عن موقع حبر


دعاء علي، شاكر جرّار

 

«بغض النظر عن مكان وجود شخص ما (..) لدينا جميعًا صراعات مماثلة لكسب لقمة العيش والاستقلال وتحقيق طموحاتنا أو مجرد العثور على هدف». هكذا تحدثت ميرنا توماس، إحدى منتجتي الفيلم الوثائقي «بالعربي»، في مقال حول خلفيات الفيلم. في هذا الإنتاج الأول للنسخة العربية من موقع ڤايس الكندي الأصل، نرى ونسمع شبانًا من ١٢ مدينة عربية يجيبون على عدد من الأسئلة التي يفترض أن تخبرنا «ما معنى أن تكون شابًا وعربيًا» في عام ٢٠١٧.

نرى في الفيلم سواق توكتوك و«فاشنيستا» وموظفًا حكوميًا وفنانة ومدربة يوغا، من أعمار متفاوتة بتجارب مختلفة، في توزيعة توحي بتنوع العينة المنتقاة، وتنوع فئة «الشباب» من ورائها، لكن مشاهدة الفيلم في سياق عربي يُوظّف فيه تصنيف «الشباب» بشكل متسارع لدفع نموذج سياسي اقتصادي محدد لما يجب أن يكون عليه الفرد الشاب، تعكس تنوعًا أقل بكثير مما يبدو في ظاهر الفيلم. فما انتهى الوثائقي إليه لم يكن استكشاف حياة «الشباب العربي» اليوم بقدر ما هو خلقُ تصورٍ محدد عما ينبغي أن يكون عليه شكل هذه الحياة.

 

من أين أتى «الشباب»؟

 

صعد مفهوم الشباب في العالم العربي بشكل متسارع خلال العقدين الأخيرين. نشأت وزارات باسمهم في العديد من الدول العربية، وخططت استراتيجيات دولية ووطنية لتمكينهم ليصبحوا «مواطنين عالميين»، وأنشئت برامج في مؤسسات المجتمع المدني من أجلهم، وصُممت منصات برعاية مؤسسات دولية ورؤساء دول وزوجاتهم من أجل إسماع صوتهم وإبراز قصصهم وتجاربهم، وظهر قاموس لغوي خاص بمخاطبتهم، يقوم على مفاهيم مثل «المبادرة» و«الابتكار» و«الريادة»، كونهم يمثلون «روح العصر» و«التغيير الإيجابي» و«قادة للمستقبل».

كثيرا ما يعزى هذا الاهتمام بالشباب لكونهم الفئة العمرية التي تمثل الشريحة الأكبر في المجتمع، الذين تروج المؤسسات الدولية بالشراكة مع الدول لكونها تسعى إلى حماية حقوقهم من أجل توفير حياة أفضل لهم. لكن هذا الادعاء البسيط لا يمنعنا من تسليط الضوء على العملية السياسية المتعلقة بصناعة وتكوين مفهوم الشباب في العالم العربي، تحديدًا بعد التزايد الكبير في اهتمام بعض الأنظمة العربية بـ«ظاهرة الشباب» في السنوات الخمس الماضية. فقد رعت هذه الأنظمة العديد من مؤتمرات الشباب كان أهمها منتدى شباب العالم في مصر في تشرين الثاني من هذا العام برعاية الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي بعنوان «نريد أن نتكلم: من أجل السلام، من أجل الإبداع، من أجل التنمية»، ومنتدى «مسك العالمي» بالسعودية الذي عقد في تشرين الثاني عام 2016  تحت شعار «القادة الشباب معًا» برعاية الأمير محمد بن سلمان، بالإضافة إلى «المنتدى العالمي للشباب والسلام والأمن» الذي عقد بالأردن في آب 2015 برعاية الأمير الحسين بن عبد الله.

نظرة سريعة على عناوين المؤتمرات وخطابات الدول والمؤسسات الخاصة بالشباب تساعدنا على معرفة الدور والوظيفة الموكلة إلى ما يسمى الشباب والشخصية التي يتم تكوينها وتعميمها. فالخطاب المشكل عن الشباب ينظر لهم باعتبارهم مشكلة من جهة وحلًا من جهة أخرى. فالشباب هو المنتج للتطرف كمشكلة وقدرته على صنع السلام هي الحل، الشباب هو المنتج للبطالة كمشكلة وإيمانه بعدالة السوق وتمتعه بالمهارات والروح الريادية هو الحل.


