"كما ترون، نحن في بلدة صغيرة اسمها سيدي بوعلام، بنواحي مدينة الصويرة. هؤلاء النسوة، أرامل، أمهات ومطلقات، وأيضا بعضهن حوامل، يقفن هنا منذ الصباح الباكر، كل عام يأتين من أجل حفنة طحين لأولادهن، ينتظرن في طوابير طويلة من أجل قفة. هن مقهورات، أنا أتأسف لحالهن". بهذه الكلمات وصفت متحدثة عبر مقطع مصوّر ما وقع قبل فاجعة الصويرة (جنوب المغرب) يوم الأحد الماضي، والتي راح ضحيتها 15 امرأة بسبب تدافعهن من أجل قفة مساعدات غذائية لا تتجاوز قيمتها 16 دولاراً، وتتضمن كيس طحين وليتر زيت وعلبتي شاي.. في بلد يصدر نصف حاجياته الغذائية للعالم، ويعد بمثابة سلة غذاء للاتحاد الأوروبي، يرسل الحوامض والخضار والأسماك التي لا يراها المغاربة سوى في برامج الطبخ الأوروبية.

 

في تفاصيل الكارثة

 

في تفاصيل القصة، يؤكد شهود أن الوافدين معظمهن نساء من مناطق وبلدات وقرى مجاورة لبلدة سيدي بوعلام، تجاوز عددهم الـ3500، في حين أن عدد القفف أقل. لذلك وقع التسابق بين المنتظرات. المركز المغربي لحقوق الانسان أفاد في تقرير له أن بعض النسوة مارسن "سلوكيات عنيفة، إذ استعملن إبراً لوخز بعضھن البعض بغیة إفساح الطریق لبلوغ باب مقر منح المساعدات. وبسبب السب والشتم والتشابك بالأیدي، صدرت أصوات النجدة والصراخ قبل وقوع الحادثة، ما خلق ھلعاً في أوساط النساء، تسبب في تدافعھن بشكل عنیف وھستیري، نجم عنه دھس بعض اللواتي تعرضن للاختناق والرفس بالأرجل، وتسبب بوفاة بعضھن". ويضيف التقرير أنه على الرغم من "العدد غیر الكافي من الحصص، استمرت عملیة تسلیم المؤونة"، وحصلت أشكال متعددة من المحاباة والزبونیة والوساطة في العملیة، حسب ما راج بین المواطنین.
ويرجع بعض المسؤولين سبب الفاجعة للفوضى وعدم حضور رجال أمن وأعوان السلطة بشكل كافٍ لتيسير عملية تنظيم سنوية تشرف عليها إحدى الجمعيات الخيرية التابعة لمقرء ديني معروف في مسجد بأفخم أحياء الدار البيضاء.


اقرأ أيضاً: المغرب.. هل ثورة البؤساء قادمة؟


أوامر عليا صدرت بفتح تحقيق في الواقعة، ومسؤولون محليون "يتحسسون رؤوسهم" - حسب تعبير الصحافة - بعد أن وصلت الفضيحة إلى عوالم الانترنت ومواقع التواصل الاجتماعي، ووصل صداها إلى صحف ومنابر دولية، وصفت بعضها بشكل متعالي البلد بأنه مهدد بالجفاف وأن النسوة تهافتن بطريقة "جنونية" على الطعام، في حين ترى واشنطن بوست في مقال لها بأن قفة المساعدات كانت بمثابة "هبة يوم الأحد" لأسر ترزح تحت ويلات الفقر.
مغاربة، كعادتهم في كل حدث مفجع، تبادلوا صورا وعبارات تعبر عن لطم  فايسبوكي مجتر. آخرون حملوا المسؤولية للنساء كونهن "غير متحضرات" في تعاملهن مع الموقف، فيما يرى نشطاء أن النسوة هن ضحية فشل سياسات تنموية لا يستفدن من ثمارها بشكل مباشر.

 

..علّمني الصيد

 

لا يستسيغ المغاربة إجمالاً تقديم المعونات للفقراء في مشهد يذكّرهم بما يرونه في دول منكوبة أو غارقة في آتون الحروب، ويفضلون توفير عمل مدر لدخل يصون كرامة الإنسان، بعيداً عن مقاربة إحسانية زائفة غرضها الوجاهة الاجتماعية أو السياسية. فالنساء الحاضرات في الفاجعة يعتبرن خزانا انتخابيا لبعض السياسيين، ويتم استغلال فقرهن بغرض كسب مزيد من الأصوات بغية نيل مقعد في المحليات، أو كرسي مريح في  البرلمان.
ويبدو أن مشهد التدافع العنيف يختزل صورة الصراع الأفقي بين المغاربة: الثروة موجودة بوفرة لأقلية متحكمة، أما الباقي فمجرد فتافيت يتطاحن من أجلها عامة الشعب. لذلك يُثار فعلا سؤال الملك: أين هي الثروة؟ وهي تقدر وفق آخر دراسة للمجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي، بما يزيد عن 12.833 مليار درهم سنة 2013 أو تريليون دولار. فماذا إذا تم توزيع هذه الأموال على المغاربة بالتساوي؟ أما الثروة الطبيعية (تضم الأراضي الفلاحية والرعوية والغابات ومصايد الأسماك والموارد المعدنية والطاقية والمناطق المحمية)، فقد تضاعفت بنحو 2.4 في المئة في ظرف 15 عاماً.


اقرأ أيضاً: زاكورة المغربية.. قطعة من العطش


هؤلاء النسوة، يعشن على ما تثمره شجرة أركان، لتحويله إلى زيت بغرض بيعه لاحقاً. كل ذلك من أجل توفير كسرة خبز لأولادهن. والسؤال المطروح هو ماذا سيفعلن وإلى أين سيذهبن بعد أن يقل انتاج الأركان بسبب تأخر الأمطار. بطبيعة الحال سيهاجرن من القرية. المدينة فرصها صعبة، كما يصعب عليهن الإندماج فيها، "هن ولدن ليكسبن قوت يومهن من الأركان"، تردف المتحدثة ذاتها في مقطع فيديو الفاجعة. كلامها يلخص أن خطر الجفاف يستهدف الانسان الريفي، وقد أعلن قبل أيام عن "خارطة طريق لضمان سير الموسم الفلاحي"، درءاً لمخاطر الجفاف المحتملة. ولكنها خارطة لا تستهدف بالأساس على ما يبدو نساء تلك القرى المنسية، وقد يتكرر مشهد انتظارهن من أجل حفنة دقيق. ومعلوم أن نسبة الفقر في هذه المنطقة تصل إلى 28 في المئة والهشاشة الاجتماعية تقدر بـ36 في المئة، إذاً الفقر هنا حاضر بقوة، لكنه ليس رجلا لِيُقْتَل.