تمثل "الزاوية" مورداً اقتصادياً لكل القائمين عليها أو المنحدرة أصولهم أو فروعهم من مؤسسها، أو من يمثلها في المغرب، من خلال الهبات والتبرعات التي يمنحها "المخزن" لها كل عام أو كل موسم، علاوة على تلقيها "التبرعات والهدايا والعطايا" التي يقدمها الزوار الذين يعتقدون أن في تقديمها بركة لحمايتهم من السحر أو العين.
والزاوية بذلك مؤسسة، وليست فحسب مكاناً للزيارة أو للتبرك. وأما "المخزن" في المغرب فهو تعبير مستخدم منذ القرن السادس عشر مع بدء حكم السلاسة السعدية ويشمل تقليدياً الملك والنخبة الحاكمة والاعيان وملاك الاراضي وزعماء القبائل وكبار العسكريين الخ.. ويتجسد أيضاً في "بيت المال" أي الضرائب والإتاوات النقدية والعينية التي تجمعها السلطة من الخاضعين لها مباشرة. وقد كان يشار الى المناطق المتفلتة من سلطة المخزن ب"بلاد السيبة" أو التمرد.
تاريخياً، اعتمدت الأسر التي حكمت المغرب على القبلية لتثبيت أركان حكمها، فاعتمد الأدارسة على قبيلة أوربة والمرابطون على صنهاجة والموحدون على مصمودة والمرينيون على زناتة. واعتمدت عدة عائلات حكمت المغرب على الزوايا من أجل تركيز حكمها، من قبيل: اعتماد الوطاسيون على الزاوية الدرقاوية، والسعديون على الزاوية الجزولية، والعلويون على الزاوية الناصرية في المرحلة الأولى ، ثم ولّوا وجههم شطر الزاوية التيجانية، وبعد ضعف هذه الأخيرة تحولوا إلى دعم ومساندة الزاوية البوتشيشة، التي تكشف الوثائق أن الطريقة التي اعتمدها مؤسس الزاوية،  سيدي بومدين، هي الطريقة العليوية، وهي خليط بين القادرية  والدرقاوية، على الرغم من نكران اتباعها لصحة هذه الرواية، وكتابتهم الزاوية "القادرية البوتشيشية" على اللوحة بدل "الزاوية البوتشيشية".
فهل لا زالت مؤسسة "الزاوية" تدر مالاً كثيراً على المنتسبين إليها اليوم؟ وهل لا زالت تلعب أدوارها الدينية والسياسية والاجتماعية في المغرب؟

 

مؤسسة مهمة وتبيض ذهباً

 

رمزياً فإن مشهد تناثر الأموال على أتباع الزاويا بالمغرب هو ذاك الذي تعرفه قرى في المنطقة الشرقية للبلد بمناسبة ذكرى ميلاد نبي الإسلام، حيث يقف رجلان وفي يد كل منهما كيس كبير، أمام ردهة تؤدي إلى مكان يوجد به "مقدم الزاوية" الذي يجلس على سرير ويحيط به بعض المريدين وهم يغنون بعض الأشعار التي تقول أنه "ضيف بيت العزة". يطلب الرجلان من كل راغب في مشاهدة "الشيخ" برمي الزيارة داخل الكيس في إشارة إلى الأوراق المالية، قائلين باللسان الدارج "الزيارة أسيادنا، الزيارة أسيادنا" فيمتلئ الكيس في لحظات نظرا لكثرة عدد الزوار. نجاح الزاويا اليوم في البلد في الترويج للفكر الخرافي القدري الاستسلامي الذي يشيع كرامات وأساطير عن زعماء الزوايا، جعل الأموال تتقاطر على خزائنها تباعاً.