اقرأ أيضاً: الساسة الجزائريون يسعون لتأطير عنف الشباب


من خلال الاستحضار المستمر والمكثف للشباب، تُخلق هوية ونموذج عليه أن يؤدي العديد من الأدوار والوظائف السياسية التي تهدف إلى خدمة قوى السلطة من جانب وتكريس علاقات القوة بالمجتمع من جانب آخر. فالتحول الجديد نحو الشباب، كما تقول الأنثروبولوجية ميسون سكرية، «رغم أنه يبدو ظاهريًا مدفوعًا بالتزام حماية حقوق الشباب ومصالحهم، تنبع دوافعه العميقة من التزام بخدمة ائتلاف من المصالح السياسية والاقتصادية المهيمنة في المنطقة والمؤلَّفة من الولايات المتحدة، والشركات متعددة الجنسيات، إضافة إلى النخب العربية المتحكمة بالسلطة والمال»، ويتم هذا بداية من تكوين مفهوم للشباب خطابيا وثقافيا باعتباره هوية جامعة لفئة عمرية واسعة وتصويرها وكأنها وحدة اجتماعية وثقافية واحدة، لا تتمايز طبقيا واجتماعيا ولا تختلف سياسيا وايديولوجيا، ولا تحمل في داخلها أي تراتبية لعلاقات القوة.

في التركيز على ما يسمى بـ«الشباب» تحول هذا التوصيف «الفارغ دلاليا» كما يقول الأنثروبولوجي علاء العزّة في مقالته وهم «الشباب» إلى «عنصر تحليل» عند العديد من المؤسسات الدولية لفهم طبيعة عدم الاستقرار السياسي، قضايا الإرهاب والتطرف، ومسائل التنمية والاقتصاد في منطقتنا. وتعتقد هذه المؤسسات بالتعاون مع الدول أن دراسة الشباب و«مساعدتهم» ستؤدي إلى مكافحة الإرهاب وتعزيز الإصلاح الاقتصادي النيوليبرالي.

يتم هذا التحييد من خلال نزع السياسة والاقتصاد عن حياة الشباب. فهم أفراد يمثلون فئة محايدة متجاوزة لوحدات اجتماعية واقتصادية كالعائلة أو الطبقة أو النقابة، والتغيير يقع على كاهلهم كأفراد إن «أرادوا» و«آمنوا» بقدراتهم. هذه العلاقة الخطابية والبرامجية بين الدول والمؤسسات وبين «الشباب» تعمل على خلق نموذجين لشخصيتين ليبراليتين إحداهما مطواعة -كما تصفها سكرية- تعتقد أنها بشكل فردي «تتحمل مسؤولية فقرها وبطالتها» بعيدًا عن السياسات التي تطبق على مجتمعها، وشخصية مقابلة تصدر كمثال للشخصية الأولى، تمتلك المهارات الريادية والقدرات الإبداعية التي تمكنها من حل مشاكلها.

 

الذات مقياسًا للواقع

 

عودةً إلى فيلم ڤايس، لا نحتاج للكثير من التدقيق ليتضح لنا كيف يتم إبراز النموذج الأخير أعلاه، في سياقات مختلفة تتراوح بين تصور الحرب، إلى القدرة الاقتصادية، إلى النظرة للبلد الذي يعيش هؤلاء الشباب فيها. فبشكل متكرر في الفيلم، يتم إبراز التجارب الفردية لشباب «رياديين»، عصريين، متعلمين، يتقنون الإنجليزية، لا يكترثون بالمال، يبحثون عن «شغفهم» في الحياة، ولا يحبون السياسة. تجارب هؤلاء تُعلى كمثال لما يجب أن يسعى إليه أقرانهم، بغض النظر عن الشروط الاجتماعية والاقتصادية والسياسية التي أنتجت هذه التجارب، التي تُقدم بشكل ضمني في الفيلم كقصص نجاح، أو «إصرار على الحياة».

على طاولة في حانة مظلمة، تجلس شابة سورية لتتحدث عن شعورها حول العيش في دمشق. «شعوري هلأ بالوقت الحالي إني عايشة بالبلد هاي سوريا، مبسوطة إنه في experience عم بكسبها، أوك experience سيئة، بس once in a lifetime بتصير هاي الشي. يعني عالم غيري ما رح يقدروا يجربوا هاد الشعور، إنه civil war وقصص هيك. ومفلوجة بنفس الوقت، ماني كتير مبسوطة يعني، بس إنه good». هذه السردية، التي لا تحتاج الامتيازات المؤسسة لها لكثير من التفسير، لم تدخل الفيلم من قبيل تنويع الآراء فحسب. فبحسب توماس، منتجة الفيلم، كانت هذه الشابة مثالًا على الشباب السوريين الذين التقاهم فريق الفيلم ممن «لديهم إصرار على عيش حياة طبيعية من خلال التعلم والتفوق وتنمية مهاراتهم رغم أي شيء».


