توالت في الأشهر الماضية أخبارإحتجاجات قام بها أساتذة جامعة نيويورك ضد إدارة جامعتهم وفرعها في مدينة أبوظبي على خلفية عدم وقوفهما ضد إنتهاكات حكومة الإمارات للحرية الأكاديمية، وضد ممارساتها التمييزية.  ومؤخراً، أعلن الأساتذة المحتجون وقف تعاملهم مع فرع جامعتهم في أبو ظبي، وطالبوا إدارة الجامعة بإتخاذ مواقف للدفاع عن الحرية الأكاديمية والبحث العلمي. وقد ساندت تلك الإحتجاجات "رابطة دراسات الشرق الأوسط لشمال أمريكا – ميسا" التي وجهت في الثاني من تشرين الأول / أكتوبر الماضي رسالة إلى رئيس جامعة نيويورك تحتج فيها على "معاملة فرع الجامعة في أبو ظبي لمواطنين أمريكيين وباحثين جرى التمييز ضدهم بسبب الطائفة والموقف السياسي".

ليست جامعة نيويورك وحيدة في صمتها تجاه إنتهاك حريات أساتذة وطلبة فرعها في أبوظبي. لذلك تستثير التغطية الإعلامية الأخيرة أسئلة حول ما تفعله فروع الجامعات الغربية، وخاصة إداراتها، في خدمة أنظمة الحكم القمعية في بلدان الخليج العربي، كما تشير إلى الحاجة للبحث عن العوامل التي جعلت وتجعل سلوك إدارات هذه الجامعات، وخاصة العريقة منها، ومواقفها تجاه الحريات الأكاديمية بما فيها حرية البحث العلمي والتعبير، لا يختلف عن سلوك الجامعات المحلية.  فعلى سبيل المثال، لا فرق في هذا المجال بين جامعة مثل جامعة السوربون وجامعة حكومية في أي بلد خليجي. فحين إعتقلت السلطات الأمنية في الإمارات في نيسان/ أبريل 2011 الدكتور ناصر بن غيث، المدرِّس في فرع السوربون هناك، صمتت إدارة جامعته. وكذلك صمتت إدارة جامعة البحرين حين إعتقلت السلطات الأمنية في الفترة نفسها الدكتورعبد الجليل السنكيس وفصلت أساتذة آخرين لمشاركتهم في حراك دوار اللؤلؤة في البحرين.

 

الجامعة الرسمية إشهارٌ لقيام الدولة

 

قبل ستين عاماً، إفتتح الملك السعودي سعود بن عبد العزيز أول جامعة سعودية. وظلت جامعة الملك سعود وحيدة في عموم منطقة الخليج والجزيرة العربية إلى أن أنشأت الكويت في 1966 جامعتها الوطنية. في السنوات العشرين التالية نشأت جامعات رسمية في بقية إمارات المنطقة، بما فيها تلك التي لم تكن في حاجة لجامعة.  إلا إن قيام مؤسسات التعليم العالي في المنطقة ساهم في توفير فرص لم تكن متاحة للحصول على التعليم الجامعي لأبناء وبنات الشرائح الإجتماعية محدودة الدخل.  كما أسهم في تغلب كثير من الفتيات على معيقات إجتماعية حصرت حرية السفر لطلب العلم في الذكور.

 

يرتبط إنشاء الجامعات الخليجية الرسمية إرتباطاً وثيقاً بنشوء سلسلة من المؤسسات الأخرى التي أقيمت لإشهار وجود "الدولة الخليجية"، فكما تحتاج "الدولة" لإشهار قيامها إلى علمٍ ورايات وأوسمة ونشيدٍ وطني وجيش، رأت كل عائلة حاكمة إنها تحتاج أيضاً إلى جامعة رسمية..


وعلى الرغم من عمرها القصير، إلا أنه من الممكن تقسيم تاريخ مؤسسات التعليم الجامعي في منطقة الخليج والجزيرة العربية إلى طورين. بدأ الأول في 1957 وشهد إنشاء الجامعات الرسمية في السعودية أولاً ثم الكويت وبعدهما بقية إمارات الخليج.  أما الطور الثاني فدشنه في 1993 إفتتاح أول فرعٍ لجامعة أجنبية في المنطقة. تبع تلك الجامعة عشرات الجامعات الأجنبية التي أسست لها فروعاً في مختلف بلدان الخليج.  
يرتبط إنشاء الجامعات الخليجية الرسمية إرتباطاً وثيقاً بنشوء سلسلة من المؤسسات الأخرى التي أقيمت لإشهار وجود "الدولة الخليجية". ولقد أرست الكويت بعد إستقلالها نموذجاً إستنسخته شقيقاتها مشيخات الخليج التي تخلصت في 1971 من الهيمنة البريطانية.  فكما تحتاج "الدولة" لإشهار قيامها إلى علمٍ ورايات وأوسمة وإلى نشيدٍ وطني وجيشٍ رأت كل عائلة حاكمة إنها تحتاج أيضاً إلى جامعة رسمية. فأدت الجامعات دورها التزييني كما قامت أيضاً بدورها في تخريج المتعلمين في الإختصاصات التي تحتاجها الإدارات الحكومية والمؤسسات الجديدة في دولة ما بعد الإستقلال.


