كان الثلاثاء، السادس عشر من كانون الثاني/ يناير هو اليوم الذي حدده الحزب الشيوعي السوداني لإنطلاق مسيرة من نقطة جنوب القصر الجمهوري الى رئاسة حكومة ولاية الخرطوم على مسافة كيلومتر تقريباً، لتسليمها مذكرة تنتقد الاجرءات المالية الاخيرة التي صحبت ميزانية هذا العام.
الميزانية تتحدث عن إيرادات مقدرة بنحو 116.9 مليار جنيه سوداني (16.7 مليار دولار)، نحو 68 في المئة منها عبارة عن ضرائب غير مباشرة يقع عبئها على الجميع، خاصة الطبقات الفقيرة، ومصروفات في حدود 127.2 مليار جنيه (18.18 مليار دولار)، ما يعني عجزاً يقارب 3 في المئة من الناتج المحلي الإنتاجي لاقتصاد البلاد. لكن بعيداً عن الأرقام ونسبة النمو التي تقول الميزانية انها ستبلغ 4 في المئة هذا العام، فإن الذي لفت الانظار هو قيام الحكومة بتخفيض العملة الوطنية مقابل الدولار الذي أصبح السعر الذي حسبت على أساسه الميزانية 18 جنيها للدولار بينما كان قبل ذلك 6.9 جنيها. وهذه الخطوة دفعت بأسعار مختلف السلع الى أعلى حيث أصبح سعر "رغيفة" الخبز الواحدة (الربطة) جنيهاً كاملاً. أدى هذا الحال الى رد فعل فوري وتلقائي في الشارع على شكل مظاهرات منددة بالميزانية التي وصفها البعض انها الأسوأ في تاريخ السودان، أو انها ستدخل البلاد في في "عام الرمادة والمسغبة" (وهي المجاعة الشديدة بحسب الرواية التاريخية التي أطلقت عليها هذه التسمية).
التقط الحزب الشيوعي زمام المبادرة ودعا الى المسيرة التي لم تسمح بها السلطات، فاستخدمت الغاز المسيل للدموع والهراوات لتفريق المتظاهرين، كما اعتقلت بعض قيادات الاحزاب المعارضة. الفكرة كانت في التصعيد وتجميع قوى المعارضة لتحدي النظام في قضية تمس معاش الناس في أساسياته، وهو ما سعى اليه حزب الامة بقيادة الصادق المهدي عندما دعا القوى المعارضة الى اجتماع في دار حزبه للاتفاق على ميثاق للعمل المعارض وتنظيم حشد معارض في أم درمان في إطار استمرار التظاهرات المناوئة، بأمل تطويرها الى انتفاضة شعبية. السلطات قامت باغراق الميدان المحدد للتجمع بالمياه كخطة استباقية. وهكذا انتهى اليوم الثاني بمشاركات جماهيرية محدودة في المظاهرات التي دعت اليها القوى المعارضة.
لكن بالقدر نفسه، يلاحظ ان الاجراءات الحكومية لم تحظ بالسند الملائم لدرجة الدفاع عنها في وسائل الاعلام التي تسيطر عليها الحكومة وحزبها الوطني الحاكم، بل حتى انها لم تحظ بمساندة سياسية واضحة من قيادات الحزب.

 

رد فعل متأخر

 