اقرأ أيضاً: اليمن.. أحزاب بلا شباب شباب بلا أحزاب


هذه المقاربة تكررت في عدة مقابلات في الفيلم. فالحديث عن الأمن والأمان مثلًا لم يتم سوى من وجهة نظر من يتمتعون به، ليتم تقديمه كمعطى مسلم به لا يحتاج لمساءلة. في أحد أزقة وسط البلد، تقف مصممة أزياء و«influencer» وتتحدث عن «الحياة في الأردن» بوصفها «الحمد لله الحمد لله، الله يديم علينا الأمن والأمان، حياة آمنة، مستقرة، جد استقرار، الواحد بقدر يحقق أحلامه فيها». تصبح الريادة في هذا الإطار أكثر من مجرد مثال على إمكانية النجاح الفردي، بل تكذيبًا لقلق الآخرين. فبما أن الحياة «آمنة» وبوسع مصممة أزياء صاعدة أن تحقق أحلامها فيها، فالأشكال الأخرى لانعدام الأمن -الاقتصادي تحديدًا- تصبح خارج النص. كاميرا ڤايس ذاتها تعبر في هذا الفيلم شوارع عمان ملتقطةً الباعة المتجولين وعمال الورش وطلاب الجامعات الضجرين في انتظار حافلاتهم. لكن كل هؤلاء «الشباب» خارج الحسبان حين يتعلق الأمر بالأمن والقدرة على تحقيق الأحلام.

وجود مثل هؤلاء «الكومبارس» الشفافين تكرر أكثر من مرة في الفيلم. في مقابلة مع أمّ شابة، تجهز السيدة الإماراتية نفسها وتتلفت حولها بعصبية فيما تركض طفلتها خلفها وتصرخ، وتجري وراءها العاملة المنزلية الآسيوية حاملة على ذراعها طفلا آخر. «شفتي الحياة اللي أنا عايشتها؟»، تقول السيدة بضحكة قلقة، قبل أن نستمع لها في مقطع لاحق من الفيلم وهي تؤكد أنها «وايد طبيعية في السوشال ميديا، إن كان في السناب تشات أو في إنستغرام».

 

المصاري وسخ إيدين

 

رغم تفاوت إجابات الشباب المقابَلين حول علاقتهم بالمال، أو مدى قلقهم بشأنه، أو «تعريفهم للفقير والغني»، إلا أن المشترك بين معظم الإجابات كان التفسيرات الثقافية لوضع مادي. فالفقر والغنى ليس أمرًا تحكمه علاقات قوى اقتصادية واجتماعية، ليس موقعًا قد يولد المرء ويموت فيه مقهورًا، بل «حالة» يدخل فيها ويخرج منها بإرادته الفردية. يجيب شاب من لبنان عن علاقته بالمال فيقول «هي فكرة المصاري اخترعوها العالم كرمال يتاجروا ببعض (..) بجرب قد ما فيي إتجنب المصاري بالنهار، أعمل قصص بعيدة عن المصاري». فيما ترى شابة سورية أن «الشخص الفقير بعتبره اللي ما عنده هالانفتاح، بضّله متحجر بشي معلّم عليه هو وصغير. بتشوفه بتزعل عليه. هاد الفقير، بغض النظر عن المصاري».

في هذا الإطار، يصبح مفهومًا كيف يدخل السؤال الذي وجهه المنتجون للشباب، «ما هي أغبى الأشياء التي أنفقت عليها مالك؟»، فصرف المال في هذا الإطار هو فعل رغبوي يمارس كتعبير عن هوية، وليس محكومًا بعوامل خارجية طاغية؛ هو فعل يعبّر عن نزعات المرء أو إدمانه أو شغفه، وليس عمّا يملك ترف المجازفة به. وحتى حين تتحدث فتاة إماراتية عن علاقتها بالمال في سياق مجتمعها، قائلةً «في الإمارات شي عادي إنه البنت تعيش ويّا أهلها لين ما تتزوج، فالحمد لله مو بلازم أدفع حق شقة ولا بيت ولا الأكل. فالفلوس اللي أحصّلها أصرفها على الجيم»، حتى عندها، تغيب عن الصورة آلاف النساء غير المتزوجات ممن هنّ في عمر تلك الشابة وفي محيطها، ممن تعتمد معيشة أسرهنّ على دخلهن، أو على الحوالات التي ترسلها نساء مغتربات شهريًا عبر الحدود.

