المشهد كالآتي: امرأة مسنّة تتكلم عن اللحظة التي اكتشفت بها أن ابنها الشاب "مختفٍ" ولا أحد يعرف شيئاً عنه. تجلس على منصة أمام جمهور من مئات الأشخاص المستمعين بانتباه، وأمام الكاميرات الكثيرة والصحافة واللجنة المنظِّمة. تحكي عن الصاعقة المعنوية التي تلقتها فور إعلامها بهذا، عن "الصفعة" بالأحرى، وعن بحثها الحثيث عنه في مراكز الاحتجاز والسجون ومنعها من مقابلة الرئيس أو أي كان لتطمئنّ عنه. كل هذا لتكتشف بعد سنوات من التعب وتلف الأعصاب والأمل الكاذب أن ابنها توفي تحت التعذيب منذ 8 سنوات.
المرأة التي تشبه جدة أي منا كانت تبكي بحرقة لا يوازيها شيء، وكثيرون في الحضور يشاركونها البكاء وهي تروي بالتفصيل وتتكلّم وتزيد ولا تُشفى. تذكر كل أنواع الأمراض التي هاجمتها وعائلتها مرة واحدة من كثرة التعب والبحث والقهر، إضافة لمصاعب الحياة في الفقر والعمل المضني في بيوت الناس لتستطيع العائلة الاستمرار. الصمت في صفوف الحاضرين تام، ولا أحد يجرؤ على الكلام، فالجميع يعلم أن المرأة حالة من بين عشرات آلاف من ملفات شكاوى القمع والاستبداد.
 

*****


عقدت "هيئة الحقيقة

والكرامة" في تونس جلسات استماع علنية يومي 17 و18 تشرين الثاني/نوفمبر 2016، لشكاوى وقصص مواطنين متعلقة بانتهاكات حقوق الإنسان في البلاد منذ 50 عاماً. بُثت الجلسات على الهواء مباشرة، وقد أدارتها الصحافية والناشطة الحقوقية سهام بن سِدرين، رئيسة الهيئة منذ تأسيسها عام 2013. هي جلسات هدفها، بحسب المنظّمين، تحقيق نوع من المصالحة الوطنية ومحاولة الخروج من مآسي الماضي نحو مستقبل تونس ما بعد الثورة. حضرها ممثلو الجمعيات المدنية ومراقبون دوليون.




تبحث "هيئة الحقيقة والكرامة" حالات تعذيب الشرطة والفساد والقتل منذ استقلال تونس، وتعرّف عن نفسها على موقعها بأنها "الهيئة المنوط بها الإشراف على مسار العدالة الانتقالية بمختلف مراحلها، وهي هيئة مستقلة تتمتّع بالشخصية المعنوية والاستقلال الإداري والمالي (...)"، كما تعبّر عن مهامها بكونها تتولى "كشف الحقيقة عن مختلف الانتهاكات ومساءلة المسؤولين عنها ومحاسبتهم...".
 

*****


"إن تونس لن تقبل بعد اليوم انتهاكات حقوق الإنسان"، قالت بن سِدرين في الجلسة الافتتاحية،
وتابعت: "هذه لحظة تاريخية ستظلّ علامة فارقة في مسار بناء دولة القانون (...). قبل 10 سنوات لم يكن لأحد أن يتوقع هذا اليوم".
أحصت الهيئة أكثر من 62 ألف حادثة قُدّمت بها شكاوى منذ عام 2013 فقط. لوحظ أن ربع من تقدموا بشكاوى انتهاكات لحقوق الإنسان هنّ نساء قدّمن شكاوى في إطار العنف الجنسي، وهي نسبة مرعبة، وتعطي فكرة عن كمية القصص الموجعة التي لم تُحكَ من قبل خوفاً من "العار".
ردود الفعل ونتائج الجلسات تباينت بين منطق الصفح والمسامحة، والأهالي المطالبين بمعاقبة المنتهكين والإحالة للقضاء.
أما المشهد المتكرر في الجلسات فهو وجود نساء كثيرات حضرنَ مع صور كبيرة موضوعة في إطارات متواضعة، جلسنَ ووضعنها في حجورهنّ. صور لأبناء أو إخوة أو أزواج فقدنهم في حوادث قتل أو تعذيب أو اختفاء.