 

الفرق بين زوايا اليوم والأمس

 

عملت الزوايا خلال القرون الفائتة على نشر الفكر والعلم والقيام بأعمال اجتماعية جليلة. بيد أن بعضها تحول اليوم إلى مؤسسات تنظم طقوساً تدر ذهباً، و تحول بعضها اليوم إلى ما يعرف لدى منتقديها ب"أوكار النصب والاحتيال"، إذ يصعب أن يجد مدعي الصوفية اليوم في المغرب من يشهد له بأنه ولي عالم رباني..
زعماء بعض الزوايا اليوم كسالى يعشون على الهبات والهدايا، وهناك فرق كبير بينهم وبين الشيوخ القدامى الذين كانوا يحرثون. اشتهر عبد الرحمن بن ابراهيم التغرغرتي بالعمل في حقله وكتب كتاباً في مجال الفلاحة، ضاع ولم يبلغ الخلف. ويقول السوسي محمد المختار عنه أنه كان" يعتني بغرس الأشجار بيده كاللوز والتين الشوكي، وتعد له ألف شجرة، أدركها كلها، وتؤتي أكلها تحت بصره، وكان كلما حفَّظ تلامذته أو فرغ من دروسه، يذهب بالطلبة إلى معاينة الغرس، يريهم كيف يصيغون، ولا يزال كل ما غرسه موجوداً إلى الآن، ولم يكن الفأس والقفة يفارقانه".


اقرأ أيصاً: اقتصاد القبر وامتداداته في حياة المغاربة


لا تبدو على من يوسمون اليوم بـ"شيوخ وزعماء الطرق والزوايا" مظاهر الشقاء والتعب والكد، خدودهم كأنها جلنار، وبطونهم بارزة بعد أن أبطرتهم النعمة، يرفلون في النعيم بفضل الهبات والهدايا التي يغدق بها عليهم "المخزن" والمريدين. يركبون سيارات فارهة، شأن مشايخ الفضائيات. وقد تحولت بعض الدور التي  تعتاش على رمزية "الزوايا" حزباً سياسياً يناصر النظام القائم ويعارض كل المطالبين بالتغيير والحريات.

يقول مارسيل بودان عن شيخ زاوية تامكروت محمد بن ناصر الدرعي "لم يزل مقيماً بالزاوية مجتهداً في إقامة دين الله وإحياء سنة رسول الله وإخماد البدعة وإطعام الطعام للوارد والصادر محتملاً لأذى جيرانه وولاة الأمر من زمانه".
تنشر الزاوية اليوم فكراً يدعو الرعايا المغاربة إلى الخنوع والاستسلام والخضوع للحكام والرضى بالفقر والقهر والجوع، وتتهم السماء بتفقير وتجويع المغاربة، كأن السماء هي من نهبت ثرواتهم، وهربت أموالهم إلى الخارج. تذم الزاوية وتجرم استخدام العقل وتشجع على الاعتماد على النقل والتواكل، وتعتمد على المواسم لترويج هذا النمط من التدين.. يعيش المخزن في سلام!
ويمنع على المريد أن يناقش أقوال الشيخ، كما يمنع على المستمع أن يناقش خطبة الفقيه. السمع والطاعة أو الاتهام بالخروج عن الدين: خياران لا ثالث لهما. وهذا سر تلقيها دعماً مالياً لا يحصى ولا يعد من طرف مؤسسة "المخزن".

 

تمائم الزاوية في خدمة السينما والفن

 

برع مدير إحدى المؤسسات الخاصة التي تدرِّس السينما وعلوم الإعلام بالعاصمة الاقتصادية بالمغرب، على جلب تمائم من إحدى الزوايا التي تزعم أنها تنظم أكبر تجمع لمريدها وأتباعها. يدسها في لوحات فنية معلقة على جدران المؤسسة، لتبارك في الأموال التي يحصدها في الأسبوع الأول من كل شهر من عرق آباء المتدربين الكسالى. علق مدير الوكالة المتخصصة في بيع دبلومات للكسالى صورة "لمقدم الزاوية" وعليها كتبت صورة يس، مما يوحي لكل مشاهدها من العوام أن المعني بالآيات هو زعيم الزاوية. ولإيهام ضحاياه، يعمد المدير المضلل إلى حمل سبحة وترداد كلمات غير مسموعة أثناء إجراء حوار مع  أباء وأولياء المتدربين.

