قبل شهور، احتج ساكنة حي أنزا بضواحي مدينة أغادير المغربية على تشييد مسجد بسبب كلفته الباهظة التي تصل لأكثر من 3 ملايين دولار، وكتبوا في عريضة إلكترونية بأن "دُور الشباب مُغلقة في الحي بسبب قلة الموارد المالية. والمركزان الصحيان لا يفتحان سوى لساعة أو ساعتين يومياً بسبب قلة الأدوية والأجهزة الطبية. البنى التحتية الرياضية تقريباً غير موجودة. الأمر ذاته بالنسبة للمسارح والخزانات ومراكرز غسل الكلى ومدارس الأطفال المخصصة لذوي الاحتياجات الخاصة، بل لا يتوفر الحي حتى على مفوضية أمنية".
المؤكد أن المسلمين في المغرب يشكلون أغلبية ساحقة من السكان. لذلك فأينما وليت وجهك في كل حارة وشارع وقرية، فثمة مسجد أمامك. وهذا ما جعل البلد يحتل المرتبة الثامنة عالميا من حيث عدد المساجد، وهو في الوقت ذاته يتذيل الترتيب العالمي في مؤشر التنمية البشرية.

 

مسجد في كل زنقة ودوار

 

تقول الاحصائيات بأن المغرب يتوفر على أكثر من 51 ألف مسجد. وتفتخر وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية بتدشينها 166 مسجدا جديدا خلال العام الماضي، وتفكر جدياً ببناء 565 آخراً خلال هذا العام. ينافس المحسنون وزارة الأوقاف في تشييد المساجد، ففي عام 2016 شیدت جمعیات المحسنین 172  مسجدا.
ينص القانون على عقوبات زجرية وحبسية ضد المحسنين الذين يخالفون المقتضيات القانونية، ومن ضمنها إشراك السلطات المحلية الممثِلة لوزارة الداخلية في الإشراف على بناء المساجد الجديدة وتقديم الرخص لها أو منع إقامتها، وهو ينص على تسليم رخص البناء من الوالي (محافظ) أو عامل (مدير) العمالة أو الإقليم المعني بالأمر، بعد استطلاع رأي لجنة يترأسها رئيس المجلس العلمي، علاوة على ممثلين للقطاعات الوزارية المعنية ورئيس المجلس الجماعي (البلدي أو القروي) و"خمس شخصيات مشهود لها بالإسهام الفعلي في مجال العمل الخيري والإحسان لفائدة المسلمين يعينها وزير الأوقاف والشؤون الإسلامية".


اقرأ أيضاً: الزاوية في المغرب.. المؤسسة التي تدر ذهباً


وقال تقرير صادر عن "المركز المغربي للدراسات والأبحاث المعاصرة" أن طلبات الحصول على رخصة بناء أو إصلاح أو توسعة المساجد تزايدت إلى 479، أما فيما يخص التأطير الديني في المساجد، فقد تم تعيين 2226 قيماً دينياً جديداً في تلك التابعة للأوقاف، وتأهيل حوالي 44.700 إماماً في إطار خطة ميثاق العلماء سنة 2014، بإشراف حوالي 1428 عالماً". هكذا تبدو أرقام المساجد في صحة جيدة وتمام التمام، لكن ماذا عن باقي البنى الاجتماعية والخدماتية؟

 

الإنسان عاشراً وأخيراً

 

الإنسان عاشراً وهو في آخر اهتمامات الدولة، ولعل مؤشر التنمية البشرية خير دليل، إذ يحتل المغرب المرتبة 123 عالمياً خلف دول غارقة في آتون الحروب والفقر والجوع. صحيح أن البلد لا يعاني من تلك الويلات، إلا أن عدد المؤسسات التعليمية العمومية للتعليم الأساسي مثلاً (ابتدائي، اعدادي، ثانوي) لا يتجاوز 10.833، وأما المستشفيات فتقدر بـ144 مستشفى. لن نتحدث عن المراكز الثقافية فهي موجودة كمركز واحد في كل مدينة، أما المسارح ودور السينما فوجودها مهدد بل وإلى زوال. وكالعادة، تكشف التقارير الرسمية وغير الرسمية بأن البنى الاجتماعية تفتقر إلى جودة الخدمات وأنها لا تهتم بإرضاء المغاربة.

 

يتوفر المغرب على أكثر من 51 ألف مسجد، وتفتخر وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية بتدشينها 166 مسجداً جديداً خلال العام الماضي، وتفكر جدياً ببناء 565 آخراً خلال هذا العام، عدا عن 172 مسجداً شیدتته جمعیات المحسنین في عام 2016..

 

تستحوذ السلطة على جل مساجد البلد، وهي "مؤممة" تابعة لوزارة الأوقاف والشؤون الاسلامية، بخلاف باقي الخدمات الاجتماعية التي تتجه نحو الخصخصة. الدين سلاح بيد الساسة والسلطة وهذه الاخيرة أصدرت قبل سنة منعاً من الإدلاء بالخطب السياسية والانتخابية في المنابر الدينية. كما أنها لا تحبذ الخطاب الديني الذي يخاطب العقل ويحرك المياه الراكدة، ولا تريد "ديناً عاقلاً" بل تشجع خطاباً دينياً يستهدف عواطف المؤمنين بعبارات تدجنه وتجعله كائناً فاقداً لللقدرة على تحليل ما يحيط به من أزمات وتخبطات. ولا يتوانى المغاربة عن المساهمة بمالهم من أجل بناء مسجد حتى ولو كانوا يعيشون في مكان بدون ماء ولا كهرباء. فلا عجب إن وجدت في كل دوار قروي منسي مقفر ويعاني ويلات العطش والجفاف والعزلة وقساوة الطبيعة مسجداً كبيراً مجهزاً بالماء والكهرباء والمراحيض النظيفة. ويلاحظ الشيء نفسه في المدن وفي الأحياء الهامشية والشعبية منها وهي المحرومة من مراكز صحية أو مخفر للشرطة أو حتى مدرسة أو نادي.
يدغدغ الدين الوتر الحساس للمغاربة. فالحديث النبوي الشريف يقول "من بنى مسجدا يذكر فيه اسم الله بنى الله له بيتاً في الجنة"، وهو الحديث نفسه الذي أقنع به الملك الراحل الحسن الثاني شعبه بضرورة المساهمة لتشييد مسجد باذخ ومتعالي يطل على شرفة المحيط الأطلسي بمبلغ فلكي يقدر بـ500 مليون دولار.


اقرأ أيضاً: بين وحشية السوق وسكينة المسجد