هل تحدث الثورات الشعبية حسب شروط معلومة مسبقاً، مستقاة من خطط جاهزة يكفي سكبها "نصياّ" على الواقع فتتحقق الثورة؟؟ يشكّك التاريخ كلّ يوم بالمقولة. شروطها حاضرة دوما في سياقات الوجود الاجتماعي، ولحظة "التأزّم الثوري" هي اللحظة التي تتشابك فيها معطيات اجتماعية معينة. ولكن الانفجارات الجماهيرية لا تكون بالضرورة تحويلاً مجتمعياً جذرياً. ففي كثير من الأحيان، تعقبها دكتاتوريات أكثر دموية من سابقاتها، وما يكون قد حدث في المحصلة هو إعادة ترتيب وضع هيمني قديم / جديد داخل البنيان السلطوي القائم.

النظام والثقافة

الانتفاضات هي لحظة احتجاج ضد قيم سياسية وثقافية سائدة، تضع على محك الفعل الاجتماعي قيماً جديدة وقوى اجتماعية تدخل حلبة الصراع برُؤاها ومشاريعها. مع أنّ الانتفاضات العربية الأخيرة، في عمومها، ومنها الانتفاضة التونسية، لم تأتِ بتغير جذري على مستوى البنية الاجتماعية والقوى السلطوية المهيمنة اجتماعياً وسياسياً، إلّا أنّها خلقت رجّة داخل المجال الثقافي ونزوعاً مقاوِماً وجد في الفن مجالاً رحباً للتحرر من الهيمنة السلطوية للنظام. وهذا امتداد لتاريخ نضال فني خاضته الأغنية البديلة بلا هوادة، جنباً إلى جنب مع النضال السياسي ضد الاستبداد والإفقار. يقول الفيلسوف والكتاب التشيكي ميلان كونديرا عن الموسيقى أنها

تحّرره من الوحدة والانعزال ومن غبار المكتبات، وتفتح في داخل جسده أبواباً لتخرج النفس وتتآخى مع الآخرين.. هكذا تتأسس فكرة الموسيقى في إطار مشروع إنساني جمالي متحرر.. والموسيقى، شأنها شأن كل حقول الثقافة، تتحدد داخل الصراع الاجتماعي وحركاته وتغيّراته. والثقافة دوماً كانت أداة سلطوية بأيدي النّظام يشكلها بما يتماشى مع أهوائه، أي يمأسسها داخل سياقات إنتاج الرسمي والمؤسساتي. هذا ما طبع الفن لعقود خلت، في ارتباطه مع الأنظمة وخدمته لها، التي خلقت له مؤسسات اتحاد الكتّاب ودور النشر صارمة الشروط ووزارة للثقافة مهمتها كبح جمال كل إنتاج ثقافي تفوح منه رائحة التمرّد.
ترجّع صدى الانتفاضات العربية  ـ وإن لم تُسقِط الأنظمة بكاملها ـ داخل كل المؤسسات، بما فيها مؤسسات إنتاج الهيمنة السلطوية ثقافياً. ولكن مع اشتداد الردّة على هذا الفوران الجماهيري الذي قُبِر سياسياً، بدأت بوادر تنظيمات ثقافية فنية تفلت كالزئبق من أدواة الهيمنة، لتجد داخل الفضاءات العامة مجالاً لا سلطوياً للتنظّم والتعبير فنياً عن هموم الشباب. أصبحت العاصمة التونسية بعد الانتفاضة مجالاً مفتوحاً لممارسة كل أشكال المقاومات الثقافية، وظهرت عدة مجموعات فنية على غرار "أهل الكهف" و"فنار" وغيرها من المجموعات التي حاولت الإفلات من السلطة، لتعبِّر عن هموم الشارع والمثقف التونسي الحر. ما يثير الانتباه في هذه المجموعات أنها تتناسخ وترفض الموت دوماً. فتحتَ وطأة المادي واليومي، تضمحلّ العديد من التجمعات الفنية الحرة، ولكنها تعود من جديد لتدل على إصرار من الشباب المثقف على تفجير المجال العام، الراكد في التقليد و الرازح تحت سلطة العرْف، من أجل دفع رسالتها مباشرة وبدون وساطة بيروقراطية سلطوية.

