الطفرة الحزبية التي شهدتها الساحة السياسية التونسية عقب ثورة 14 كانون الثاني/ يناير 2011، انحسرت انحسارا متسارعا، لتقسّم القواعد الانتخابية على ثلاث قوى رئيسيّة: حزب حركة النهضة الإسلامي، وحزب نداء تونس الليبرالي، والجبهة الشعبية وإن بحصّة أقلّ بكثير، التي تجمع الأحزاب القومية واليساريّة، فتثبّت وجودها على الساحة السياسيّة. لكن الانتخابات الرئاسية والتشريعية الأخيرة في سنة 2014، أعادت خلط الأوراق لتفرز خريطة سياسية بقطب واحد انصهر فيه الإسلاميون والليبراليون في ائتلاف هجين تشدّ مكوّناته الرغبة في الحكم والخوف من المواجهة. وهي تجربة سياسية في غاية الأهمية والدلالة: فإن كانت تسودها "العقلانية"، فهذا لا يعني أنها بلا تبعات كبرى تتعلق بمسار وضع البلاد وبأماني أبنائه.

 

البداية الدامية

 

في بداية شهر حزيران/ يونيو 2012، أعلن رئيس الحكومة الانتقالية الثانية بعد الثورة، عن تأسيس حزب "نداء تونس"، الذّي بدا واضحا أنه جاء ليعدّل كفة الميزان السياسي التي مالت بوضوح لمصلحة حركة النهضة بعد فوزها الكاسح في انتخابات المجلس الوطني التأسيسي 2011، وتوليها مقاليد الحكم بأرجحية نيابية كبيرة. التنافر كان سمة العلاقة بين الحزبين، فالباجي قائد السبسي أعلن عند تأسيس حزبه الجديد

حينها أنّ حركة النهضة الإسلامية ومشروعه السياسي "خطّان متوازيان لا يلتقيان". الردّ جاء سريعا من رئيس حركة النهضة، راشد الغنّوشي، الذي اتهّم حزب "نداء تونس" بتوفير غطاء جديد لعودة رموز النظام السابق، بل ذهب ليعتبرهم أخطر من التيارات السلفية والجهاديّة التي بدأت تخرج من قمقمها في تلك الفترة.
حرب حركة النهضة ضدّ الخصم الجديد والأقوى على الساحة السياسيّة، انطلقت من المنابر الإعلامية، مستعملة ترسانة من المصطلحات التي كانت وقتها ما تزال تستفزّ طيفاً واسعاً من التونسيّين على غرار "أزلام النظام السابق"، "قوى الردّة"، "رجال الثورة المضادة" الخ.. وهي جيَّشت أنصار الحركة الإسلامية ضدّ هذا الحزب، لتأخذ المواجهة منحى دمويا في شهر تشرين الثاني / نوفمبر، عندما عمدت "روابط حماية الثورة" المرتبطة بحركة النهضة إلى اغتيال أحد القياديين المحليّين لحزب "نداء تونس" في مدينة تطاوين في أقصى جنوب البلاد. انعكست هذه الحادثة سلبا على مسار المواجهة، فـ "نداء تونس" كان ما زال يسعى للتعريف بنفسه واستقطاب الأنصار، وحظي بموجة من التعاطف والدعم غير المسبوق من عدد من الوجوه الإعلامية والثقافيّة، فيما حُشرت حركة النهضة في الزاوية، ليضاف ذلك إلى سلسلة إخفاقاتها السياسية والاقتصاديّة، وليُسجّل عليها هذا الاغتيال كأوّل جريمة سياسية ستجعل منها المتهم الأوّل في سلسلة الاغتيالات اللاحقة.

 

حصان طروادة لصعود خصومهم!

 

