ولي العهد السعودي متعجّل لإحكام سيطرته على السلطة في بلاده، مستغلاً اسم وختم والده الملك المريض الذي يوافق بحسب ما يبدو على كل ما يريده ابنه المدلّل. ولي العهد السعودي يصفّي بسرعة مدهشة كل منافسيه المحتملين - علاوة على كارهيه - ويستأثر بكل مفاتيح السلطة والنفوذ في كل الميادين السياسية والاقتصادية والاعلامية والعسكرية.
ولي العهد السعودي يخالف بشكل فج كل تقاليد الحكم العديدة والمعقّدة التي نشأت عليها المملكة وعاشت بها، وعلى رأسها مراعاة التوازن بين مراكز القوى الأسرية داخل آل سعود الذي يقابله منحهم للحاكم تسليماً رضائياً به من قِبلهم، وهو القانون الذي استمر فعالاً حتى الآن. وقد حاول الملك عبد الله تنظيم السلطة والوراثة بإنشائه "هيئة البيعة" في 2006 تلافياً لصراعات متوقّعة بين الأبناء والأحفاد بعد رحيل الرعيل الأول، الأبناء الأربعين لعبد العزيز آل سعود، أول الملوك بعد توحيد البلاد تحت أمرة هذه العائلة في 1932.. وقد صار الأحفاد الآن حوالي ستة آلاف أمير من الذكور.
ولي العهد السعودي يضرب عرض الحائط بهذا القانون وبذاك الذي يليه والقائم على إدارة الخلافات (والأطماع والانتقامات والحماقات) بهدوء وكتمان، ما يقال له "الحكمة". ولي العهد السعودي يُثبت هنا أن مخاوف عمّه عبد الله كانت في محلها. ولعله يرى نفسه "مودرن" ويريد تجريب وسائل أخرى غير تلك. إلا أنه يبدو خصوصاً خائفاً بالنظر إلى الشك بمدى شرعية تعيينه بشكل استثنائي مرتين، مرّة (بينما هو أصغر أبناء سلمان) كولي لولي العهد ابن عمه محمد بن نايف، ثم مرّة ثانية عند إعفاء بن نايف نفسه منذ أشهر، وانتقاله هو إلى ولاية العهد، وهي الخطوة الأهم والأكبر، لأن بن نايف - الذي كان يفترض به وراثة سلمان - هو الأشد نفوذاً ومراساً وعلاقات دولية بين "الأمراء الملكيين".


اقرأ أيضاً: مرحلة جديدة من الصراع على السلطة في السعودية


وقد لقي بن سلمان في حملته التطهيرية تلك تأييد الرئيس الأميركي ترامب المعبَّر عنه بوضوح خالٍ من كل قلق أو حتى تساؤل، كما هو حال الموقف السائد في سائر أنحاء العالم. ترامب يتحدّث عن ضرورة التخلص من الفساد! حسناً، يمكن من باب السلوى استعادة الردح الذي دار بينه وبين الوليد بن طلال مثلاً، حيث غرّد الأول منذ أشهر: "ترامب الحقيقي، أنت عار ليس على حزبك فحسب بل على كل أميركا.."، فأجاب عليه الرئيس الأميركي فوراً بتغريدة: "الأمير المغفل (أو "المحشَّش" على اعتبار النعت المستخدم هو dopey) يريد التحكم بسياسة أميركا..". كما تناولت الصحف الأميركية بمناسبة حملة الاعتقالات الصاعقة هذه وقائع عداوة الكار بين الأمير والرئيس حينما كان الأخير رجل أعمال فحسب..
مَنْ غير ترامب؟ إسرائيل بالطبع التي تؤيد هجوم السعودية على إيران وتؤجج النار وتعتبر "استقالة الحريري تكشف مبلغ ارتهان لبنان لإيران وتثبت الضرورة الداهمة للفعل، وذلك جليّ" (جيروزاليم بوست المقربة من السلطات، وكذلك برقيات سريّة من الخارجية الإسرائيلية إلى السفراء في العالم كشفتها القناة العاشرة الإخبارية)، فيما تخشى "هآرتز" (الأكثر اعتدالاً إجمالاً) من أن تكون الخطوة تهدف لـ"دفع السعودية لإسرائيل كي تشن حرباً على حزب الله"! ما يُظهر مقدار ليس فحسب الانحطاط بل الجنون الذي انزلق إليه العالم، ولعله من علامات قرب قيام الساعة!


