"تحتل مدينة الحديدة الساحلية وميناؤها على ساحل البحر الأحمر موقعاً جغرافياً متوسطاً بين المحافظات الشمالية ذات الكثافة السكانية العالية مكّنها من أن تؤدي دوراً هاماً وحيوياً في الإسراع بعجلة التنمية، لتصبح ومن خلال هذا الدور، أحد أهم الموانئ اليمنية والبوابة الرئيسة على البحر الأحمر التي يطل اليمن من خلالها على العالم الخارجي".
يرد هذا التعريف على الموقع الالكتروني لمؤسسة "موانئ البحر الأحمر اليمنية" لكنّه تعريف بحاجة إلى شيء من التعديل اليوم. وربما يجدر بالقيمين على الموقع استشارة سيدة تعرف المكان جيّداً، هي الطبيبة أشواق محرّم لكونها تعمل فيه منذ عشرين عاماً ولم تغادره حتى حين أصاب التهاب قلب زوجها ووقفت عاجزة أمامه وأمام عدم توفّر العلاج له في ظلّ الحرب (الحروب) ما اضطره إلى المغادرة بصحبة ابنهما إلى الأردن.
لعلّ أشواق ستقترح أن يتضمّن التعريف أنّه في عام 2016 كانت مديريات الحديدة الـ26 كلّها تحت خطّ الفقر وجائعة، وأنّ المدينة لم تعد تُدْخل عن طريق مينائها 70 في المئة من المواد الغذائية التي يستهلكها اليمنيون، وأنّ توقّف هذا الميناء بفعل الضربات الجوية للتحالف الذي تقوده الجارة السعودية، جعل الوقود الذي تحتاج إليه المستشفيات كي تواصل عملها عملة نادرة يبيعه الحوثيون، إذا ما توفّر، في السوق السوداء.
وربما لن تأتي الطبيبة على

ذكر الأرقام، ولن تتحدث عن التناقضات التي يروح ضحيتها الفقراء دائماً، وستكتفي بذكر كلمة "مجاعة"، وبالحديث عن الأطفال الذين رأتهم يموتون أمام عينيها جوعاً أو بسبب عدم توفّر دواءٍ، وعن ذلك الطفل الذي كاد يموت لولا أنها ناضلت كي تحصل له على نوعٍ خاصٍ من الحليب على نفقتها الخاصة، كما تفعل طول الوقت منذ أن قررت البقاء وممارسة مهنتها على الرغم من كلّ الظروف، ومن مغادرة الكثيرين، ومن قلة الجمعيات الإغاثية التي بات الباقي منها يركز جهوده على مكافحة داء الكوليرا، الزائر الجديد للمدينة.

[Media:5017]

 

في قصيدة للشاعر المتبصّر عبد الله البردوني عنوانها "مصطفى" كتبها عام 1986 يتحدُث فيها عن الفرد اليمني الواقف بصلابة أمام كلّ من يضطهدونه، يمرّ هذا السؤال التوكيدي: "هل أنت أرهف لمحاً لأنّ عودك أنحف؟". لعلّ أشواق لن تقول شيئاً مما سبق وستكتفي بالقول إنّ نحافة أجساد بعض اليمنيين بلغت حدّاً لم يعودوا معه قادرين على الوقوف، وأنّها على الرغم من ذلك بقيت تحاول أن تنقذ من باستطاعتها إنقاذه من موتٍ صار كثيراً جدّاً.