خلال ما يزيد على سنتين من حكم النهضة، والتي شهدت تعاقب رئيسَي حكومة هما حمّادي الجبالي وعلي العريّض، عرفت البلاد واحدة من أسوأ الفترات على الصعيد الحقوقيّ والانتهاكات الأمنيّة. فخلال فترة تَولّي الجبالي، سجلت المنظّمات الحقوقيّة المحليّة والدوليّة ممارسات عنيفة للجهاز الأمني، لعلّ أبرزها قمع المحتجّين في سليانة في 26 -27 تشرين الثاني / نوفمبر 2012 بواسطة "الرشّ" (رصاص مطاطي يُطلق على شكل زخات من أسلحة، أوقع 220 جريحاً خلّف لبعضهم عاهات مستديمة، كفقدان إحدى العينين أو العمى!)، كما انتهاكات أمنيّة وعنف شديد خلال تظاهرة المعطّلين عن العمل من أصحاب الشهادات العليا في 7 نيسان/ أبريل 2012 بشارع الحبيب بورقيبة في العاصمة، تليها الهجمة الأمنية الشرسة خلال إحياء عيد الشهداء بعد ذلك بيومين..
أما على الصعيد الاقتصاديّ، فقد تعرّضت البلاد إلى هزّات كبرى أثّرت في المناخ الاقتصاديّ العام، كانقطاع أقساط القروض والهبات، بالإضافة إلى التذبذب الذي عرفه سعر صرف الدينار التونسيّ خلال تلك الفترة، حيث سجّل تدهورا في شهر كانون الثاني/ يناير 2013، فصارت قيمة اليورو الواحد 2.250 دينار وقيمة الدولار 1.655 دينار. وبلغ حجم الدين العمومي الإجمالي في 2013 ما يناهز 13 مليار دولار، وهو ما مثّل عبئا كبيرا على الموازنة العامة للدولة، حيث أصبح يستنزف سنويّا 38.8 في المئة من الناتج الإجمالي المحليّ، أي ما يزيد على ثلث الناتج الوطني. هذه الحصيلة الثقيلة انعكست سلباً على قدرة حكومة حركة النهضة على الإيفاء بوعودها الاقتصاديّة وإطلاق المشاريع التنمويّة وبدء إصلاحات حقيقيّة في قطاعات حيويّة تعاني من نقائص جمّة، وتسبّبت بتواصل حالة العجز في الموازنة العامّة السنويّة.


اقرأ أيضاً: السلفيون الجهاديّون في تونس.. سر انتشارهم الواسع في الأوساط الشعبيّة


انتهت حكومة حمّادي الجبالي عقب اغتيال القياديّ في الجبهة الشعبيّة شكري بلعيد، ليتولّى وزير داخليته علي العريّض منصب رئاسة الحكومة. في المقابل، لم يحرّك حزب "نداء تونس" ساكناً. تضافر تلك العوامل كان كافيا ليزيد من الاحتقان الشعبي، ويُفقد حركة النهضة بعضاً من رصيدها الشعبي الذّي صار يبحث عن منقذ جديد. واصل حزب الباجي قائد السبسي بناء نفسه منتظراً رصاصة الرحمة التي ستنهي حكم عدوه اللدود، مسنوداً بالمؤسسات الإعلامية الموالية له والتّي لعبت دوراً فاصلا في تجييش الشارع ضدّ حركة النهضة. وهذه واصلت تعنّتها وإيغالها في سياسة الصمم الإرادويّ.

 

ظلال "رابعة"

 

كان اعتصام رابعة بمصر في ذروته عندما استهدفت 11 رصاصة النائب في المجلس الوطني التأسيسي محمد الإبراهمي (25 تموز/ يوليو 2013). أثارت الحادثة موجة من الغضب الشعبيّ الذّي تصاعد ليبلغ أوجه في اعتصام باردو، عندما احتشد عشرات الآلاف من التونسيّين المناهضين لحكم حركة النهضة تحت مسمّى "اعتصام الرحيل" للمطالبة بتشكيل حكومة إنقاذ وطنيّ. كان السيناريو المصريّ ماثلا أمام الجميع، وحركة النهضة رفضت حينها أن تترك الحكم من دون ضمانات. ولكنّ ازدياد الاحتقان الشعبيّ وتوحد المعارضة أجبرا علي العريّض على ترك منصبه، إذ وجدت الحركة نفسها في مأزق لم تنفع معه مناوراتها السياسيّة فأذعنت في نهاية المطاف لخيار الخروج من تجربة الحكم بأخفّ الأضرار. وهي اختارت استرداد أنفاسها للعودة مرّة أخرى للساحة السياسيّة قبل أن تحرق جميع أوراقها لو هي تعنّتت وتمسّكت بالسلطة متجاهلة الرفض الشعبيّ لحكومتها، وصدمة المجتمع من تكرار الاغتيالات السياسية، وارتفاع نسق العمليّات الإرهابية التي تتحمّل في نهاية المطاف المسؤولية عن تفشّيها نتيجة ارتباكها في معالجة التطرّف الدينيّ، والانتهاكات التي طالت معارضيها من قبل "روابط حماية الثورة" والحركات السلفيّة طوال فترة حكمها.
من جهته، فإنّ حزب "نداء تونس"، الذّي طرح نفسه كبديل لحركة النهضة، وحدّد أنَّ صراعه الأساسيّ معها منذ الإعلان عن تأسيسه، قد استفاد من التحالف الواسع الذّي سبق انطلاق جلسات الحوار الوطنيّ، ضمن ما عُرف بجبهة الإنقاذ التي ضمّت، إليه، الجبهة الشعبيّة وطيفا من الأحزاب المعارضة كحزب آفاق والحزب الجمهوري (انسحب لاحقا).. بالإضافة إلى تحسّن العلاقة مع الاتحاد العام التونسيّ للشغل والوفاق مع منظّمة "الأعراف" (أرباب العمل). مجمل هذه الظروف وضعت المعسكر الثاني في موقع قوّة أمام خصم خسر الكثير من التأييد الشعبي.. ما أسفر في النهاية عن خروج حركة النهضة من الحكم، وإن حافظت نسبيّا على ورقة المجلس الوطني التأسيسيّ. وانحسر دورها أمام تعاظم نفوذ الأطراف المكوّنة للحوار الوطنيّ، وإمساكها بزمام الأمور بما يخصّ الشأن السياسيّ والمرحلة الانتقاليّة، ما خلق ما يشبه المسار الموازي الذّي حيّد إلى حد كبير القنوات الرسميّة والدستورية لتسيير شؤون الدولة.