اقرأ أيضاً: سعوديون في إسرائيل.. التطبيع يحفر مجراه


يعتد ولي العهد بمشاريع ومواقف اتخذها في أقل من سنتين من السلطة وتبدو كلها كارثية: "رؤية 2030" الفارغة فيما السعودية تواجه أخطر أزماتها الاقتصادية والمالية، الحرب على اليمن الفاشلة والتي كلفت السعودية حتى الآن مليارات الدولارات، الاشتباك المضحك والعبثي مع قطر، وأخيراً مشروع "نيوم" الذي يريد تحديث الإسلام وجعله معتدلاً في جزر سياحية وترفيهية ستُنشأ في البحر الاحمر. حسناً، هناك إجازة قيادة السيارات للنساء.
ليست المشكلة في استقالة الحريري - بهذه الطريقة المعيبة بحقه - والتي وُجد لها تبرير وحيد يقول أنه أُجبر عليها سعودياً (وهذه بالمناسبة ليست نظرية حزب الله، بل هو ما قاله لصحيفة "نيويوركر" روبرت ماليه، الخبير الأميركي الذي أدار لسنوات مركزاً مهماً للأبحاث "ISG" وكان مستشار أوباما للمنطقة). والهدف المعلن هو توليد أزمة حادّة في بلد صغير، هش ومتوتر، وفي منطقة محيطة مصطخبة، وحده الله يعلم كيف ينوي محمد بن سلمان إدارتها.
ليست المشكلة في ذلك، على الرغم من هذا السيناريو المرعب، وإنما في مصير السعودية نفسها، أي الموقف الذي يمكن أن يسود بعد مرور لحظة المفاجأة والصدمة التي تسببت بها تلك الاعتقالات الواسعة، والذي يمكن أن يكون انفجاراً للصراعات في هذا البلد حديث النشأة، والذي وُلدت "الحكمة" تلك في إدارته (السائدة حتى هذه التجربة التي يخوضها بن سلمان) من رحم استيعاب العداوات الداخلية التي رافقت تأسيسه في صفقة ممتدة تاريخياً ومتعددة العناصر: قبليّة (توحيد المملكة في مطلع القرن العشرين تحت إمرة آل سعود واقصاء سائر أمراء القبائل ثم استرضاءهم)،  وايديولوجية (ميثاق الدرعية 1745 بين محمد آل سعود ومحمد عبد الوهاب، ونفوذ المؤسسة الدينية مذاك كجزء من توازنات الحكم أو كحصتها فيه)، ودولية أيضاً، بداية مع الاستعمار الانجليزي، ثم منذ ذلك الاجتماع الشهير في 1945 بين الملك عبد العزيز والرئيس الأميركي روزفلت على متن الطراد "كوينسي" (الذي أعطى اسمه للاتفاق)، وهو يمنح السعودية حماية أميركية مطلقة مقابل إمداد الولايات المتحدة بالنفط "الذي تستحقه"، وقد جُدِّد الاتفاق - كانت مدته الأصلية 60 عاماً - في 2005 في عهد الرئيس بوش.
تُرى، وبعيداً عن نظريات المؤامرة، هل هناك مَنْ يستخدم الطموحات الرعناء للأمير الشاب لإشعال النار في السعودية والخليج؟



اقرأ أيضاً: السعودية.. حكاية إفلاس مالي وسياسي غير معلن