احتفل العراقيون بمقدم العام 2018 وكأنهم لم يحتفلوا من قبل. بمقدم العام 2014 نصبت لأول مرة "شجرة ميلاد" في ساحة عامة وسط بغداد، في "الفردوس" التي شهدت سقوط تمثال صدام حسين ومعه نظامه. يومها احتشد العراقيون ورقصوا بهستيريا الذي خرج من العتمة الى الضوء، لكن المخاطر الأمنية كانت تضعهم برسم الاستهداف، فالعام الذي سبقه (2013) كان دموياً، بحصيلة مرعبة سجّلت اول ارتفاع قياسي منذ (2008)، ليجيء العام 2014 بحصيلة أكثر رعباً أعادت بورصة الضحايا الى سنوات الاحتلال والاقتتال الطائفي وفوضى السلاح الميليشياتي. فماذا يحمل العام 2018 من التحديات المهددة للاستقرار؟

 

بانوراما الدم والنزوح

 

في العام 2008، شهد العراق آخر ارتفاع قياسي لضحايا العنف (شهداء وجرحى) بلغ نحو 10271 ضحية (بحسب UNAMI)، ووفقاً لمنظمة "Iraq body count" فالرقم كان أخفض بقليل (9028 ضحية)، وبكلا الحصيلتين فأن الضحايا هم عراقيون خلفوا وراءهم ايتاماً وعائلات مجهدة اقتصادياً. ذاك العام (2008) شهد صِداماً مخيفاً في البصرة ومدن جنوبية بين القوات الرسمية المدعومة من قوات أميركية وبريطانية وميليشيات شيعية. بعدها، إنخفض المنسوب قياسياً حتى العام 2013، حين عادت فورة العنف بقوة غير مسبوقة، وكأنه ايذانٌ بنهاية الاستقرار الهش المُصطنع من قبل حكومة رئيس الوزراء السابق نوري المالكي. ففي العام ما قبل الأخير من ولايته الثانية، كانت حصيلة العنف 9851 ضحية (UNAMI) وبحسب IBC كانت 9500 ضحية. ثم قفز الرقم بعدها، في 2014، الى مرتبة العنف الاعلى (20169 ضحية) كنتيجة لبروز تنظيم داعش الارهابي، بوصفه بديلاً شاملاً لكل جماعات العنف التي تبنّت النهج التكفيري والالغائي منذ 2003.

 

ثمة استغراب عميق من إحصائية ضحايا 2017 كما قدمتها "UNAMI"، فخلال العام المنصرم، احتدمت عملية استعادة الموصل على مدى 10 أشهر، وارتفع عدد الضحايا الذين سقطوا نتيجة ممارسات تنظيم "داعش" الإرهابي..

 

وبدءاً من 9 حزيران/ يونيو 2014 ومع سقوط الموصل المُدوي، تصاعدت الارقام على الشاشات التي يسيل منها دم الضحايا نتيجة انهيار منظومة الدولة العراقية في ست محافظات، سُميت قبل اجتياح داعش بـ"المُنتفِضَة" لكنها حين "تحررت من سلطة بغداد" باتت مُحتلةً من تنظيم تكفيري الغائي متوحش، حينها كان لا بد من اعادة ترميم السلطة العراقية المنهارة، لكن التكلفة هي دماء ونزوح وتدمير البُنى والخدمات والنسيج الاجتماعي.

 

أرقام UNAMI

 