الاجراءات المالية القاسية المتخذة هذه هي في واقع الأمر عبارة عن رد فعل متأخر سبع سنوات، اذ كان يتوقع اتخاذها في العام 2011 عندما انفصل جنوب السودان حاملاً معه أكثر من ثلثي الاحتياطيات النفطية المعروفة في البلاد، وإنتاج يومي بحدود 300 ألف برميل توفر للبلاد نحو 90 في المئة من ايراداتها من العملات الصعبة.
لم تشأ الحكومة وقتها التعامل مع تلك الصدمة الاقتصادية بما تستوجب من إجراءات وذلك تخوفاً من الانعكاسات السياسية خاصة وأنها كانت متهمة بالتفريط بوحدة البلاد. وكان أن اتخذت بعض الاجراءات الاقتصادية في العام 2013 أدت الى اشتعال مواجهات قمعتها بعنف نتج عنه سقوط ضحايا. كما قامت بتخفيض جزئي للعملة، وخطوات محددة لتحرير بعض السلع قبل عامين. لكن يبدو انها قرّرت المضي في شوط التحرير الى نهايته وفق الوصفة المعروفة لصندوق النقد الدولي، التي تتجاهل البعد الاجتماعي والكلفة السياسية لتنفيذ برنامجه.

 

حمل جنوب السودان معه عند انفصاله أكثر من ثلثي الاحتياطيات النفطية المعروفة في البلاد، وإنتاج يومي بحدود 300 ألف برميل كانت توفر نحو 90 في المئة من ايرادات السودان من العملات الصعبة. لم تشأ الحكومة وقتها التعامل مع تلك الصدمة الاقتصادية بما تستحق من إجراءات وذلك تخوفاً من الانعكاسات السياسية، خاصة وأنها كانت متّهمة بانها فرطت بوحدة البلاد.

 

واللافت للنظر في علاقة السودان بالصندوق، انه وبسبب المتأخرات التي لم تسددها له الخرطوم، فقد اقتصر التعاون بينهما على تقديم المشورة الفنية وبدون الدخول في برنامج اقراضي لتوفير سند من العملات الصعبة تسهل امتصاص جرعات الصندوق "العلاجية" على الاقل في المستوى القريب. إحتجاجات السودان تزامنت مع ما شهدته تونس هذا الشهر كذلك، لكن رفع أسعار السلع هناك صحبه اتفاق حصلت تونس بموجبه على قرض من الصندوق بقيمة 2.9 مليار دولار.
الأمر الآخر أن مثل هذه الاجراءات يفترض ان تسبقها عمليات ترشيد للانفاق الحكومي، ما لم يحدث. فالانفاق على الاجهزة الدستورية والدفاع والأمن يصل الى 65 في المئة من الموازنة، ولا غرابة في وقوع العجز على ضوء توسيع البرلمان باضافة 64 عضواً جديداً، ليصبح عدد أعضاءه 490 نائباً اضافة الى 30 وزيراً اتحادياً و40 وزير دولة.. وذلك في إطار تنفيذ توصيات مؤتمر الحوار الوطني واستيعاب بعض القوى السياسية رغم ان لا قوى المعارضة الرئيسية ولا حملة السلاح شاركوا في ذلك الحوار وفي الحكومة التي انبثقت عنه.
وإن كان هذا ما يحدث في الجانب الحكومي، فإن جانب المعارضة ليس بأحسن حالاً بما يتعلق بقدرتها على استغلال ما يجري، بدليل محدودية المظاهرات التي خرجت مقارنة بحجم الارتفاع الكبير لاسعار السلع الاساسية وحالة الاحتقان السياسي والاقتصادي الناجمة عنها. وربما يعود ذلك الى ان معظم قيادات المعارضة ظلت موجودة في الساحة لفترة طويلة بل وشاركت في الحكم من قبل، مثل الصادق المهدي الذي تولى منصب رئيس الوزراء مرتين ولم يكن أداءه مقنعاً، كما انه لا توجد حلول جاهزة للإشكال الرئيسي الذي يواجه السودان حالياً والمتمثل بالوضع الاقتصادي.

