على الرغم من كل ما يُصوَّر عن انعزال المملكة العربية السعودية وانغلاق مجتمعها، إلا أنّها بلد مشرّع الأبواب إلى حد كبير أمام مدّ العولمة، وإن كان الأمر لم يأتِ من دون مقاومة، خصوصا منذ بداية ثمانينيات القرن الماضي، أو ما يسمى بـ"الصحوة" وسيطرة التيارات الدينية على المشهد بشكل تام. إلاّ أنّه، ومع مرور الزمن، وجدت هذه التيارات نفسها عاجزة أمام هذا المد، خصوصاً مع تقدم أدوات الاتصال، فاتّجهت إلى مواكبتها واستغلالها بدلاً عن محاربتها فقط.
أنتج ذلك نموذجاً اجتماعياً مزَج بين التشدد الديني والانفتاح على الخارج، بشكل لم تكن الدولة نفسها بريئة منه، حيث أنه بجانب رعايتها ومراعاتها للسلطة الدينية ومؤسساتها، فقد عمدت المملكة، عبر قدراتها الاقتصادية الهائلة على بناء جسور تعمل دور الوسيط في استجلاب الثقافة الغربية (لأسباب عدة، أبرزها العلاقة مع تلك الدول)، وتحضيرها للمتلقي العربي وخصوصاً السعودي، وبالتحديد عبر شبكة (أم بي سي) السعودية التي تُعد أهم دعائم هذه الجسور.

انفصام

ساهم هذا التوجه من الدولة في زيادة حدة الصراعات الداخلية السعودية بين التيارات الدينية وغيرها الأكثر تفتحاً و "ليبرالية"، مشكّلاً مجتمعاً أقرب ما يكون إلى المسخ، حيث اختلطت الثقافة الرأسمالية المعولمة بإحدى أكثر التّصوّرات الدينية

السلفيّة تشدّداً، الأمر الذي أنتج جيلاً من الشباب المعولم اقتصادياً وثقافياً بنمطٍ استهلاكي بحت، خصوصاً مع الحالة الريعية للاقتصاد في المملكة، ولكن وفي الوقت نفسه فهو مشحوذ ومتعصب هوِيّاتيّاً على المستوى الديني إذ تعمل مؤسسات التربية والتعليم في البلاد على أساس إنشاء وتعزيز ثقافة وهوية إسلامية سلفية متشددة.
وإلى جانب الانفتاح المعلوماتي عبر تطور وسائل الاتصال، لعب برنامج الملك عبد الله للابتعاث الخارجي دوراً كبيراً في التأثير على البنية الاجتماعية للمملكة، حيث فتح المجال لعشرات الآلاف من الطلاب والطالبات للسفر الى الغرب، وبشكل رئيسي الى الولايات المتحدة الأميركية. وهم وجدوا في هذا البرنامج فرصة حقيقية للهروب من سيطرة المؤسسة الدينية والضوابط الاجتماعية الصارمة، وللوصول للخارج، ورجعوا محمَّلين بالنموذج الغربي ومتأثرين به إلى درجة الاستلاب، ولكن مع الحفاظ على حالة الاستقطاب الديني والطائفي الحاد، خصوصاً مع استعار الصراعات في المشرق العربي.
ولعل أبرز تمظهرات ذهنيّة هذا الجيل من الشباب السعودي، خصوصا المبتَعث، برزت مع بداية الحملات الانتخابية في الولايات المتحدة، خصوصاً مع صعود ما اعتُبر ظاهرة دونالد ترامب حينها، وخطابه العنصري تجاه المسلمين. فمع انعدام المجال السياسي في المملكة، أصبحت الانتخابات الأميركية المعترك السياسي الرئيسي للشباب السعودي الذي أمسى يرى فيها معركته وهدف "انتصاره"، خصوصاً مع وضوح "العدو" متمثلاً بشخص ترامب.
"الانتفاضة" التي تبعت تصريحات ترامب لم تكن فحسب نتاج ردة فعل ودفاع عن هوية دينية تعرضت لهجوم، بل تعدّت إلى الدّفاع عن النموذج الأميركي المتخيَّل، الذي عملت القوة الناعمة الأميركية على عولمته، والذي بات مهدداً من قبل ترامب. ووصول شخص مجاهر بخطاب عنصري صريح وفاقع إلى قمة النظام الأميركي شكّل بالنسبة لهؤلاء الشباب نهاية للبلد ـ الحلم، بلد الديموقراطية والتعددية وحقوق الإنسان وغيرها من الكليشيهات الليبرالية، وهم مشبعون بها.

الطائفية لا تخضع للتدين!

انعكس الأمر عند هؤلاء بمحاولة تبرئة أميركا من ترامب، ومحاولة إثبات أن الولايات المتحدة "الحقيقية" هي عكس ما تمثله عنصرية ترامب، وأنّه يشكّل حالة شاذة ومنبوذة من الحياة السياسية والمنظومة الحاكمة الأميركية، الأمر الذي حتم التخندق في الجبهة المقابلة لدونالد ترامب، أي الديموقراطيين أو الجمهوريين المعادين له رغم كل ماضيهم وحاضرهم المعادي لشعوب دول العالم الثالث وخصوصاً المسلمة. ويندرج هذا التخندق في سياق عدم رغبه الشباب والشابات السعوديين تقبّل الواقع. إن الإصرار المستمر في حالة بيع الوهم يعكس مدى عمق حالة الاستلاب التي يعيشونها.
لا تختلف درجة هذا الاستلاب لدى الشباب السعوديين ـ وإن كانت تتراوح بين الذوبان التام في النمط الغربي في العيش، أو استجلابه "وفق الضوابط الشرعية" ـ عن حالة الاستقطاب الطائفي الحاد. فحتى من أوصلته حالة الفرض القسرية للدين في المملكة إلى درجة الإلحاد، فهو يتماثل من حيث التمترس الطائفي مع غيره! ولا تزال النزعة الهوياتية الطائفية السّمة الأبرز التي لا تتأثر بنسبة تدين الشخص واتباعه للأحكام الدينية. ففي الأخير، ينحصر التعريف بالذات بالإطار الطائفي في ظل تغييب غيره، ولذلك نرى درجة عالية لمساهمة الشّباب السعودي واهتمامه واستقطابه الحادّ في الصّراعات في المشرق العربي.
لم تحد التربية الدينية الصارمة في المملكة من تأثيرات العولمة، وفي الآن ذاته لم يؤثر الغرق في ثقافتها من حدة الاستقطاب الديني والطائفي، بل إنّ كلّ ما أنتجه هو نموذج هجين جمع أسوأ ما في العاملين، وانعكس ذلك في حالة غياب لهويّة تسمو على الاختلافات الدينية والطائفية لتعبر عن الشباب العربي والسعودي، ولتشكل الثقافة والمناعة اللازمتين تجاه هجمة إنكار الذات التي تشكل العولمة رأس حربتها.