في ذلك النهار حٌسم الأمر: سنفر، قالها أبي بجدية عاقداً حاجبيه، وكنت أعرف أنه خائف، كنت أخترق قلبه وأشعر به تماماً في قلبي. ألتفت إليهم واحداً واحداً، أرى قلوبهم واضحة، لكني أتقد من إثارة اللحظة على غير وعي. سنفر! تبدو الكلمة الصغيرة كما لو كانت عوالماً من النيران، ولقد كانت كذلك.
كانت أمي تنوح، ومن النافذة كان البحر يذهب ويجئ بأبدية، وعلى مقربة من هناك، قتل العشرات حينما كانوا يحاولون الفرار، قذيفة من مكان ما حولت كلمة "سنهرب" لقطع لحم متناثرة على الساحل، بينما لم يفر الباقون وعادوا لأماكن ما لكنها بالتأكيد ليست أماكنهم التي أرادوا الفرار منها. كنت أشاهد الصورة على الفيسبوك، وبينما تبكي أمي، كنت أجهد قلبي ليشعر الحزن كما تفعل هي. لكني لم أستطع، لم أستطع أن أحس أن هذا جزء من مسئوليتي. لقد ماتوا، وعند هذه النقطة لا يعود باستطاعتهم حتى مطالبتك بالحزن. ماتوا هم، شخص آخر أرادهم أمواتاً، أما أنا فقد أردت العيش، تماماً مثل أبي، لكن ليس بطاقته الخلاقة والمستعدة للبذل والعطاء. كنت أنانية، أتغطى بصمتي وإصراري على البقاء، وأعيد النظر في عيونهم جميعاً، وأعرف أنهم مثلي، لكنهم يبكون أشياءهم الصغيرة الخاصة جدا بعيداً عن جوهر كل هذا: البقاء.
لم نكن فقراء مثل أولئك الذين أرادوا الرحيل، كنا أغنياء بشكل جيد، أبي بحار قديم في البحرية البريطانية، حاز منصباً كبيراً هنا. وأنا لم أحب يوماً تلك الشفقة التي تدعيها أمي للناس الذين لا يعرفون "المكيِّف" كما تقول. كنت أثق بأن هذا ما ستعطيه الحياة لي أبداً، وما عداه ليست بمشكلتي ولا أستطيع أن أضعها في وعيي. لكن الآن، قالت أمي، سنصبح معدمين. كان ذلك لا يغتفر من جهتي. إن نجونا وهاجرنا فسنبدأ من الصفر، ومن تلك الجملة رأيت نفسي فقيرة في برد لندن الماطر. كنا متجهين إلى هناك، لذا ما أن نطق أبي بقراره الحاسم، حتى تخيلت فوراً الملابس التي يجب علي أخذها في هذه الرحلة رغم توصيات أبي الجامدة: فقط حقائب الظهر لأننا قد نغرق في البحر!
-    مستحيل! قالت أمي بقسوة من خلال بكاءها، سنأخذ أشياءنا، قد لا نعود أبداً، إن قتلنا في البحر، فلا حاجة لنا بها، وإن نجونا فنحن بكل تأكيد نحتاجها.
توقفت عن البكاء، وتوقف أبي مكانه. كان مستعداً للهجوم، وومضت في عينيه تلك النظرة الكارهة لتكبر أمي ولإعتراضها غير المتوقع. لكن أبي إنسحب ماسحاً عرقه المتصبب بسبب الحر، ومبقياً على نظرته الكارهة التي إتسعت في تلك اللحظة، وغمرتني مع كل شي آخر.

 

عادت الطائرات لتحوم، ومعها صوت الرصاص الذي لم يتوقف ولا للحظة واحدة، وكنت أسأل بصوت عال: أين تذهب كل هذه الرصاصات؟ يرد أخي بابتسامة المتشفي: أحشاء الناس يا غبية.

 

اندفعنا لنعد حقائبنا. كنت أحب أشيائي، كلنا كنا كذلك. فتحت خزانتي، كنت هناك: جميلة أنيقة متباهية، كنت صغيرة وإمرأة، وكنت أحتل عرش المكان لا يشاركني فيه أحد ولا حتى أختي. أخرجت جميع ملابسي، ثم وزعتها على السرير، مقسمة بترتيب أدهشتُ به نفسي، أنظر إليها بوعي كامل. لم تكن فساتيناً وبناطيلاً وقمصاناً، كانت أشيائي التي بها أؤرخ حياتي. هزّ انفجار هائل المبنى وتصاعدت الصرخات. كنت مرعوبة من فكرة أن زجاج النوافذ قد يحيلني إلى شبكة، لكن الانفجار كان أبعد من أن يفعل بي ذلك، وقبل أن نحدد موقع الانفجار كانت الطائرات تحلق على مستوى منخفض. ذلك الصوت المرعب لتحليق الطيران سيبقى معي، أحمله كما أحمل ذاكرتي، حين ترتعد أحشاءك وتبذل رجاءك لكل شيء وكل أحد: لا تقتلوني اليوم! لكنك لا تقوله صراحة لأنك في تلك اللحظة لا تستطيع أن تحدد ماهية رجاءك وشعورك. لذا وحتى تبتعد الطائرة، تكون قد منحت نفسك للاوعي ليقوم بمهمة العمل، لكني كنت أكثر وعيا بالموت في تلك اللحظات من أي شيء آخر، كنت أراني ميتة ولا يتولاني سوى الغضب.