 

عملت الزوايا خلال القرون الفائتة على نشر الفكر والعلم والقيام بأعمال اجتماعية جليلة. بيد أن بعضها تحول اليوم إلى مؤسسات تنظم طقوساً لتدر ذهباً، وتحول بعضها اليوم إلى ما يعرف لدى منتقديها بـ"أوكار النصب والاحتيال"

 

وبعد انقضاء سنتين يفطن الأباء الى أنهم تعرضوا لأكبر عملية تضليل من طرف المريد الذي يدعي التدين والإيمان. التظاهر بالتصوف والصلاح سلاح خطير للإيقاع بالبسطاء والعوام كما بالأغنياء في المغرب ولنهب أموالهم بالحيلة. وعند اقتراب الموسم يحاول المدير استقطاب المتدربين للحج إلى "الزاوية المقدسة". يرفضون. يدفع لهم رسوم الرحلة ذهاباً وإياباً وثمن الطعام، ويرشيهم بالأموال لزيارة "مقدم الزاوية المقدس والمعظم" لرفع عدد الزائرين، وللمساهمة في الدعاية الإعلامية.

 

الزاوية الحزب

 

تتلقى الزاوية دعما مالياً من قبل المخزن، على الرغم من أنها ليست حزباً أو نقابة أو جمعية قانونية. احتج السلفيون والحقوقيون على دعم المخزن للزاوية، فأوصت النخبه المخزنية الزاوية وأتباعها بتأسيس مؤسسة لتلقي الدعم بطرق شرعية.
يصف أتباعها زيارتهم للشيخ بالحج، ويشبه بعضهم الأراضي التي تتواجد بها الزاوية ب"الأماكن المقدسة" و"بالبقع الطاهرة".

 

المعارضون لمؤسسة الزاوية

 

يدور صراع بين الزاوية والسلفيين الذين يدْعون الرب الى أن يخزي  الزاوية ومريديها، وينعتون ما يقومون به  بـ"الشرك بالله"، ويسأل التيار السلفي الله السلامة والعافية، وألا يخسف بهم الأرض بسبب سلوك الزواية والرقص والغناء في طقوسها، ويصفونها بأنها ليست من الإسلام ولم يتبث أن نبي الإسلام كان يقوم بها. ويتهم المنتقدون الزوايا والطرق بالمغرب بأنها تروج للعقيدة الأشعرية، وأن رؤوسها يعيشون عالة بلا عمل، بينما أورد العربي الدرقاوي أنه "ألح أتباع الطريقة الوزانية على ضرورة الكسب باحتراف الفلاحة وتربية الماشية، وجعلوا من ذلك ركناً أساسياً في طريقتهم. وحرموا على أنفسهم ممارسة ما يسمى بعلوم التدبير من سحر وتنجيم وما شاكلهما، لأنها مدعاة للكسل ومحرمة شرعاً. وتلك أهم خصائص تصوف أهل السلوك في الظاهر المعلوم".


اقرأ أيضاً: الزوايا والأضرحة بالمغرب بين المتخيل والمقدس


لم تعد أغلب الزوايا تلعب الدور الذي أنشئت من أجله، لم تعد تنشر العلم ولا تطعم الطعام، وتعمل على نشر السلم والصلح بين المتخاصمين، إذ تحول بعض أتباعها إلى ساسة يقدون نار الفتنة وينشرون العنصرية والعنجهية المبنية على أساس عرقي قبلي، والتميز بين الناس على أساس السمو ونقاء العرق وصفاء الدم. وتحولت  مقرات بعض الزوايا إلى أوكار للنصب والاحتيال على المؤمنين بتفرد المنتمين إليها ببركات وقدرات خارقة، فيبتاعون التمائم من الزوايا للحصول على زوج أو شغل، أو إدعاء أن ريق المنتميين إليها فيه بركة وشفاء.