مداهمات بوليسية «للقبض» على لاجئين أفارقة وترحيلهم بشكل لا إنساني، يتجسد من خلاله تحلل الدولة وعنف النظام القائم وتنكّره لتاريخ الجزائر وقيم شعبها، هذا بالإضافة لتصريحات ذكورية ورجعية من وزيرة المرأة الجزائرية.. وهي أدلة على عجز النظام عن بلورة استراتيجيات تلائم الأزمات الحاضرة، من انخفاض عوائد البترول إلى أزمة المهاجرين، في مقابل سيادة الديماغوجيا والقمع البوليسي

 

قيل وكُتب الكثير عن النظام اللاشرعي الذي يقود الجزائر نحو وضعية مليئة بالخضّات القصوى، متراوحاً بين النهب وانعدام الكفاءة. الموضوع خصب حقاً لجهة الانحدار السياسي والأخلاقي، فهؤلاء الذين يقودون البلاد إلى مأزق كارثي لا ينضبون.
يبدو أن هذا النظام أقسم، في سياق تحلله، على انتزاع ـ أو على الأقل على أذية ـ كل ما هو راقٍ ومثير للاحترام في الرأسمال السياسي للشعب الجزائري. يبدو أن هؤلاء المستفيدين منه أقسموا على ترك حقل من الخراب خلفهم كميراث للأجيال القادمة. هذه الديكتاتورية الفاقدة للذاكرة التي لا يعادل عنفها إلا عدم شرعيتها، عوّدت الناس على ارتكابات مدانة، وعلى الفضائح والخطب الديماغوجية المتمادية.

التقهقر والذكورية

العصابة الحاكمة، سواء ظهرت تحت الأضواء في الحكومة أو بقيت

مختبئة في الظل ـ وهي حالة تفضّلها لأنها تعرف نفسها غير لائقة ـ تتمكن من الإدهاش عند كل حدث، بفضل قدرتها على النزول أكثر فأكثر في سلم الحقارة. حسين آيت أحمد لاحظ بحساسيته الأسطورية أن "هذا النظام لا يجدد نفسه إلا بالبتر المتلاحق"، ولا تكف الأحداث عن إظهار صوابية رأي هذا القائد الراحل. فلو اعتبرنا تعادلهم في الفساد، فإن هؤلاء الذين يتتالون في تجسيد النظام يبدون في كل مرة أقل أهلية من سابقيهم.
الناطقون باسم النظام الريعي، وقد أرعبهم تقلص العوائد النفطية منذ انهيار أسعار البترول، يظهرون عدم كفاءتهم في وضح النهار. هكذا تعلن وزيرة "التضامن والعائلة والمرأة" (!) في 30 الشهر المنصرم أن على النساء في المراتب الوظيفية العليا أن يعيدوا رواتبهم للخزينة العامة، لأن "أزواجنا يهتمون بنا"، وهو ما يصدم رأياً عاماً ظن أنه سبق له أن سمع كل ما يخطر ببال. وإن كانت قلة تحتفظ ببعض الأوهام حول هذه البيروقراطية التي يشكل فراغ كلامها صدى لخوائها، فعليها أن تعي أنها (هذه البيروقراطية) مصابة بالذعر، ولا تجد مَعيناً لها إلا في ثقافتها النفعية والترقيعية المجردة من كل رؤية ومن كل أخلاق.

 

[Media:5125]

 

وهذه السلطة الجاهلة تعمم صورة تقريبية للعالم مبنية على تمثلات ذكورية عفا عليها الزمن. التصريحات المحرجة للوزيرة توضح ابتذالاً عادياً لخدم من الدرجة الثالثة جرى تكوينهم داخل النظام. ولا يمكن توقع أي تجديد سوسيو سياسي من هذه الأوساط، بل هم موضوعياً حلفاء الظلامية. وبشكل أشد خطراً، فهذه الحال تنبئ بالصعوبات التي ستواجهها البلاد حينما سينضب الرصيد من العملات الأجنبية.

خطف عنصري

الحماقات الوزارية تلك ليست سوى تفاهات بالمقارنة مع خطف نحو 1400 أفريقي أسود بلا أوراق في ليلة الثاني من كانون الأول/ ديسمبر، حين بدأت مداهمات البوليس والدرك واستمرت حتى صباح اليوم التالي. دخل عناصر من هذه الأجهزة إلى مأوى هؤلاء المهاجرين من جنوب الصحراء، واقتادوهم في باصات. وبحسب "الرابطة الجزائرية للدفاع عن حقوق الإنسان"، فقد جرى تجميع هؤلاء المختطَفين وبينهم نساء وأطفال، في معسكر بائس في ضواحي العاصمة، ثم في آخر مطاف هذه "الرحلة الليلية"، نقل هؤلاء بشكل عسكري إلى "تمنراست" جنوبي البلاد قبل طردهم. هذه الجريمة المتكررة تليق بنظام فاشي. جزائر الثورة الأفريقية، الجزائر المتضامنة مع الشعوب المناضلة، جزائر فرانز فانون، تُقاد هكذا إلى صف الدول الفاشية، فبلا تمويه، قرر جزائريون يحتلون مناصب سلطوية الترحيل العنيف وغير الإنساني لأخوة وأخوات من قارتنا المشتركة، ممن طُحِنوا بالبؤس والحروب.

