مقابلة لـ"مدى مصر" مع نهلة الشهال رئيسة تحرير "السفير العربي"

 

عمر سعيد

 

فتحت استقالة رئيس الحكومة اللبناني سعد الحريري، قبل أيام، الأبواب للتكهنات والتحليلات السياسية، في بلد يعاني منذ 2006، عقب العدوان الإسرائيلي عليه، من حالة غير مستقرة، أقرب إلى أن تكون ما يسبق السقوط من على الحافة.  
عقب الاستقالة في الرياض، والتي أذيعت حصرًا على قناة «العربية» المملوكة للسعودية، قال البعض إن القرار جاء بعد ضغط سعودي، فيما حَلّل البعض الآخر القرار بأنه كان سعوديًا بالكامل، ولم يكن بسبب ضغط المملكة فحسب.
نالت التحليلات من علاقة الاستقالة بما يحدث إقليميًا، فرأت بعض الآراء أنها توفر الغطاء لعمل عدواني يستهدف لبنان بذريعة مواجهة النفوذ الإيراني في المنطقة، وهي الحجة التي تلقى تأييدًا أمريكيًا وخليجيًا وإسرائيليًا كذلك.
وبقدر وضوح الاستقالة جاء تعليق أمين حزب الله، حسن نصر الله، واضحًا وحاسمًا. في حين قال الحريري «أشير وبكل صراحة ودون مواربة إلى إيران، التي ما تحل في مكان إلا وتزرع فيه الفتن والدمار والخراب (..) وللأسف وجدت من أبنائنا من يضع يده في يدها، بل ويعلن صراحة ولائه لها والسعي لخطف لبنان من محيطه العربي والدولي أقصد في ذلك حزب الله الذراع الإيراني». بينما علق نصر الله «الاستقالة كانت قرارًا سعوديًا، أُمْلَى على الرئيس سعد الحريري وأجبر عليه.. لم تكن نيته ولا رغبته ولا قراره. نقطة ومن أول السطر (..) حتى النص المكتوب، نحن اللبنانيين نعرف أدبيات بعض. هذا النص ليس نصًا لبنانيًا.. كتبه سعودي ورئيس الحكومة قام بتلاوتها».
الأمر لم يقف عند حدود الاستقالة والإرغام عليها، بل أشارت بعض التسريبات السياسية إلى إمكانية أن يكون الحريري قيد الإقامة الجبرية بقرار من ولي العهد السعودي محمد بن سلمان، وذلك حسب ما نشرته «الأخبار» اللبنانية حول لقاء رئيس المجلس النيابي اللبناني نبيه بري مع الرئيس عبد الفتاح السيسي في شرم الشيخ، الإثنين الماضي، وتحدث الأخير عن خشيته من أن يكون الحريري «قيد الإقامة الجبرية». فيما قال وزير الدولة السعودي لشؤون الخليج ثامر السبهان، أن المملكة ستعامل لبنان كحكومة إعلان حرب عليها، بسبب «حزب الله».
يحاور «مدى مصر» أستاذة علم الاجتماع السياسي ورئيس تحرير موقع «السفير العربي»، نهلة الشهال، للحديث حول كل هذه النقاط.


كيف ترين استقالة رئيس الحكومة اللبناني سعد الحريري، بالشكل الذي أعلنت به، ومضمونها؟


يثير الإعلان عن الاستقالة بهذه الطريقة سجالًا كبيرًا في لبنان حول دستوريته وقانونيته. لكن ذلك ليس هو الأهم، على الرغم من أن الحفاظ على الآليات والأصول في ممارسة السلطات أمر ضروري، وهو يكاد يكون الجزء المتبقي من الدولة كمؤسسات، على اعتبار أن الباقي سلطة تمارس العسف، وتشتهر بالفساد، وهذا في لبنان كما في سواه.
وأما في الوقائع، فقد قال رئيس الوزراء إنه اكتشف وجود مؤامرة لاغتياله، بل وأنه نجا بأعجوبة من محاولة من هذا القبيل، ما يبرر الاستقالة من الخارج، وعبر تصريح تليفزيوني. وهو ما نفته فورًا وبشكل قاطع السلطات الأمنية، من جيش وفرع معلومات (وهذا الجهاز الأخير للحريري نفوذ كبير فيه)
كما أن هناك إشاعة كبيرة في لبنان تقول إن الحريري أُرغم على الإدلاء بتصريحه، بل وحتى في سياق الاعتقالات الجارية هناك (بالسعودية) إنه موضوع في الإقامة الجبرية. يبقى من كل ذلك أن الحريري، بإرادته أو مرغمًا، تصرف بما يضر كثيرًا بشخصه من ناحية، إذ يظهره مصابًا بالرعب، وبكل الأحوال كخاضع لأوامر السعودية بشكل فج. وهذا يطرح مسألة «الارتهان للخارج». فلو أن ما يعيبه الحريري والسعودية على حزب الله هو ارتهانه لإيران، فنحن هنا وبالتوازي، أمام برهان على ارتهان للسعودية لا يراعي حتى الشكليات والمظاهر.