 ميلاد الأغنية البديلة

ارتبط مفهوم الأغنية البديلة أو الملتزمة بالأغنية السياسية. إذأً لا يمكننا تحديد عمر محدد لميلاد هذا النمط الموسيقي في العالم العربي، ولكنه ظهر في خضم النضال التحرري ضد الاستعمار منذ سيد مكاوي حتى الشيخ إمام وصولاً إلى الهادي قلّة في تونس.. إلى جانب الوجه الجمالي للأغنية، فهي ذات طابع تعبوي ثوري ارتبطت موضوعاتها بهموم الفلاحين والمفقرين، نجدها في "دلّي الشيكارة" للشيخ إمام، والنضال ضد الاستعمار في وصية صعيدي لابنه الجندي في جبهة سيناء ضد الكيان الصهيوني، في أغنية "عبد الودود".  في تونس، ارتبط ميلاد الأغنية السياسية منذ ستينات القرن الفائت مع الشيخ إمام، الذي كان فعلياً الملهم الفني لنضالات اليساريين داخل الجامعة والحركة الجماهيرية. يتعدّى الفن الملتزم كونه مجرد نشاط خاص بالفنان، فيتحول على يديه إلى منظار للحياة. لقد تتبعت الأغنية السياسية في العالم العربي هموم الشارع، وتلونت بكل قضاياه، ورافقت تجربة القمع والسجن والهجرة السرية، لتتحدث بلسان جمالي عن الإنسان العربي، مما عجزت السياسة عن القيام به. فحين عجزت هذه، وانتكست مشاريع التحرر، واصلت الكلمة واللحن مسيرة النضال منفردة كصورة صادقة عن الشعب.

[Media:4427]


وفي سبعينات القرن العشرين، عاد من فرنسا طالب تونسي تربى داخل أجواء الفن الصوفي في "السلامية"، واحترف عزف العود، يدعى الهادي قلّة، واكتسب ثراء تجربته من الغناء في التظاهرات الطلابية في فرنسا. غنّى الهادي قلّة بالعامية والعربية الفصحى لأبي القاسم الشابي والمولدي زليلة ومحمود درويش وإيليا أبو ماضي وسميح القاسم.. كما أدى أغاني الشيخ إمام وسيد درويش. قد يكون الهادي قلّة هو البداية الحقيقية للأغنية الملتزمة في تونس، فمن خلال أغانيه وأشهرها "أغنية الحرقة"، تَتبّع هموم الشعب المفقر الذي يضطر، تحت وطأة البؤس الاجتماعي، إلى طلاق خلع مع الوطن، ويمتطي مراكب الموت نحو أوروبا. ألهمت تجربة الراحل الهادي قلّة الموسيقية فنانين ملتزمين لاحقين، أمثال الزين الصافي والأزهر الضاوي وفرق أمثال "عشاق الوطن"، والبحث الموسيقي.



 

سلطة الثقافة

 أهمية الأغنية الملتزمة أنها رافعة ثقافية لمشروع مقاومة ضد السلطة، وهي معطى أكبر من الجهاز والمؤسسة، فهي تخص كل شيء، من توزيع الجنس حتى ثقافة الأكل وصناعة الأذواق وسبر الآراء. هدفها  الوحيد هو ضمان تجدد النظام والحفاظ على ديمومة البنى التي تسمح بذلك. وما السياسة في نهاية المطاف سوى أحد ألاعيب التزييف السلطوي التي تصنع بأجهزة صناعة الرأي العام الوعي الشعبي وتوجهه أينما تريد. السلطة إذاً ليست فرداً أو حزباً أو جماعة أو مؤسسة، إنها إنتاج للهيمنة تولّد حتى لغة أعدائها. صحيح أنها تنتج مناهضيها أي مناوئيها الذين يعارضونها، ولكن ليس من منطلق هدم سيطرتها الاجتماعية ولكن في إطار توزيع "الوهم": الأكاذيب الإيديولوجية التي قد تسمى معارضات و إن اختلفت ألوانها. هكذا أنتجت الأنظمة إنتلجنسيا مهمّتها تشكيل ثقافة السلطة: شيوخ ودعاة أو ممثلين وكتاب وليبيراليين أو حتى يساريين.. في مواجهة ثقافة السلطة، أي ثقافة تأبيد السائد ونظامه، ترفض الثقافة أن تكون السلطة مكيدتها ومكيدة التاريخ الذي ينتصر دوما. تقف روح التحرر الثوري رافضة لفكرة ديمومة الهزيمة. ففكرة الحرية جميلة في كل الأزمان وهي دافع أبدي للتحرر. هكذا وجد في تاريخ تدوير السلطة حركات مقاومة، وإن فشلت فإنها كحبات القمح تغوص في تربة المجتمع المهزوم لتولد سنبلة قمح من جديد. وللثقافة وبالثقافة تولد حركات العصيان في مواجهة سائد هو بالسلطة ينبني ويتجدد.
هنا وجدت الأغنية الملتزمة أداة لخلق الفعل الجمالي الموسيقي وإغناء الفعل السياسي اللاسلطوي. اختارت الأغنية الملتزمة مجالها المستقل. وهي لا تتوخى مستنقعات السلطة وتحمل داخل متون كلماتها مشروعاً ثقافياً مغايراً باللحن، اختار الوصول إلى الناس، الهدف ورافعة مشروع التغيير.