 

إخفاء السلطة

 

في كل هذا، يغيب الحديث عن أي موقع يحتله هؤلاء الشباب إزاء السلطات في بلادهم. إذ يجري الحديث عن «السياسة» و«السياسيين» ككتلة واحدة صمّاء غير معرفة لا تسمح بأي توضيح للمواقف السياسية التي يحملها الشباب، فتصبح السلطات السياسية في هذه الدول مجرد رموز في الخلفية، بل يتم الاحتفاء بهذا التهميش بصفته تركيزًا على «الأفكار والتجارب اليومية للشباب العربي»، بعيدًا عمّا «قاله هذا السياسي أو هذا الرئيس، وبصراحة في كتير مننا مش فارقه معاه الحاجات دي حاليًا‎»، كما تقول المنتجة توماس. فالشباب الريادي المبدع لا يكترث بالسياسيين كما لا يكترث السياسيون به، وهو يمضي في مشروعه بغض النظر عن هذه التفاصيل، وكأن الشروط التي يصبح فيها «الإبداع» ممكنًا أو مستحيلًا ليست شروطًا مسيسة قلبًا وقالبًا. لا أسئلة عمّا يعنيه هؤلاء «السياسيون» لعشرات آلاف المعتقلين الشباب في السجون المصرية والسورية أو غيرها. هل هؤلاء أيضًا «مش فارقة معاهم» ما يفعله السياسيون الذين زجوا بهم في الزنازين؟


اقرأ أيضاً: الشباب العراقيون وسط كومة الخراب


وفي المقابل، تأخذ وصلات الامتنان للقادة والتعبير عن «الولاء للدولة» مساحة وافية في الفيلم. فرغم التركيز على عدم تسيُّس الشباب، إلا أن هذا التسيس له شكل واحد منبوذ، بينما لا يعد الاحتفاء بـ«الأمر الواقع» السياسي سوى أسلوب تفكير إيجابي.

 

خاتمة

 

من خلال مثل هذه الخطابات والبرامج، يُصنع «الشباب» بالاعتماد على «الجيلية» كمفهوم سطحي وفارغ دلاليًا يقوم على العمر كعنصر أحادي لا يملك أي قدرة على تحليل الظواهر. فكيف يمكن للشاب الفقير الذي لم يحصل على تعليم جيد ولا عمل يوفر له حياة كريمة أن ينظر إلى والده أو جارته التي تشاركه نفس الوضع الاجتماعي كـ«آخر» باعتبار أن الأخيرين ينتميان إلى جيل مختلف «متحجر»، «قديم»، لا يمكنه فهم اللغة ذاتها أو المشاركة في الحوار؟ في المقابل يراد من هذا الشاب نفسه أن يلحق بالنموذج الذي تسوّق له خطابات «الشباب» وتسعى لتكريس هيمنته، هو نموذج الشاب الحداثي، صاحب «المهارات» المطلوبة للدخول إلى السوق والاندماج به، الذي عليه أن يفكر ويتصرف كمشروع رجل أعمال، مغامر، مقدام، يؤمن بالسوق الحرة ويتحلى بالروح الريادية التي تميزه عن الفقير الذي يثقل كاهل الحكومة بسبب اعتماده المستمر والمفرط عليها. هذا الخطاب يذكرنا بخطابات التنمية التي تقوم على إمكانية لحاق «دول العالم الثالث» بالدول الغربية الرأسمالية «إذا شدت حيلها» أو تلقت مساعدات متناسية مئات السنين من التراكم الرأسمالي القائم على العبودية والاستعمار والاستغلال والحروب الذي يجعل من كل فكرة اللحاق بفعل الإرادة الحرة «أسطورة خيالية».

تقول توماس أنها وزميلتها المنتجة أوس الجزائري شعرتا بأن الشبان والشابات المقابَلين للفيلم «خلقوا بطريقة ما رابطًا بيننا وبينهم»، وأن هؤلاء الشباب «هم مثل أولاد العم البعيدين الذين لا تراهم كثيرًا ولكنهم مألوفين». قد يكون تغليف الفيلم بهذه «الحميمية» بالنسبة للمنتجتين بديلًا كافيًا عن المعالجة المعمقة والواقعية، لكن ذلك بالتأكيد لا يخلّص الفيلم من مسؤولية المشاركة في تكريس نموذج يسطّح واقع شرائح واسعة في المجتمعات العربية، ويقصي جوانب أساسية من تجاربها، ليظهّر شكلًا محددًا للشباب الذي «يناسب» نخبه الحاكمة ومن ورائها المؤسسات الدولية.