 

الانتخابات: المصالح فوق المبادئ

 

لم تكن حرب الاستقطاب خلال الحملات الانتخابيّة أواخر 2014 سوى الحلقة الأخيرة من مسلسل الحرب المفتوحة بين "الشيخين". النهضة التي سارعت إلى الاعتراف بفوز الباجي قائد السبسي (وهو شيخ بمعنى السن: 89 عاماً) بمنصب رئيس الجمهورية، سارت بالخطى نفسها نحو تأسيس حكومة ائتلافية بدعوة من حزب نداء تونس، ليطوي الشيخان على ما يبدو صفحة من العداوة الدامية. وعلى الرغم من أنّ حركة النهضة لم تستطع الحصول على حقائب سياديّة، إلا أنها تمكنت بفضل الصراع الذّي نشب داخل حزب "نداء تونس" من قلب موازين القوى داخل مجلس النواب.
دار هذا الصراع حول هندسة القرار والتأثير في سياسات الدولة داخل مجموعة التأسيس، وقطباها محسن مرزوق، ونجل رئيس الجمهورية حافظ قائد السبسي، وهو ذهب إلى أقصاه عبر سلسلة من الاستقالات الجماعية، لتنكمش كتلة "نداء تونس" من 86 نائباً إلى 58 نائباً. في المقابل، وجدت حركة النهضة نفسها تتصدر جميع الأحزاب بـ69 نائبا، لتمسك من جديد بزمام الأمور وتتحوّل من موقع المعارضة إلى الصانع الفعلي للقرار. هذا الانقلاب في موازين القوى، جعل من نداء تونس أكثر تمسكا بضرورة استدراج حركة النهضة إلى تحالف يعمّم الفشل أو النجاح، وبدورها راقت فكرة الحكم من وراء الستار لقياديي النهضة الذّين يتحكمون بسياسة الدولة والحكومة.


اقرأ أيضاً: كيف تمارَس السلطة؟ مثال من تونس


انعكس التحالف بين الحزبين الألدّ على الساحة السياسيّة على العمل التشريعي بدوره، حيث تسارعت وتيرة المصادقة على عدد من مشاريع القوانين على غرار رسملة البنوك العمومية (رفع رأس مال البنوك اعتماداً على التمويل الحكومي، وهذا إمّا بصورة مباشرة من خلال قيام المصرف بإصدار أسهم تشتريها الحكومة، أو من خلال اكتتاب عمومي، ما يؤدي إلى تقليص حضور الدولة في تلك البنوك)، واستقلالية البنك المركزي، وقانون إصلاح المؤسسات المالية والبنكية.. في خطوات تمثّل امتدادا للخيارات الاقتصادية والاجتماعية للحكومات السابقة. كما تماهت مواقفهما في عدد من القضايا الأخرى، على غرار الاتفاقيات الأمنية والعسكرية مع الولايات المتحدة الأميركية في 2015، إضافة إلى تصنيف "حزب الله" كمنظمة إرهابية إثر اجتماع وزراء الداخلية العرب أوائل السنة الجارية، وقانون المصالحة الوطنية الذّي تدفع حركة النهضة باتجاه تبنيه، وإلزام نواب الحركة بعدم الخروج عما تقرّره قيادات الحزب.
في الأوّل من كانون الثاني / يناير 2016، وخلال مؤتمر حزب نداء تونس، ولج رئيس حركة النهضة قاعة الحضور ليلقي خطابا لعلّ أهم ما جاء فيه قوله: "نحن نرى في تونس طيراً يحلق بجناحين: النهضة والنداء". وهو ربّما صدق في هذا القول حين تحدّث عن تناغم السياسات والخيارات بين الحزبين، لكنه أسقط من خطابه التذكير بأن لكل مقامٍ مقالا، وأن حالة التحالف الحالي ستنهار ما إن يتبدى لأحد الطرفين مصلحة في القطيعة، وأن ما جمعهما لم يكن سوى تطبيق تعليمات الدوائر المالية والسياسية الدولية، وأنّ التشكيل الظرفي المتبنى يقوّي النظام القديم ويضعّف المسيرة نحو دمقرطة النظام التونسي، ويبقيه رهن إملاءات المانحين والمقرضين.