اقرأ أيضاً: المجال العام في دول الخليج


وفرت الظروف والعوامل السياسية المؤثرة خلال الطورين للعوائل الحاكمة القدرة والوسائل لإحتواء التاثيرات غير المرغوب فيها لمؤسسات التعليم العالي على الأوضاع السياسية السائدة في بلدان المنطقة.  علاوة على ذلك، فلقد إبتلت الجامعات الرسمية منذ نشأتها بتشوهات خلقية جعلتها عاجزة عن الصمود أمام إشتراطات العائلة الحاكمة في بلدها وضغوطها. أما الجامعات الأجنبية، بما فيها الجامعات الغربية، فقد بقيت رهائن لمختلف المغريات، وخاصة التغطية المالية والتسهيلات اللوجستية، علاوة على متطلبات التوسع والإنتشار. هذه  العوامل مجتمعة ــ دون أن نشير إلى الفساد ــ جعلت حتى "أرقى" هذه الجامعات تتخلى عن الحدود الدنيا مما يتطلبه منها تاريخها ومكانتها وصيتها.  بل على العكس.  فثمة أمثلة كثيرة توضح كيف ساهمت الجامعات الخليجية الرسمية منها والأجنبية كمؤسسات، أوعبر طواقمها الأكاديمية، في إفشال محاولات توسيع هوامش الحرية الأكاديمية وحرية التعبير.

 

الطلاق البائن بين الجامعة والمجتمع في الخليج

 

طيلة السبعة عقود الماضية، منذ قيام أول جامعة خليجية، لم تتمكن جامعات المنطقة من التخلص من تشوهات ولادتها وأن تؤثر إيجابياً في محيطها. ومن أبرز تلك التشوهات واقع إنها مؤسسة حكومية غير مستقلة لا تختلف في وضعها القانوني والإداري والوظيفي عن بقية الإدارات الحكومية التي تنفذ ما تقرره لها العائلة الحاكمة. وفي غياب أدوات الحكم الديمقراطي تبقى الجامعة الرسمية ــ مؤسسة وطواقم أكاديمية وفنية ــ رهينة بيد السلطة السياسية.  ولهذا، فليس مستغرباً ما نقله الزميل ساري حنفي عن أحمد العيسى (رئيس سابق لجامعة اليمامة في السعودية ووزير التعليم حالياً) الذي وصف العلاقة بين الجامعة والمجتمع في بلاده بأنها "علاقة طلاق بائن". سبب هذا الطلاق البائن هو "التوجس المبالغ فيه لدى المسؤولين في الجامعات، ولدى المسؤولين في وزارة التعليم العالي، من منح الجامعات فرصة الانفتاح على قضايا المجتمع وإطلاق الحريات في مناقشة القضايا الحساسة، فحرصوا على ألّا يكون للجامعات موقف من هذه القضية أو تلك".


اقرأ أيضاً: التعليم الديني في السعودية


لا تختلف العلاقة بين الجامعات والمجتمع في بقية بلدان الخليج عن توصيف أحمد العيسى لتلك العلاقة في بلاده. إلا إن العوامل التي أدت إليها لا تنحصر في "توجس المسئولين في الجامعة أو الوزارة". فمن العوامل التي لا يمكن تجاهلها هو القمع الذي مارسته السلطات الأمنية طيلة العقود الماضية على مختلف شرائح المجتمع بمن فيها طلبة الجامعات وأساتذتها. وحتى بعض من صمد أمام القمع وجدت السلطة له أو لها منفذاً بطرق أخرى ووسائل وفرتها لها الطفرة النفطية وإحتكارها لتوزيع موارد البلاد.