خضوع النظام

كيف أمكن لفظاعة كهذه أن تحصل وبتكرار؟ كان ينبغي لحملات الطرد السابقة أن تكفي كدرس. فبالنظر لقيم هذا الشعب، فإن فظاعات كهذه لا يمكن تبريرها ولا تقبّلها. فمن هو الذي قرر تحمل مسؤولية البصق على التاريخ؟ وباسم أي عنصرية دولة أو عداء رسمي للآخر، يمكن طرد نساء وأطفال ورجال لاجئين على التراب الوطني؟ لا يمكن لأي "سبب" أن يوضع بوجه التقليد الوطني القائم على الضيافة والتضامن الذي صُهر عبر الزمن وغالباً خلال أقسى الظروف. لا يمكن لأي منطق يدّعي "حفظ الأمن" أن يغفر العمل البوليسي الذي ظنه البعض إرضاء للغرائز الدنيا لشريحة من المواطنين. أما في الواقع، فإن تلك الفعلة كانت إشارة موجهة إلى الحماة الأوروبيين للديكتاتورية. غاية هذا العقاب الجماعي هي قبل كل شيء إظهار استعداد النظام الجزائري للقيام بدور الوكيل المطيع لسياسات "احتواء" الهجرات الأفريقية.

 

[Media:5126]

 

وهذا العمل القاسي وغير الإنساني يعبر عن فوضى بشعة، وهو من إنتاج نظام مرتزِق فاقد للقاعدة الشعبية وبلا مرجعيات تاريخية، يسارع إلى إرضاء أسياده. والشعب الجزائري الذي كمِّمت أفواهه هو أولى ضحايا عنف هذا النظام المستبد والتابع، المجرد من القيم ومن الذاكرة. وهو ليس متواطئاً مع جرائم الديكتاتورية التي تضطهده بعنف، والدليل على ذلك هو عدد مبادرات التضامن مع المهاجرين التي أبداها مواطنون من دون التصريح عنها. وهكذا، فالنظام لا يمكنه ارتكاب هذه الجرائم ضد أشخاص في أوضاع هشة باسم الشعب الجزائري.

تحلل الدولة

ما تكشفه ممارسات الطرد والتصريحات الشائنة للوزيرة، هو قبل كل شيء الهزال المقلق للدولة. فلأن النظام عاجز عن بلورة استراتيجيات تلائم أزمة العوائد البترولية المنخفضة، وعاجز عن بلورة سياسات استقبال للمهاجرين، فهو يلجأ إلى تلك التأتآت، وإلى القمع البوليسي.
الارتباك والفوضى اللذان يميزان العمل العام فاقعان. وقد حدث ذلك الاختطاف للمهاجرين في اليوم نفسه لافتتاح "المنتدى الاقتصادي الأفريقي" في الجزائر الذي تميز بعدم التحضير والتنظيم المخجلين، أثناء استقبال الشركاء الأفارقة الذين يُطرد مواطنوهم.
وهكذا يمكن ملاحظة "تراجع الدولة" على كل المستويات السلطوية، من الإدارات المحلية المفلسة الى مراكز القرار الأعلى، ما بين غياب وقلة كفاءة. فالإعلانات التي تتلاحق لا يليها أي فعل (إلا الفضائحي)، ما يوحي بأنها مجرد حركات في الهواء. وهكذا هو التعامل مع أزمة المهاجرين، الذي يجري خارج المبادئ التأسيسية للدولة الجزائرية. هناك مئة ألف مهاجر أفريقي في الجزائر يعيشون في ظروف بشعة كما بينت ذلك وأدانته "منظمة العفو الدولية".
الاعتباط الذي يُمارَس على هذه الكتل المحرومة من الحقوق ومن بطاقات الإقامة، ينخر المجتمع بأكمله، ويُبطِل من الأساس التطورات الضرورية التي تزيدها إلحاحاً الانقطاعات السوسيو سياسية. من الحيوي إذاً لكل من يطمح إلى مرحلة انتقالية سليمة بأكبر مقدار ممكن، أن يلجأ إلى تحركات سلمية يمكنها تعويض إفلاس الدولة والتركيبات التي تحاول فبركة تناقضات لا وجود لها بين المواطنين والمهاجرين، وهي تصرفات مستوردة هي الأخرى من أوروبا حيث تلاقي نجاحاً مأساوياً.
في إطار هذا التردي في الشروط العامة، فإن مقترحات الوزيرة التي تبدو خرقاء ليست فحسب تافهة وإنما تكشف العجز الذي ينتاب نظاماً لا سند له غير زبائنه. ولأنه حُرِم من دخول ريعية كانت حتى الأمس هائلة، يبقى للنظام رافعة وحيدة هي القمع: منع التظاهر، وتوقيف النقابيين وحبسهم يشكلان الخبز اليومي لنظام ضائع. وفي هذه الحالة، فإن دعم الغرب يصبح بالغ الأهمية. وبترحيل هؤلاء المهاجرين، فقد جرى تجاوز عتبة جديدة في التعاون بينهما.
ولأنهم يمارسون مزايدات ديماغوجية وعنيفة، فـ "المقرِّرون" ينزلقون أكثر وفي كل مرة، إلى السفالة.