لم يجد ثلاثة شبابٍ من قبيلة القذاذفة المتمركزة في مدينة سبها جنوب غربي ليبيا من تسليةٍ لأحد نهاراتهم إلّا بإطلاق قردٍ في مدرسة للبنات. جرح القرد إحدى البنات ونزع حجابها فكان أن جاء شبابٌ من قبيلة أولاد سليمان التي تنتمي إليها فقتلوا الثلاثة والقرد!
لم تتوقف القصّة هنا، فهذا الحادث الذي كان يمكن أن ينتهي بـ "طريحة" (بالعامية الليبية وتعني الضرب المبرح) أطلق معركة دامية لعلها تُرد إلى حالة الفوضى التي تعيشها ليبيا منذ أكثر من خمس سنوات، كما يمكن إرجاعها إلى صراعٍ سياسي ذي أسس قبلية بين القذاذفة وأولاد سليمان يعود إلى زمن معمر القذافي المنتمي إلى القبيلة الأولى، والذي عزّز حضورها وتمثيلها على حساب القبائل الأخرى.. ولو أنّ تهميش تلك القبائل لم يكن كاملاً، فقد كان من بين المقرّبين للقذّافي مَن هم من أولاد سليمان، كعبد الله منصور الذي ظلّ مسؤولاً عن الإذاعات والأمن الداخلي حتى الإطاحة بالقذافي. لكنّ الشعور بالغبن كان السائد وهو ما جعل التعامل مع قبيلته مشوباً بشيء من الحقد بعد قتله بمساعدة حلف الناتو.

مع احتدام الصراع على الرئاسة الأميركية تحدّث الجميع عن "جنون" دونالد ترامب، لكنّ قليلين التفتوا إلى الفيديو الشنيع الذي تظهر

فيه هيلاري كلينتون ضاحكة وهي تنظر إلى هاتفٍ محمول تشاهد فيه مقطعاً مصوّراً يوثّق القبض على معمّر القذافي وقتله، وتصيح مبتهجة "We came, we saw, he died".

 

استمرت المعركة في سبها، التي شبّهها كثيرٌ من الصحافيين الليبيين بحرب البسوس الجاهلية، التي أطلقتها ناقةٌ سارحة، أكثر من أسبوع، واستخدمت فيها آليات ثقيلة ودبّابات اتّهم المشير خليفة حفتر بتحريكها، لكنّه ادّعى أنّه وضعها تحت إمرة ضابطٍ غير منضبط جعلها تصير جزءاً من معركة راح ضحيّتها 21 شخصاً وجرح فيها المئات.. من القبيلتين ومن غيرهما. وهي متوقّفة الآن توقّفاً هشّاً ويمكن أن تندلع مجدّداً في أيّ وقت.
ليست هذه المرّة الأولى التي تشهد فيها "سبها" مثل هذه المعارك. فعام 2012 نشب صراعٌ بين القبائل العربية وقبائل الـ "تبو" ذات الأصول الإفريقية السوداء، راح ضحيّته المئات. وكان ذلك صراعاً على السيطرة على طريق تهريب البشر الذي تقع المدينة في مركزه لقربها من التشاد، واعتبارها إحدى بوّابات العبور بين أفريقيا وأوروبا.
الوضع في ليبيا مثير للقلق، وما حدث وسيحدث في سبها ليس حصراً عليها، ولن يكون مفيداً كثيراً تكرار المتصارعين التذكير باتحاد قبائلهم في مواجهة الاحتلال الإيطالي بداية القرن الماضي، كما لن يكون مفيداً نصح الشباب الليبيين بملء أوقات فراغهم بأشياء مفيدة، أو أن نغنّي لهم "يسلّم عليك العقل" مع مطربهم محمد حسن.

 

[Media:4948]