المصادر الوحيدة لمعرفة عدد الضحايا العراقيين المدنيين سواء كانوا شهداء أو جرحى شهرياً وسنوياً، هي بعثة الامم المتحدة لمساعدة العراق (UNAMI)، وبعض المواقع الاجنبية التي تعمل بامكانيات محدودة. لكن "UNAMI" كمصدر تظل الأكثر موثوقية، فيما السلطات العراقية غائبة تماماً عن تغطية الملف المتحرك صعوداً ونزولاً، ولم تصدر تلك السلطات، سواءً الصحية أو الامنية أو ما يعرف بـ"وزارة حقوق الانسان" سابقاً او "مفوضية حقوق الانسان" حالياً – وهي غارقة بالصراع على المناصب - ايَّ بيانٍ يوضح الرواية الرسمية العراقية حيال سقوط المواطنين الضحايا. فالملف المحذوف من الاهتمام ينضم الى بقية الملفات المركونة بزاوية الاهمال حتى تتضح لها أهمية سياسية أو مالية يُستحصل منها على منفعة.
لكن، ثمة سؤال ايضاً: من يتحقق من ارقام "UNAMI"؟ من يراجع صحتها؟ من يستطيع ان يُحدد إن كانت هذه الاحصائيات الشهرية دقيقة للغاية؟ وهل تعبر عن حقيقة السقوط المؤلم للضحايا أم أنها تجامل السلطة وتمررها بالاتفاق معها؟


اقرأ أيضاً: ين العراق وكردستانه.. المناطق المتنازع عليها أينعت


ولولا الحصيلة الرقمية الشهرية التي تصدرها بعثة الأمم المتحدة تلك في العراق ومعها أرقام منظمة "IBC" التي تحصي وتصنف وتحدد هويات الضحايا العراقيين، لما كان من الممكن العثور على أرقام لظاهرة العنف المباشر في العراق. وفي خطوة تدل على عدم الإكتراث والغرق بالفشل، احتجت الحكومة العراقية على نشر "UNAMI" لأعداد العسكريين الشهداء والجرحى في عملية استعادة الموصل، وهكذا ومنذ كانون الاول/ ديسمبر 2016 امتنعت الهيئة الدولية عن نشر أعداد الشهداء والجرحى العسكريين. هذه المحاولة تمثّل واحدة من أعمال التضييق على نشر إحصاءات موثوقة، وتشير إلى العقلية المرعوبة من فضح تداعيات الفشل الأمني في البلاد مع تزايد مخاطر العسكرة والسلاح تحت مسميات مختلفة.
تقول الهيئة الاممية أن العام 2017 شهد استشهاد 3298 مدنياً وإصابة 4781 مدنياً آخراً (لم تشمل الاحصائية عدد الشهداء والجرحى من القوات المشتركة العراقية والحشد الشعبي التي تظل مجهولة كالعادة). ثمة استغراب عميق من إحصائية ضحايا 2017 كما قدمتها "UNAMI". فخلال العام المنصرم، احتدمت عملية استعادة الموصل على مدى 10 اشهر (تشرين الاول/ اكتوبر 2016- تموز/ يوليو 2017)، بالانتقال الى الجانب الأيمن من المدينة، والضحايا الكثر الذين سقطوا نتيجة ممارسات تنظيم "داعش" الارهابي، باتخاذهم دروعاً بشرية أو بحملات الاعدام التي كان يمارسها بحق المتعاونين الموصليين، فضلاً عن الضحايا الذين سقطوا نتيجة الأخطاء العسكرية من جانب التحالف الدولي ــ وهي الحصيلة الاكبر ــ والقوات المشتركة العراقية والحشد الشعبي. ولم تقدم السلطات العراقية الرسمية حتى اللحظة حصيلة حقيقية مقنعة لعدد الضحايا المدنيين. ففيما قالت إن الضحايا نحو 1260 شهيداً، كشف تحقيق صحفي استقصائي (نشرته وكالة أسوشيتد برس) أن أعداد الضحايا تجاوز 11 الف شهيد فضلاً عن الجرحى. وهذا بخلاف ما سقط منهم في العمليات في الحويجة والشرقاط وراوة وعانه والقائم وحمرين والشريط الحدودي العراقي ــ السوري.