اقرأ أيضاً: في قرية من جبال اليمن.. مزاريب الذكريات


كان الجو لا يُحتمل، ولكني أصريت على أن أضع البخور في غرفتي لأجل أن أحمل معي تلك الرائحة، وحددت بشكل حاسم ما الذي سأحمله معي وما الذي لن أحمله، ولكني وضعت البخور لكل ثيابي، ولم أشك بأني سأعود لبقية أشيائي. كنت واثقة من ذلك، مسحت بيدي على الخزانة التي كتبت عليها حين كنت في الخامسة عشر من عمري  don't touch !، وقد عنيتها حينها وأعنيها الآن أكثر. كانت أمي غاضبة غضبها الأبدي، كنا محتمين بأشياءنا وعملنا عليها، بينما كانت تفرغ جزعها على هيئة غضب وهي تحطم أشياءها الصغيرة في المطبخ، رفضنا جميعاً مساعدتها، لأننا نعرف أنها لن تقول حقيقة جزعها بل ستحيله لفشلنا جميعاً، وحتى الحرب ستصبح خطيئتنا نحن وأبي. كانت أختي الكبرى ترد على كل انتقاد منها ببرودها لمستفز: كما تريدين يا أمي، إنه خطأي بالتأكيد! فتجن أمي. كنت أفكر أن أمي تريد موتنا بالدرجة نفسها التي ترعبها هذه الفكرة، لكنها ستحرص بدون تردد على ألا تترك أي من ملاعقها الفضية، وستتبرع كما قالت بأطباق البورسلين خاصتها لجاراتها المنافقات.
أعدت الملابس التي لن أحملها، وصندوق اكسسوراتي، وعلبة موسيقية التي كانت هديتي في سنتي الثانية عشرة من صديقة المدرسة التي هجرتني بعد ذلك. رميت أشياء كثيرة للزبالة، وفكرت بأني أحتاج لأن أشتري الكثير. عادت الطائرات لتحوم، ومعها صوت الرصاص الذي لم يتوقف ولا للحظة واحدة، وكنت أسأل بصوت عال: أين تذهب كل هذه الرصاصات؟ يرد أخي بابتسامة المتشفي: أحشاء الناس يا غبية.. وكان هذا سبباً آخر لسخط أمي، ومع أني أعرف أن إجابته أكثر واقعية لكني أبقيت على خيال الأبواب المثقوبة بعشرات الرصاصات عوضاً عن الأحشاء المندلقة كما كان أخي يتابع وصفها، وكنا ثلاثتنا: أنا وأمي وأخي على اتصال واع بالحرب والرصاص والنيران والهرب، بينما بدا أبي كما لو كان يعبر نهراً من الحقائق التي لا يعرفها، مصدوماً وخائفاً ومهتزاً، يتراجع بحدة أمام سخط أمي، ويرتج مع الإهتزازات ولا يريد أي شي سوى أن ينجو، وسوى أن يكون حراً منا جميعاً. كنت أراقبه بشفقة، كان يفر من ازدراء أختي الكبيرة التي نصحته: لا توفر شيئاً من نقودك، اعطها للمهربين، إن نجونا فقد استحقوها وإن لم، فذلك جيد، لن يرثك أحد. كان ذلك وعيه الكامل لكنه كان ينحيه تماماً ويعود متأكداً أن ابنته الكبرى ليست سوى شر محض تتمنى هلاكنا جميعاً.

 

كنت أرتدي بلوزة خفيفة بسبب الحر، خضراء اللون، مزهرة بزهور بيضاء باهتة، قماشها قطني، وعلى أطرافها دانتيل أبيض. لكن أمي قررت أني سألبس شيئا أكثر حشمة: "لن يجدك الحوثيين عارية على الساحل"!

 

حين أزفت ساعة الرحيل، كان النهار في منتصفه، شمس حارقة، وحر قاهر، كان بيتنا يبدو مهجوراً ولم نزل في الداخل. لم أشعر بالحنين، فقط أمي كانت تودع أشياءها بمعزل عن الذكريات، واكتفى أخي بشماتته، بينما تظاهر أبي بأنه منشغل باتصالاته. كنا نحوم في المكان، نتفقد الأشياء، نعبر عن أسفنا، نتمنى لو كنا نستطيع حمل خزاناتنا معنا، لم يقل أحدنا: آه لو لم تكن هناك حرب! كنا متصالحين تماماً مع الحرب، شاعرين بوجودها كأنها في صميمنا. بل لدرجة ما، كنا ممتنين لتلك الحرب، ولتلك اللحظات. كانت عباياتي معلقة على الباب وعرفت منذ الأمس أي واحدة سأختار، لكني قبل أن أرتديها، قررت أمي أن تفعل ما تجيده: أن تصنع لغطاً وتعيد تذكرينا بمدى سلطتها. كنت أرتدي بلوزة خفيفة بسبب الحر، خضراء اللون، مزهرة بزهور بيضاء باهتة، قماشها قطني، وعلى أطرافها دانتيل أبيض. لكن أمي قررت أني سألبس شيئا أكثر حشمة، وسأغطي أكتافي رغم أني سأرتدي عليها العباية، " لن يجدك الحوثيين عارية على الساحل"، وضّحت أمي. لم أقل شيئاً، استبدلتها بأخرى رياضية، قبلتها ثم وضعتها في الخزانة مع رائحتي وبغضي لأمي.


اقرأ أيضاً: اللحظة الأخيرة قبل الصاروخ