مع بداية كل موسم دراسي بالمغرب، يتجدّد قلق التعليم: مرتبات متأخرة، تلاميذ لا يستوعبون خوارزميات الرياضيات ولا لغة موليير ولا حتى قواعد الجاحظ. الدولة اعترفت بفشل المنظومة التعليمية، والوزير أفصح بأن التعليم "مريض".

 

الوصفة: صباغة وسبورة ومقاعد

 

ينتظر المغاربة دوماً اصلاحا جذرياً لمنظومة التعليم. لكن غالباً ما يأتي وزير يكتفي بتغيير عناوين الكتب المدرسية أو أغلفتها أو وعائها الزمني. يذهب وزير ويأتي آخر، ويفرض على المدرسين مشروعاً "اصلاحياً" منقولاً على الأغلب عن مناهج تربوية مستقاة من الخارج تفشل في التوطن والاستقرار في أذهان الطلاب.
الوزير الجديد آتٍ من "الداخلية". في البداية خاف من خاف، وتخيل البعض الرجل بزي شرطي يحمل عصا، الرجل نفى وأكد أنه جاء بتشريف ملكي ليصلح الأعطاب ويرمم ما أفسده السابقون. لسنوات متتالية، وضعت منظمات ومؤسسات دولية وأخرى اقليمية ومحلية تقاريراً وأبحاثاً وإحصائيات تؤكد أن المدرسة المغربية تحتاج لإصلاح جذري في طرق ومناهج التدريس. أي أن المقاربة الضبطية البوليسية تجاوزها الزمن، والحفظ والاستذكار لن يجديا في عصر الويب والمعلومة الجاهزة، وكثرة الكتب والدروس لا تسمن. وزير التعليم المغربي، من جهته، وجد الوصفة السحرية لإنقاذ التعليم: الصباغة! مؤكداً أكثر من مرة بأن المدارس تحتاج لظروف مريحة للتعلم، ولا صفوف مهترئة بعد اليوم، و"نحن نريد تأهيل مدارسنا بصباغتها وتوفير المقاعد والسبورات والوسائل التعليمية".

 

تفاعلات

 

المعترضون اعتبروا الأمر ترقيعاً ومحاولة لتسكين الجروح. والتعليم في نظرهم يحتاج لعملية جراحية عميقة. المؤيدون من جهتهم هللوا لهذه الخطوة، معتبرين إياها مرحلة أساسية، وتمهد الطريق نحو إصلاح عميق.
في المقاهي، كما في الاستراحات وفي المجموعات الفايسبوكية، يتبادل المدرسون فيما بينهم النقاش عن جدوى هذه الخطوات بتحفظ وحذر شديدين. البعض يعلّق بغضب احتجاجي "الزواق من برا آش خبارك من الداخل"، أي أنها زينة من الخارج تغطي جوهرا مليئاً بالعيوب.


اقرأ أيضاً: التّعليم في المغرب أو الجدارُ الآيل أبداً للسقوط


على النقيض، هناك من يطالب بالكف عن هدر ميزانية الدولة في مثل هذه الاصلاحات، وتوجيهها في الرفع من أجر المدرس الذي يعادل 500 دولار وتحسين إطاره المهني. آخرون يرحبون بقرارات الوزير كونه يزور كل أقاليم ومناطق البلد ويجول فيها لرصد خروقات المسؤولين والمدرسين. لم يقلل مدرسون وتربويون من أهمية هذه الاصلاحات التي تركزت أيضا على ما هو تربوي، كتوظيف آلاف المدرسين المتعاقدين، الأمر الذي ساهم في التخفيف من ظاهرة الاكتظاظ في الأقسام. وهناك بالمقابل من يرفض ما أقدمت عليه الوزارة في توظيف لجيش من المتعاقدين من دون تكوين يضمن لهم مسيرة مهنية جدية. مدرسون آخرون يؤكدون أن الإصلاح يبدأ من الصفر، أي التعليمين الأولي والابتدائي، وهؤلاء يشيرون لظروف التدريس في العالم القروي، حيث لا ماء ولا كهرباء ولا طريق يخرجهم من ظلمات دواوير (تجمعات سكنية) خارجة عن وعاء الزمن.

 

أين الطبيب؟

 

"نحن لسنا بلداء حتى نعتقد أن إصلاح التعليم سيكون بالصباغة والسبورة.. الإصلاح الجذري بيد الأساتذة"، هكذا يرد وزير التعليم المغربي على منتقديه، ويرفع الحرج عن نفسه، فهو ليس طبيباً ليداوي الجراح الغائرة حسب كلامه. الكرة إذاً في مرمى المدرس، والمدرس يرميها للوزارة وتخبطاتها، هو يعتبر ما قاله الوزير تملصاً وهروباً من المسؤولية. والمدرس ليس منظراً للمخططات التربوية. هو أول من تطبّق عليه المذكرات والقرارات الوزارية التي تهبط عليه من مكاتب الرباط المكيفة إلى قسمه المتهالك في قرى ودواوير مقفرة ومنسية.
لا وجود إذاً لا في الوقت الحالي ولا الماضي لإرادة سياسية جادة لإصلاح جذري، وتفريخ أجيال من الضائعين والسطحيين أكبر دليل. ولعل صرخة السوسيولوجي محمد جسوس تختصر المشهد عندما قال: "إنهم يريدون خلق جيل من الضباع". ونُذَكِر على اية حال بأن الطبيب لا يجري عملياته الجراحية لوحده.