اقرأ أيضاً: أهوال مستقبل الموصل.. مدينة باتت بلا تنوّع


عدم تعامل الحكومة العراقية بجدية مع ملف الضحايا، سواء كانوا مدنيين أو عسكريين، يؤشر الى غياب الشفافية واحترام حقوق الانسان والى الاصرار على التضليل والدفع بمزيد من العنف بسبب عدم الاكتراث، واخفاء معلومات عن الرأي العام المحلي وعدم السماح لمنظمات محلية صحافية أو حقوقية أو مدنية بالوصول اليها وتوثيقها. فالمتسببين الرئيسيين بإحداث الفوضى الأمنية الكبيرة بدءاً من العام 2013 وما استتبعها من سقوط مدينة الموصل وأربعة محافظات بكاملها بيد تنظيم ارهابي محدود المسلحين، وتنفيذه مجازر مروّعة بحق المدنيين والعسكريين، لم توجه لهم تهم ولم يتم اخضاعهم الى المحاكمة على الرغم من الأدلة الكافية ضدهم ومن تشكيل لجنة تحقيق نيابية أدانت المسؤولين الرئيسيين، لكنها لم تستطع تقديمهم الى المحاكمة بسبب "الحصانة" العُرفية للأحزاب والشخوص وتواطؤ القضاء، ولاسيما بما يخص ملف الاختطاف والاغتيال وصمت الاجهزة الامنية عن ملاحقة الخاطفين، ما اشاع ثقافة "الافلات من العقاب".

 

ثنائية الموت والنزوح

 

مضت 15 عاماً مريرة على سقوط نظام صدام حسين في 2003، والحصيلة الانسانية تتفاقم. فثنائية "الموت/ النزوح" تهيمن على المشهد غير المستقر. فحتى حين بسطت الحكومة العراقية السيطرة على الثلث الذي حكمته "دولة الخلافة"، ومن بعدها المناطق المتنازع عليها عقب الازمة مع اقليم كردستان كردٍ على "استفتاء الانفصال"، ظلّت تلك الثنائية حاضرة وتهدد الاستقرار الثمين. تشير مصفوفة تتبع النزوح في العراق التي تعدها "منظمة الهجرة الدولية" الى أن عدد النازحين حتى كانون الاول/ ديسمبر 2017 بلغ مليونين و615988 نازحاً، فيما الذين عادوا الى مناطقهم التي تفتقر بالغالب الى البنى التحتية والخدمات الاساسية هم نحو 3 ملايين و220362 عائد.
يهدد النزوح عقد الانتخابات النيابية والبلدية العامة. ويقترح رئيس الحكومة حيدر العبادي أن تجري في 12 ايار/ مايو المقبل بقرار من مجلس الوزراء، لكن رئيس البرلمان يشير أن ما من موعد "حقيقي" لعقد الانتخابات لجهة أن تحديد الموعد النهائي "يستلزم" موافقة النواب ومصادقة رئيس الجمهورية. وترد مفوضية الانتخابات بـ"لا يستلزم"، شرط توفير 256 مليار دينار (280 مليون دولار) لتمويل العملية الانتخابية.
تحاول القوى العراقية الموصوفة بـ"السُنية" وبشكل معلن ــ ربما هناك قوى شيعية تفعل وإنما سراً ــ تأجيل الانتخابات حتى العام 2019، وتشاطرها الرؤية بعثة الامم المتحدة لكنها تماشي ايضاً رؤية الحكومة بعقدها.

 

اشكالية النزوح، التي يتعهد رئيس الحكومة بحلّها بغضون آذار المقبل، قبيل الانتخابات بموعدها الحكومي، تبدو عسيرة على الحل، لجهة ان الانتشار يتوزع على 90 مخيّماً، لم يغلق منها سوى مخيم واحد يقع في الأنبار

 