وهل ترتبط الاستقالة بالتغيّرات الكبرى التي تشهدها العائلة المالكة في السعودية؟

 

لا أعتقد أن لاستقالة الحريري علاقة بما يجري في السعودية من تصفية لكل رؤوس السلطة واختصارها بشخص ولي العهد. وهذا بذاته في غاية الأهمية، وهو يُطال توازنات عائلية، وحتى قبلية، تُشكّل إحدى مرتكزات سلطة آل سعود، بمقدار ما الريع النفطي هو مرتكزها الآخر، والروابط مع التيارات الوهابية مرتكزها الثالث.

 

تعامل الكثيرون بذهول مع قرار الاستقالة، وأثارت تخوفات.. كيف تقيمين أثر ذلك القرار على الوضع اللبناني؟

 

الاستقالة تثير بالطبع أزمة كبرى في لبنان ومخاوف. البلد هش للغاية ودقيق التوازنات ويعيش حالة قلق على الدوام، كما هي صفات آليات اشتغال الإدارة السياسية له. النأي به -وهو لم يكن «نأيًا بالنفس» على الرغم من رغبة معظم اللبنانيين بذلك ما عدا بعض الرؤوس المشتعلة كما يقال، بل كان قرارًا دوليًا بموافقة إقليمية إلى حد كبير، أو بتسليم على الأقل- نجح في منع انفجاره (لبنان) وخصوصًا خلال سنوات الحرب السورية، على الرغم من وفود مليوني لاجئ إليه وهم يوازون نصف عدد سكانه، وعلى الرغم من تورط حزب الله المباشر والمتصاعد في القتال هناك والتوتر الكبير الذي سببه ذلك، وأيضًا الكلفة البشرية المهولة التي تكبدها هو نفسه.
وبالمناسبة، فقد حاول نظام بشار الأسد الضغط لإخراج لبنان من هذه الوضعية «المحايدة»، كما ضغطت السعودية مرات في هذا الاتجاه. وهي كانت قد قادت تحالف الدول الخليجية التي قررت مثلًا مقاطعة لبنان سياحيًا (منع مواطنيها من زيارة لبنان) وذلك قبل الحرب السورية، بل منذ ما يقرب الآن من عشر سنوات، مما أضرّ في الصميم باقتصاده. كما سحبت أو جمدت إيداعات مصرفية خليجية، وهناك إفلاس «أوجيه» (يملكها الحريري في السعودية) مثلًا، وجُلّ عامليها لبنانيين وهم بالآلاف، وقد عاد من تمكن منهم بلا مستحقاته أو بجزء منها بعدما خسر عمله. كما كانت هناك تهديدات دائمة بطرد اللبنانيين من السعودية، ومن دول خليجية أخرى، كشكل من الضغط على سلطات لبنان، ولكنها كلها بدت أقرب للانتقام في صراعات الحارات منها لأي شيء آخر.

 

ما رأيك في التحليل القائل بأن استقالة الحريري توفر غطاءً لعدوان عسكري على لبنان تحت ذريعة مواجهة النفوذ الإيراني؟

 

أعتقد أن نتيجة الصراع الذي دار في سوريا تغضب كثيرًا السعودية. فبشار الأسد بقي؛ حتى لو كان في غاية الضعف ومرتهن في وجوده للحضور الروسي في بلاده وللدعم الإيراني. والسعودية والإمارات وقطر عملت كثيرًا وماديًا (سعيًا) لنتيجة أخرى. وأعتقد أن ذلك يغيظ الأمريكان، وإسرائيل أيضًا، ولاسيما أن الساحة السورية دُوِّلت بالكامل، وتحقق فيها ترسيخ غير مسبوق للنفوذين الروسي والايراني، في كافة المجالات، وليس في الجانبين السياسي والعسكري فحسب.
يبقى السؤال حول مدى وغايات تفجير هذه الأزمة مع استقالة الحريري هذه.  تمهيد لحرب؟ يحتاج الأمر إلى بهارات إضافية، ليس من المستحيل طبعًا توفيرها وخصوصًا إذا قسنا على ما ارتكبته السعودية في ظل محمد بن سلمان في اليمن، وهي مغامرة مرعبة دمرت هذا البلد وتفتحه على المجهول، ولكنها في الوقت نفسه كلّفت السعودية ما ينهكها تمامًا. كما أنه لا أحد يعلم كيف يمكن إنهائها. صحيح أن اليمن جارة السعودية التي لطالما استضعفتها، وأنه جرى استقواء عليها على أساس أن لا أحد مهتم بأمرها (في بداية الأمر على الأقل، وهو ما يزيد من رعونة شَنّ الحرب عليها، فوق مجانية ذلك)، وأن لبنان في وضعية مختلفة لأسباب عديدة (إسرائيل المحاذية، التوازن العددي للكتل المذهبية والدينية فيه، علاقاته الدولية الخ.. )، لكن الرعونة قد تطاله. هناك أسئلة كبيرة ما زال الجواب عليها غائمًا، مثلًا معرفة رد الفعل الروسي الذي يدرك أنه مستهدف في هكذا عملية.