 

مسلسل الإرتزاق الأكاديمي

 

دشن إفتتاح فرع لأحدى الجامعات الأسترالية في 1993 بداية لما أصبح تدافعاً ملحوظاً بين جامعات أجنبية على وضع يدها على جزء من سوق التعليم الجامعي في المنطقة. وهو سوقٌ ساهمت في توسيعه الإجراءات التي إتخذتها الولايات المتحدة الأميركية وغيرها من الدول الغربية بعد أحداث أيلول /  سبتمبر2001 في نيويورك وما تلاها.  جذبت السوق الجديدة جامعات مشكوك فيها لكنها وجدت موقعاً لها عن طريق شراكات بين أصحابها مع هذا أو ذاك من أمراء المنطقة.  أما الجامعات المعتبَرة وذات التاريخ الأكاديمي فلقد جذبها إلى الخليج التنافس الحاد بين أمراء الخليج على إغرائها بتقديم ما يلزمها من تسهيلات ودعم.
أسس حاكم قطر في 1995 "المدينة التعليمية" في الدوحة على مساحة عشرة كيلومترات مربعة لتكون مخصصة للجامعات الأجنبية. تكفلت قطر ببناء المدينة وتجهيزها، وهي تتولى عبر "مؤسسة قطر" صرف ميزانيتها التشغيلية. ولا يبدو إن هذه الجامعات في حاجة لتحمّل أعباء تذكر عدا مشقة الإنتقال. تضم المدينة التعليمية الآن، بالإضافة إلى جامعة حمد بن خليفة، فروعاً لجامعات كندية وهولندية وبريطانية بالإضافة إلى فروع لستِ جامعات أميركية.


الجامعات الأجنبية بقيت رهائن لمختلف المغريات، وخاصة التغطية المالية والتسهيلات اللوجستية، علاوة على متطلبات التوسع والإنتشار، وهذه  العوامل مجتمعة ــ دون أن نشير إلى الفساد ــ جعلت حتى "أرقى" هذه الجامعات تتخلى عن الحدود الدنيا لما يتطلبه منها تاريخها ومكانتها وصيتها


لا يُعرف المبلغ النهائي الذي صرفته قطر على "مدينتها التعليمية"، إلا أن من المتوقع أن يكون أكثر مما صرفته أمارة أبوظبي لإجتذاب واحدة من الجامعات المعتبرة.  إذ تشير التقديرات المتوفرة إلى أن كلفة بناء وتجهيز فرع جامعة نيويورك في أبوظبي بلغت مليار دولار لأمريكي تكفلت بها الإمارة. يضاف إلى هذا المبلغ ما تتحمله حكومة الإمارة من مبالغ لتغطية المصاريف التشغيلية للجامعة، علاوة على دعم رواتب الأساتذة والطواقم القادمة من نيويورك.
تتكرر هاتان الحكايتان بصور مختلفة في بلدان الخليج الأخرى التي تتنافس فيما بينها على إجتذاب ما يتيسر لها من جامعات ضمن الحدود التي تسمح بها مواردها.  لا يثير هذا التنافس إهتماماً خاصاً ولا هو بجديدٍ أو يستدعي العجب.  فمنذ الطفرة النفطية قبل أربعة عقود شهدنا نتائج تنافس حكام بلدان الخليج العربي فيما بينهم على شراء كل ما يمكن التباهي به دون بذل جهدٍ سوى دفع المال المطلوب. فلقد تنافس حكام الخليج على من منهم سيكون لديه أكثر الأبنية إرتفاعاً أو أكثر الملاعب الرياضية إتساعاً أو أكثر السباقات شهرة. وهم يتبارون على إستقطاب الرياضيين والرياضيات من أفريقيا وبلدان القوقاز وغيرها للتباهي بما يحصده هؤلاء من ميداليات وأوسمة. فلا حدود للتنافس على المكانة والمجد إلا ما توفره للشيخِ مواردُ بلاده.


اقرأ أيضاً: الغاز يرسم صورة قطر السياسية


يصرف الحاكم الخليجي الملايين وحتى المليارات لإجتذاب أدوات للمفاخرة كي يتباهى بها بين أقرانه وبين الناس. ولا تختلف أساليب تعامله مع تلك الأدوات، سواءً أكانت رياضية أو فنية أو أكاديمية. فهو حين دفع المليون أو المليار فإنه يتوقع أن تقوم كل أداة حتى ولو كانت جامعة راقية وعريقة بدورها في خدمته. العجيب إن جميع الجامعات الأجنبية، العريقة منها وغير العريقة، التي أسست فروعاً لها في بلدان الخليج خلال ربع القرن الماضي إستقرت في المنطقة ولم تجد ما لا يوافقها ويدفعها للإحتجاج عليه. فهذه الجامعات إستوعبت إن ما يريد الحاكم منها لا يتضمن الدفاع عن الحرية الأكاديمية.