 

شراكة مع القطاع الخاص

 

من النقاط الايجابية التي عملت عليها الحكومة وضمنتها ميزانية هذا العام اللجوء الى القطاع الخاص ليكون محركاً رئيسياً للنمو. فإحدى مظاهر الاختلال الكبرى في الاقتصاد السوداني هي ضعف الانتاج وزيادة الاستهلاك. الحكومة أمضت عدة أشهر مع القطاع الخاص خرجت في نهايتها ببرنامج عمل لزيادة حجم الصادرات من 1.8 مليار دولار العام الماضي لترتفع الى 2.5 ملياراً هذا العام، ثم الى عشرة مليارات في غضون ثلاث سنوات، وذلك وفق برامج محددة للتنمية الافقية والرأسية في مجالات الزراعة والثروة الحيوانية، خاصة والسودان يتمتع بوجود نحو 170 مليون فدان صالحة للزراعة، المستغل منها حوالى 35 مليوناً غالبيتها في القطاع المطري الذي عرف بضعف الانتاجية.
القطاع الخاص وفق برنامج العمل المتفق عليه سيسعى الى استخدام تقنيات وبذور محسنة والدخول في شراكات تعاقدية مع المزارعين لتوفير التمويل والمخصبات اللازمة حتى يمكن تحقيق الارقام المستهدفة. والحكومة أعلنت انها التزمت من جانبها بتوفير التمويل للعام الاول من هذا البرنامج وفي حدود 870 مليون دولار. أحد رجال الاعمال أكمل تجربة في ولاية شرق دارفور لزراعة الفول السوداني وتمكن من انتاج 700 كيلوغرام في الفدان باستخدام طرق انتاجية حديثة وذلك مقابل 200 كيلوغراما كانت تنتج في السابق.

 

الخطوة الانتاجية التي يتصدرها القطاع الخاص السوداني تمثل المحاولة الرابعة للنهوض بالاقتصاد السوداني. فالمحاولة الاولى أعقبت الاستقلال، خاصة مع وجود بنية أساسية معقولة وخدمة مدنية فاعلة وأجواء مفعمة بالتفاؤل في مستقبل البلاد، لكن التجاذبات السياسية وسوء الادارة وعدم الاستقرار أضعفت تلك الفرصة...

 

هذه الخطوة التي يتصدرها القطاع الخاص السوداني تمثل المحاولة الرابعة للنهوض بالاقتصاد السوداني. فالمحاولة الاولى أعقبت الاستقلال، خاصة مع وجود بنية أساسية معقولة وخدمة مدنية فاعلة وأجواء مفعمة بالتفاؤل في مستقبل البلاد، لكن التجاذبات السياسية وسوء الادارة وعدم الاستقرار أضعفت تلك الفرصة.
ثم جاءت المحاولة الثانية إثر ارتفاع أسعار النفط عقب الحرب العربية الاسرائيلية في 1973 وبروز مقولة "السودان سلة غلال العالم العربي" وذلك لاستغلال الفوائض المالية العربية في مشروعات قومية والاستفادة من موارد السودان الطبيعية الهائلة، لكن تلك الفرصة ضاعت ايضا بسبب التجاذبات وعدم الاستقرار السياسي وتعدد الاولويات العربية. ثم جاءت الفرصة الثالثة عقب نجاح السودان في استخراج وتصدير النفط في تسعينات القرن الماضي، الذي استمر لمدة عقد كامل من الزمان، حصلت خلاله الخرطوم على أكبر إيرادات من العملة الصعبة في تاريخ البلاد، لكن صحبها ما عرف بالمرض الهولندي وأهمال القطاعات الانتاجية وعلى رأسها الزراعة.
التجربة هذه المرة تنطلق من الداخل ويتقدمها القطاع الخاص الذي يحتاج من الحكومة الى شيء من الدعم، خاصة في ميدان السياسات وقدرة جهاز الدولة على التنفيذ التي ستكون على المحك. ومع أهمية الجانب الاقتصادي، الا ان البعض يرى ان المدخل لحلحلة مشاكل السودان يتمثل في الجانب السياسي اولاً وأخيراً. لكن التاريخ القريب يوضح كذلك انه ما لم يصحب أي حل سياسي بعد اقتصادي واضح، فإن قدرته على الصمود تصبح محل شك.