الاخفاق السياسي للقوى "السنية" في تحصين مصالح ناخبيها، وفشلها بملف إعادة النازحين وإعمار المناطق المحررة، يشيع المخاوف بعدم تقبل النازحين والعائدين المشاركة في الانتخابات فيما هم في المخيمات وبين الحطام، ما يؤثر على حصيلة التمثيل النيابي والبلدي للقوى السُنية وحلفاءها. وإثر فشل مساعي التأجيل السياسية باتت تلك القوى تبحث عن ثغرات قانونية لتأجيلها.
تسعى الكتلة السياسية المرتبطة برئيس الوزراء السابق نوري المالكي إلى تمرير مقترح التأجيل لعدة أشهر ــ حتى الخريف المقبل ــ لمنح القوى "السُنية" فرصة ترتيب بيتها الداخلي ــ لاسيما أن المالكي يُحضّر لتحالف مع السُنة والكرد. ووسط انقسام حزب الدعوة بشقيه (العبادي/ المالكي) على الترشح بقائمة موحدة أو بقائمتين منفصلتين، وجرياً على حسابات العبادي، غَيّر المالكي موقفه سريعاً وبات كعادته يشير الى "مؤامرة" لمنع عقد الانتخابات. شحنة الإشكال العبادي ــ السُني انتقلت الى البحث عن مخرج "دستوري"، فطلب سليم الجبوري عبر مجلس النواب رأي المحكمة الاتحادية بشأن التأجيل، فيما حرّك العبادي مكتبه نحو المحكمة ذاتها لاستصدار فتوى بـ"عدم التأجيل". وتجد القوى "الشيعية" أن جسمها الانتخابي لم يُمس بعمليات التهجير والنزوح، وبالتالي إمكانية الاقتراع متوافرة وستُضعف الموقف "السُني" الانتخابي لجهة أن الأخير لن يحصل على تمثيل حقيقي، وهذا يعني بحسابات ما بعد الانتخابات الذهاب الى "حكومة أغلبية" لاسيما وان رئيس الوزراء يتحفظ على كشف قائمته الانتخابية التي انتقاها بالشكل الذي يسمح له بالمناورة التحالفاتية لتشكيل كابينة غير مفروضة سلفاً.


اقرأ أيضاً: العراق.. الإصبع البنفسجية لا تجد ما تشير إليه


اشكالية النزوح، التي يتعهد رئيس الحكومة بحلّها بغضون آذار/ مارس المقبل، قبيل الانتخابات بموعدها الحكومي، تبدو عسيرة على الحل، لجهة ان الانتشار يتوزع على 90 مخيّماً، لم يغلق منها سوى مخيم واحد يقع في الانبار، وسط زيادة عددية نتيجة نسبة الولادات المرتفعة. لكن يبدو ان العبادي وجد حلاً باهظاً، بـ"إرغام" النازحين على العودة الى مناطقهم غير الآمنة للخروج من مأزق التأجيل وتقديم صورة مضللة للشركاء الدوليين بأنه جاد بـ"تصفير النزوح". فيما تشير معطيات غير مؤكدة عن ذهاب العبادي الى تحالف مع أقوى الرؤوس السُنية، اسامة النجيفي (حزب "متحدون للعراق") بعد ان تعهد له رئيس الحكومة بتنفيذ مطالبه ومنها تسوية ملف النازحين.
إعادة إعمار المناطق المتضررة يحتاج الى 100 مليار دولار على أقل تقدير. الحكومة والمنظمات الدولية المساندة والمانحة تضع سقفاً طويلاً يمتد الى 10 أعوام مقبلة شرط "الاستقرار التام" وعدم التعرض لخضات عنيفة تعرقل "الخطة الوطنية لاعادة الاعمار والتنمية".
لكن خطة إعادة النازحين تبدو مستحيلة بوجود اشكاليات تتعلق بإعادة الاعمار والتأهيل وتوفير الوظائف وضخ أموال للتنمية، مع استمرار سياسة التقشف الشديد التي تنتهجها حكومة العبادي للتعويض عن الخسارات الهائلة التي تسبب بها سلفه المالكي. وحتى خطة الـ100 مليار الطموحة تبدو خيالاً سياسياً بعد تنصل واشنطن من تمويلها، واتجاه بغداد نحو الكويت لحصد ممولين خليجيين ودوليين.


اقرأ أيضاً: العراق 2017.. آثار الحروب