على "حرية" العمل الأهلي السلام.. قال البرلمان المصري، من خلال مشروع قانون "تنظيم عمل الجمعيات الأهلية" الجديد الذي وافق عليه منتصف تشرين الثاني / نوفمبر الفائت. القانون الجديد يجعل من عَمَل أي جمعية حقوقية أو تنموية أو حتى مبادرة فردية أمراً شائكاً يحتاج لموافقات رسمية لكل صغيرة وكبيرة ويمرّ بتعقيدات إدارية وقانونية ويخضع لعقوبات ذات سقف مرتفع. فماذا في نص القانون؟ (PDF النص الكامل للقانون - على موقع "مدى مصر")

أحد أبرز جوانب القانون التي اعترض عليها الحقوقيون كانت تصعيد العقوبات على الجمعيات الأهلية والمدنية بحال المخالفة، فنصّ القانون لأوّل مرة على الحبس بدلاً من الغرامة التي كان ينص عليها القانون السابق. فعلى سبيل المثال "إجراء أو المشاركة في إجراء بحوث ميدانية أو استطلاعات رأي في مجال العمل اﻷهلي دون الحصول على موافقة مسبقة" يؤدي إلى حبس لمدّة قد تصل لخمس سنوات. كما تطال عقوبة الحبس موظّفي الدولة كذلك، في حال "منح تصريح بمزاولة نشاط ما يدخل في أغراض الجمعيات والمؤسسات بخلاف الجهة الإدارية المختصة".
يحظر القانون على الجمعيات الأهلية تلقي أموال تزيد قيمتها عن 10 آلاف جنيه، إلا بموجب شك بنكي، كما يشترط إخطار الجهات الإدارية بتلقي التبرعات، ويحظر التصرف بالأموال إلا بعد الحصول على موافقة.. ويستحدث قيوداً جديدة على الجمعيات من حيث افتتاح مقار أو مكاتب لها في أي من المحافظات إلا بعد موافقة كتابية من الوزير المختص. ويزداد القانون غرابة وتعقيداً عند اكتشاف ما يسمّى بـ"الجهاز القومي لتنظيم عمل المنظمات اﻷجنبية غير الحكومية"، المسؤول عن قبول أو رفض التبرعات الخارجية التي تصل للجمعيات، وتشرح صفحة "الموقف المصري" خطورة استحداث كيان كهذا للإمساك بمفاصل عمل الجمعيات. فهو يتكوّن من ممثّلين عن: وزارات الخارجية، والدفاع، والعدل، والداخلية، والتعاون الدولي، وممثل للوزارات المختصة، وممثل للمخابرات العامة، وممثل للبنك المركزي.. من دون وجود أي تمثيل للجمعيات الأهلية. أي أن أجهزة الدولة تتحكم بالكامل بهذا الجهاز من غير التفات لرأي الجمعيات أو إعطائها ولو صوت ممثل واحد!
يُغرق القانون عمل الجمعيات ببيروقراطية التصريحات والإجراءات الإدارية والموافقات الكتابية على أصغر المسائل.
يلعب المدافعون عن القانون على وتر "الأمن القومي" و "الهاجس الأمني".. لكن حق الدولة - أو واجبها - بالتدقيق في "نظافة" عمل الجمعيات على الأراضي المصرية والجهات المموِّلة، لا يشبه أبداً إقدامها على اختراع سوابق قانونية من شأنها خنق جمعيات صغيرة ومبادرات فردية، بعضها نشأ ليكون بديلاً عن تقصير الدولة في مجالات عدة، وكمحاولات إنقاذية لما تبقى من تكافل اجتماعي..
القانون كما هو مُصاغ، جاء ليجيب على اتهامات بالتعسّف حيال الموجات الواسعة من التوقيف والاعتقال التي جرت وما زالت جارية، فصاغ بنوداً لسد "الثغرات"، تجعل القمع "مشروعاً" بقوة القانون!
الأعجب أن الحكومة المصرية كانت قد وافقت في أيلول/ سبتمبر الفائت على مشروع قانون آخر، لكنه غاب لصالح ما أقرّه "ممثلو الشعب"! وبحسب مقابلة أجراها موقع "مدى مصر" مع محمد الزارع (مدير مكتب مصر في مركز القاهرة لحقوق الإنسان)، فإنّ مشروع القانون الجديد "يجعل من مشروع الحكومة يبدو "تقدّمياً" للغاية"! يضيف الزارع أنّ "ولاء البرلمان الحالي إلى اﻷجهزة اﻷمنية، وليس إلى الشعب الذي يفترض أن يمثله". ولعل التفسير أنه "تقاسم أدوار".
إذاً، بعد أن خُنق الناس في مصر معيشياً وحقوقياً وسياسياً، لا يجد النظام حرجاً في خنق متنفّسهم الأخير، جمعوياً ومدنياً.. ماذا بعد؟