهم وعن جلاديهم في قنوات التلفزيون أمام ملايين البشر هو شيء مختلف تماماً عن زمن الخوف، عندما كان الناس يتحدثون همساً خوفاً من "آذان الجدران".
غياب الرؤساء الثلاثة وكبار المسئولين عن افتتاح الجلسات كان في مكان ما اعتراف بالهزيمة. هذه الجلسات هي أيضاً انتصار للذاكرة وتوثيق لما كان يتناقله شفهياً المناضلون والضحايا. يمكن اعتبارها خطوة أولى ناجحة (رغم كل النقائص) نحو إعادة كتابة تاريخ تونس.

 

تكلمت الضحية فهل يعترف الجلاد؟

 

جلسات الاستماع العلني أتت بعد آلاف جلسات الاستماع السرية، والشهادات التي نقلت مباشرة عبر القنوات التلفزيونية هي عينة بسيطة من تاريخ القمع ذاك. اختيار الشهادات الحية لم يكن اعتباطياً، فخلال يومين استمع التونسيون والعالم الى شهادات من ضحايا (أو من أهلهم) ينتمون الى مختلف التيارات السياسية، وهم تجرعوا عدة  أنواع من القمع في مراحل مختلفة من تاريخ البلاد المعاصر. في اليوم الأول، استمعنا في البداية الى شهادات لثلاث من أمهات شهداء انتفاضة 2010/2011، اللواتي لا زلن يطالبن بكشف هوية القتلة، وينددن بأحكام القضاء العسكري التي لم تنصفهن. ثم تلتها شهادتا كلٍ من أم وزوجة مناضل اختطف وقتل ولم يكشف الى اليوم مكان جثته. واختتمت الجلسة بشهادة لسامي براهم (أكاديمي إسلامي) و جيلبير النقاش (كاتب يساري) عن تجربتهما مع الاعتقال والتعذيب والسجن خلال التسعينيات للاول والستينيات للثاني. وتضمنت جلسة اليوم الثاني ثماني شهادات أخرى، بعضها قدمها أقارب مناضلين شيوعيين وإسلاميين قتلوا تحت التعذيب، وبعضها الآخر لمساجين سياسيين عروبيين ويساريين وإسلاميين تحدثوا عن الإنتهاكات الجسديّة والنفسية الجسيمة التي تعرضوا لها خلال عهدي بورقيبة وبن علي.

 

خلال يومين استمع التونسيون والعالم إلى شهادات من ضحايا (أو من أهلهم) ينتمون إلى مختلف التيارات السياسية، تجرعوا عدة  أنواع من القمع في مراحل مختلفة من تاريخ البلاد المعاصر

 

الاستماع بانتباه إلى الشهادات المتعاقبة يرقى إلى درجة المازوشية، لكنّه كان ضرورياً حتى لا ينسى التونسيون ما حدث في بلادهم، وحتّى يعي أبناؤهم قيمة الحريّة النسبية التي يعيشونها اليوم. جلسات الاستماع كانت أيضا فرصة حتّى لا يقول أحد إنّه "لم يكن يعلم"، كما أنّها فقأت دملاً عمره أكثر من نصف قرن، كانت آلة الدعاية تحول إخفاءه بكلّ الوسائل. تحدّث الضّحايا وأهلهم عن آلام ومعاناة استمرّت لسنوات طويلة من أعمارهم وما زالت آثارها بادية إلى اليوم.  أغلبهم لم يطلب قصاصاً بمعنى "العين بالعين" ولكنّهم يريدون ردّ الاعتبار، واعترافاً من الجلاد، واعتذاراً من الدولة.