من أيقظ الصعاليك؟

كانت الموسيقى الملتزمة شديدة الالتصاق بحركة الجماهير والحركة السياسية، تنتعش بانتعاشها وتنتكس بانتكاسها. فبعد مرحلة سبعينات القرن العشرين وصعود الحركات الاجتماعية، شهدت الحركة الجماهيرية ضموراً تحت وطأة القمع، وتراجعت معها الأغنية الملتزمة نتيجة ذاك القمع ومعه الاستبداد السياسي، لتتمترس خلف آخر قلاعها في الجامعات والنقابات، وتدخل في مرحلة ركود واجترار أفقدتها قدرتها على مواكبة الراهن الاجتماعي وحياة الناس اليومية. مع انفجار الربيع العربي في 2011، عادت الأغنية الملتزمة لتأخذ مكانها الطبيعي: أطياف الشيخ إمام رجعت تحلق فوق ميدان التحرير على أنغام "يا مصر قومي وشدّي الحيل" وطافت أغنية "أهو ده اللي صار" لسيد درويش لتشحن همم المناضلين في الاعتصامات من أجل إسقاط النظام.

أكثر ما يمكن ملاحظته هو أن الأغنية البديلة توقفت عن تعريف نفسها ضمن حدود السياسي حصراً. أخذت موسيقى الراب، بطبيعتها الاحتجاجية، تأخذ مكانها رويدا، مزاحمة الأغنية الملتزمة التقليدية، وأخذت موسيقى الغنّاوة، مع الراب، تفتك شيئاً فشيئاً المجال الفني "اللاسلطوي" في تونس. وهذا له أسبابه الموضوعية. فالأغنية الملتزمة التقليدية أصبحت غير محيَّنة وغير قادرة على التحدث عن هموم الشريحة العريضة من الشباب الذي شارك في كل مفاصل الانتفاضة. ما يمكن ملاحظته أيضا أن الأغنية البديلة اقتحمت مجالات جديدة لم تكن متاحة للأغنية الملتزمة التقليدية. فبينما كانت قلاع الالتزام الموسيقي هي الجامعات والنقابات، نجحت الموسيقى البديلة بعد الانتفاضة في اقتحام فضاءات جديدة كالمسارح والمقاهي الثقافية وحتى الشوارع. احتلت أرصفة العاصمة التونسية مجموعات موسيقية "أناركية" (anarchist)، خارج إطار المؤسسات الرسمية الثقافية تمارس الإبداع وسط ذهول وإعجاب المارة تارة أو إدانتهم. ليست هذه المبادرات الموسيقية الحرّة في شوارع العاصمة فردية، يقوم بها شباب متمرد يمارس صعلكته الفنية أمام جمهور لم يقرر مسبقا الحضور. فهذه وجهة نظر سطحية مبتذلة. بينما هي في جوهرها بوادر حركة مقاومة فنية وجدت في فن الشارع الحرّ ممثلاً لها في مواجهة إيديولوجيا السلطة والمؤسسة والإدارة والبيروقراطية التي تقتل الفن في وثيقة احتراف وتجزل العطاء على فنانيها "المخلصين" حصرا دون الآخرين. إنها مقاومة شرسة للقديم، والقديم هنا لا يعني التراث بل السائد، أو إدامة ركود المجتمع وتقوقعه على قيمه السائدة. واستعارت هذه المجموعات أشكال اللباس الغجري المتمرد والقيثارة وأغاني الغنّاوة. الشارع التونسي أو الجمهور الحر يستقبل هذه المجموعات في غالب الأحيان بشيء من الشعور بالمفاجأة المشوبة بالحذر الأخلاقي أحياناً أو بالإدانة الصامتة. وقد يجد أحياناً أخرى في القيم الأخلاقية أدوات للإدانة كالاتهام بالتسول أو العربدة والإلحاد، تعبّر عن خوف المجتمع على نفسه من هزات التقليد التي تؤذي هدوئه المستسلم. مجموعة "فنار" و"ياسر الجرادي" و"عيون الكلام" و"قوجة" و"أولاد المناجم" وغيرها الكثير هي أسماء كثيرة لعنوان ثقافي واحد هو الأغنية البديلة..
لكن الموسيقى البديلة في تونس أمام تحديين كبيرين، أولهما مدى قدرتها على مواكبة الواقع موسيقياً، والثاني هو التضييق المادي والظروف الصعبة وغياب التمويل الذي يعاني منه هذا النمط الموسيقي باعتبار أنه مُسْقَط بالضرورة من اعتبارات تجار الأغنية والصورة.