مرعب حال اليمن، لأسباب متعددة أولها أن كل حرب أهلية، أينما كان، هي معادل مباشر للخراب العميم.. وثانيها أن هناك اكثر من 27.5 مليون إنسان لا يثير مصيرهم إهتمام أحد، ويُختصر السلوك حيالهم باصدار تقارير تتحدث عن المجاعة الشديدة (يعاني منها حوالي سبعة مليون منهم) أو العوز (17 مليون)، وأما الباقون، وهم قلة قليلة، فيسكنون في الجبال القصية أو في بعض الجهات التي ما زلت على هامش هذه الحال، ربما الى حين. وهناك تقارير أخرى تتحدث عن الأمراض والأوبئة. وقد يصحبه وصول مساعدات دولية، غذائية وطبية، متقطعة.. وهذا كل شيء! بل أن المبعوث الاممي الخاص (الذي يُفترض به تلمس حلول وتسويات للنزاع) أعلن أنه سيترك منصبه خلال الشهر الجاري بعدما أنهى مدة تكليفه، وكذلك فعل مبعوث الامم المتحدة للشؤون الانسانية، ذاك الذي يَعدّ ارقام القتلى والجوعى والمرضى ويحذر من "الكارثة الانسانية غير المسبوقة منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية".

كانت البلاد منشطرة. هناك الحوثيون من جهة، وكان يحالفهم علي عبد الله صالح، الرئيس السابق، ثم انقلب عليهم، ثم قُتل من قبلهم. وهناك من جهة ثانية ما سمي ب"الشرعية" ممثلة بالرئيس هادي الذي جرى التوافق عليه في 2012، بعد إزاحة صالح من السلطة إثر 2011. وكان هادي نائب صالح الذي زكّاه، لكنه قرر ألا يكتفي بدور الألعوبة على هذا المستوى، فاستقطبته السعودية فانقلب عليه صالح، وأدخل قوات الحوثيين الى العاصمة في 2014..
هل ما زلتم تتابعون؟
.. يوجد كل ذلك والكثير سواه في فصل المكائد. لكن ذلك ليس هو عصب الدينامية الاصلي. كما لا يكفي أن هناك استعداد أكيد في البلاد للتفجر في كل إتجاه، ولانفلاش مشاكل تراكمت عبر عقود متى ما وهنت القبضة الكاتمة، وهو ما كان.
يكمن السر في الصراع المستعر بلا قيود بين كل الاطراف الاقليمية المتداخلة في اليمن، التي تبدو كساحة ميسرة لمن يريد. الجار الكبير، السعودية أولاً، التي اعلنت رسمياً الحرب على الحوثيين وصالح في 2015، وفق اعتبارات كثيرة: اعتبار التهديد الذي تمثله هذه الحالة لها وهي التي شاءت الاقدار أن تتقاسم حدوداً هائلة مع اليمن أكثرها حساسية واكتظاظاً بشرياً هي تلك التي تقع على امتداد محافظة صعدة في شمال غرب البلاد، وهي منطقة الوجود التاريخي للحوثيين ونفوذهم.. واعتبار الدلالة الرمزية لسيطرة هؤلاء على عاصمة البلاد.. واعتبار الدور الايراني الذي إفترض كذلك أنه يختبئ وراءهم.. ولكن كل هذه المحركات لم تمكن السعودية من حسم الصراع، لا جذرياً باستعادة صنعاء كما كان يفترض، ولا على أي مستوى، فتحول وجود قوات ما يسمى "التحالف العربي" بقيادتها، والذي "يدعم" قوات الرئيس هادي بالطائرات والمدفعية والقيادة الميدانية، الى حالة من الكر والفر لامتناهية. وهكذا استقرت الحرب تماماً.
وفي الاثناء، ولما لا،  تعاظمت طموحات الجار البعيد والصغير، وحليف السعودية في ذلك "التحالف العربي": الامارت. وهذه تتمدد في كل المنطقة، في خليج عُمان (الذي تقع على شطآنه وتُجاور قطر، ولكن تقابلها إيران.. ما يغيظها ويحد من طموحاتها) وفي خليج عدن، حيث تعمل على ضفتي البحر الاحمر وتبني قواعد عسكرية هنا وهناك، ونقاط ارتكاز متنوعة.. وقد شجعها ما بدا أمراً ميسراً حين اشترت من بلدان إفريقية فقيرة موافقات رسمية على وجودها، أو حين وضعت يدها على ميناء عدن نفسه وعلى جزيرة سقطرى، وحين تغلغلت في سائر المحافظات الجنوبية وحين راحت تشتري الولاءات. شجعها ذلك فوسعت نفوذها بما يتجاوز كثيراً هذه الدائرة، وصارت هي الاخرى ترى نفسها بقرة كبيرة وليس ضفدعاً.
استثمرت الامارات هنا في حالة موجودة، هي المطلب الانفصالي الجنوبي الذي يمتلك قصة طويلة. دربت وجهزت ما اسمته "قوات نخبة" في اكثر من محافظة جنوبية، ودعمت "المجلس الانتقالي الجنوبي" الذي اعلنه في أيار/ مايو الماضي عيدروس الزبيدي. وهذا كان محافظاً لعدن معيّناً من قبل حكومة هادي، المقيمة رسميا في هذه المدينة الثانية للبلاد بانتظار صنعاء.. وهو، أي الزبيدي، قرر الانقلاب عليها.
.. هل ما زلتم تتابعون؟
حسناً، هذا هو الفصل الحالي في اليمن، مع كل عدته من المكائد هو الآخر، ومعها كم الدماء والدموع المناسب. ويبدو اليوم أن المجلس ذاك يحكم سيطرته على عدن، ما ينهي الاستقطاب الثنائي الذي كان قائماً، و"نجومية" الحوثيين، ويعدل تماماً المشهد. وهو ظهّر ما كان كامناً كإحتمال له أسسه الفعلية: الاتجاه نحو المزيد من التشرزم.