 

في حال حدوث عدوان، هل يتأثر حزب الله ماديًا، أو حتى معنويًا أمام الرأي العام اللبناني؟

 

على المستوى العملي، فمن المعروف تمامًا أن الضربات العسكرية مهما كانت قوية لا يمكنها سحق حزب الله. ليس بسبب قوته العسكرية، بل لأنه جزء من تركيبة لبنان الاجتماعية، وليس مجرد ميليشيا في معسكرات أو قواعد.. إسرائيل جربت سابقًا الغزو البري بلا  نجاح كبير. إشعال النار هذا سيشمل بؤرة متسعة، وليس لبنان فحسب. ثم أنه فعل عبثي وإجرامي، لأنه سيقتل كثيرين بالتأكيد وسيتسبب بخراب عظيم، ولكنه لن يغير المعطيات السياسية، بل يمكن أن تنتج عنه فوضى كبيرة. المعطيات السياسية لا تتغير بالقوة، وخصوصًا في بلد كلبنان قائم على تقاسم رجراج للسلطة، ومعها للثروة. وهو ما يمكن اعتباره الدرس الأساسي من 15 سنة من الحرب الأهلية فيه. وكما أن حزب الله لا يمكنه التحكم بكل لبنان، ومضطر -رغم كل قوته العسكرية ورغم كونه طرفًا متماسكًا بقوة بمقابل حالة الآخرين- إلى مراعاة تمثيل الأجزاء الأخرى من البلد، بما فيها ألد أعدائه وكارهيه، فالعكس صحيح.


اقرأ أيضاً: السعودية.. نصحاء السوء


ولو أن السعودية تريد مقاتلة إيران، فلماذا لا تفعل مباشرة مثلًا، بدل الالتفاف الدائم حول الهدف تارة في اليمن، وطورًا في لبنان. ولنفترض أن حزب الله أُضعف نتيجة الحرب المحتملة عليه، فكيف سيلغي ذلك ايران؟ وكيف سيسقط ذلك بشار الأسد؟ ومَن قال أن أشكال أخرى ربما تكون أشد عنفًا وأقل سياسيةً، لن تولد أو حتى تُشكّل لتعويض ذلك وللرد عليه، في لبنان، كما في خارج لبنان، بما يشمل سوريا والعراق وحتى فلسطين. الوضع اليوم في المنطقة، وفي العالم عمومًا، متفلت من الهندسات السابقة التي كانت تمتلك آليات تدخل وضغط وسعي لوساطات وقدرة على فرض تسويات. يبدو لي أن قرار العدوان على لبنان سيشعل المنطقة بأكملها، وهي المتخلعة أصلاً، والتي تقف على شفير هاويات كثيرة. وهو يمنح داعش وأشباهه فرصة لإعادة تجميع قواه، بل وتجديدها.

أخيرًا، هل من الحكمة أو من مصلحة السعودية أن تظهر في وضع تنسيق إلى هذا الحد مع إسرائيل؟ ولماذا ستتمكن إسرائيل من تحقيق نتائج أفضل اليوم مقارنة بما حققته في 2006 مثلاً؟ وفق أي حسابات ومعطيات؟ هذا أمر لا يتوقف على رأي اللبنانيين أو جزء منهم في حزب الله. هذا يتجاوز المواقف والأهواء، التي لا يعود لها في هكذا حالة قيمة. كما في الحروب اجمالًا التي تعطل وتعلّق السياسة، ومن هم ضد حزب الله مهما كانوا كُثر سيمكن فعلًا تسميتهم ساعتها بالأغلبية الصامتة أو المغلوبة على أمرها.. فهل سيخرجون تحت القصف بمظاهرة مثلا؟ وإنْ، فما قيمة ذلك؟
الوضع اليوم بكل فرضياته، المعلنة والمضمرة، هو لعب بالنار بالمعنى الحرفي للكلمة، وهو تعريض لما تبقى واقفًا على قدميه في هذه المنطقة للدمار.. وليس أي شيء آخر.