 

ردود فعل متباينة

 

الجلسات كان لها وقع كبير على أغلب التونسيين، وإن كانت ردود الفعل تراوحت بحسب التموقع السياسي. على المستوى الشعبي، كان لشهادات الضحايا تأثير الصدمة. فعلى الرغم من أنّ أغلب التونسيين سمعوا عن قصص التعذيب وبشاعة الممارسات التي تسلط على المساجين السياسيين، فإن الاستماع إلى شهادات حيّة من أشخاص يروون عذاباتهم بالتفصيل المؤلم كان له طعم آخر. أغلب أحزاب المعارضة التاريخية والمنظمات الحقوقية التي ناهضت النظام الديكتاتوري عبرت عن رضاها، وابتهاجها بهذه الجلسات التي تكشف جزءً من تاريخ تونس، وتعيد نوعاً ما الاعتبار لآلاف الضحايا الذين اضطهدوا وحوصروا في قُوتهم وأُبعدوا عن عائلاتهم.
وبالطبع كان هناك من انتقد هذه الجلسات بشدة، وحتى هاجمها وحاول تشويهها. منتقدو الجلسات العلنية ينقسمون إلى قسمين أساسيّين: هناك الذين يعتبرونها أدنى من المطلوب، وآخرون يعتقدون أنّها تبالغ. القسم الأول من المنتقدين يرون في هذه الجلسات امتصاصاً للغضب، وخطوة نحو المصالحة مع نظام القمع، مما يُضيّع حقوق الضحايا ويمنح صكوك غفران للمسئولين والجلادين.

 

تعتبر العدالة الانتقالية "أضعف الإيمان" في بلد شهد سقوط نظام ديكتاتوري. لكنّ المشكلة الأساسية في تونس أن النظام لم يسقط بالكامل، واستطاع ترميم نفسه، وارتدى حلّة جديدة متناسبة مع التغيرات التي وقعت

 

القسم الثاني يتألّف أساساً ممّن عملوا مع النظام الديكتاتوري، سواءً في أجهزته الخشنة (مراكز التحقيق والتعذيب، والسجون) أو الناعمة (سياسيون، وإعلاميون، وأكاديميون، وفنانون ومثقفون..)، ويحاولون تشويه مسار العدالة الإنتقالية بكلّ الطرق، لأن نجاحه يعني إدانتهم وفضحهم. هؤلاء يعتمدون عدّة حجج لتبرير موقفهم.. فيتحدثون تارة عن أنّ العودة إلى الماضي هي فتح لجروح قديمة تؤلم الضحايا وتوتر العلاقة بين مكونات المجتمع، ويحاولون تارة أخرى "إغراق السمكة" أو إضاعة الموضوع عبر القول بأنه حتى المتورطون في خدمة الديكتاتورية هم في آخر الأمر ضحايا، لأنّهم لم يكن لديهم خيار آخر في ظل نظام قمعي. وعندما لا تجد حججهم "العاطفية" قبولاً وصدى، يلتجئون إلى حجج أخرى أكثر "عقلانية": فالعدالة الإنتقالية ستتحول إلى انتقام مما سيخيف رجال الأعمال الذين كانوا مقربين من النظام ومما سيعطل الاستثمار الأجنبي، كما أنّ التعويضات الماديّة التي ستصرف للضحايا ستكلف البلاد الكثير من الأموال، وهي بأمس الحاجة إليها في ظل الأزمة الإقتصادية الخانقة التي تعيشها. وعندما تنفد كل الحجج يعودون إلى أساليبهم القديمة: التشويه. فتارة يتهمون رئيسة الهيئة بالفساد المالي، وتارة يعتبرون أن الإسلاميين هم المتحكمون بالهيئة والمستفيدون منها.

 

ختاما..

 

تعتبر العدالة الإنتقالية "أضعف الإيمان" في بلد شهد سقوط نظام ديكتاتوري. لكنّ المشكلة الأساسية في تونس أن النظام لم يسقط بالكامل، واستطاع ترميم نفسه، وارتدى حلّة جديدة متناسبة مع التغيرات التي وقعت. الانتكاسة التي حصلت في تونس جعلت مسار العدالة يتعطل لسنوات طويلة، حتى كاد ينسى تماماً لولا صمود المجتمع المدني وبعض الأحزاب السياسية. الصراع ما زال مفتوحاً في تونس.. صراع إرادات.. صراع الماضي والمستقبل.

 

[Media:5121]