عندما يلتقي وزراء النفط في منظمة أوبك في اجتماعهم الدوري في الثلاثين من هذا الشهر، فإن القرارات المتوقعة تبدو محسومة، كما تظلل الاجتماع أجواء من التفاؤل فيما يتعلق بالاسعار. لكن تظل قائمة التحديات الأساسية التي تواجه السوق النفطية ومدى تأثير أوبك فيها.
أهم القرارات المتوقع اتخاذها تتعلق بتمديد اتفاق خفض الانتاج بواقع 1.8 مليون برميل الذي بدأ تطبيقه منذ مطلع هذا العام ويتوقع أن ينتهي العمل به في آذار/ مارس المقبل. حتى الآن، قادت أكبر دولتين مصدرتين للنفط، وهما السعودية وروسيا، الاتجاه الى تمديد الاتفاق حتى نهاية العام 2018 ولو أن القرار النهائي سيتخذ في آذار/ مارس المقبل.
من الناحية الأخرى، فإن سعر برميل النفط من خام برنت، الذي يُعتبر سعر الاشارة للسوق، تجاوز 60 دولاراً للبرميل وذلك لأول مرة منذ أكثر من عامين، مما يخفف من عبء الضغوط المالية على الدول المنتجة للنفط ويوفر لها المزيد من العائدات، كما انه يشير الى أن استراتيجية تقليص الامدادات بدأت تؤتي إكلها من ناحيتي التخمة في السوق وتقليل حجم المخزونات، ولو أن ذلك يتم ببطء.
يعود التحسن في سعر البرميل الى أسباب متباينة، من بينها تحسن في النمو على الطلب الى جانب بروز العامل الجيوسياسي، أي التوترات التي طالت العديد من الدول المنتجة، كالعراق مع الوضع الناجم عن الاستفتاء الكردي، أو فنزويلا التي تعاني من اضطرابات

داخلية، ونيجريا حيث تهدد المجموعات المتمردة بالعودة الى استهداف المنشآت النفطية في دلتا النيجر.. على أن تجاوز سعر البرميل 60 دولاراً يشكل عاملاً نفسياً أكثر منه قفزة نوعية في السعر، فلولا حالة التخمة التي لا تزال عالقة في السوق لقفزت الاسعار بصورة ملحوظة بسبب التوترات الجيوسياسية.

 

تتالي الأسئلة

 

الى أي مدى يمكن لهذا المعدل السعري أن يستمر أو يتصاعد، خاصة والسوق في طريقها الى فصل الشتاء في النصف الغربي من الكرة الارضية حيث يتصاعد الطلب بسبب الحاجة الى التدفئة؟ هذا السؤال سيكون من بين جملة أسئلة ستطرح أمام الوزراء عندما يلتقون في فيينا، حيث سيكون عليهم التعامل مع ثلاث قضايا أخرى تتعلق بإتفاق خفض الانتاج ومستقبله.
القضية الاولى تتعلق بالاستمرار في استثناء كلٍ من ليبيا ونيجيريا من إتفاق الخفض تقديراً لظروفهما الداخلية. فهل سيتم الغاء هذا الوضع وإلزامهما بسقف انتاجي معين؟ فبفضل هذا الاستثناء تمكن البلدان من زيادة إنتاجهما في الفترة بين كانون الثاني/ يناير وأيلول/ سبتمبر الماضيين بحوالي 694 ألف برميل يومياً، وهذه الزيادة مرشحة للتصاعد، الأمر الذي سيضع قيداً على تخفيف التخمة وتقليص حجم المخزونات ومن ثم تحرك الأسعار.

 

خلص تقرير صندوق النقد الدولي عن الاقتصادات الخليجية الى أن السعودية تحتاج أن يكون سعر البرميل 70 دولاراً لتتمكن من إصدار ميزانية متوازنة في العام المقبل، بينما تحتاج بقية الدول الخليجية سعراً أقل يدور حول 60 دولاراً للبرميل، الأمر الذي يثير قضية تنويع القاعدة الاقتصادية لهذا الدول..

 

أما النقطة الثانية فتتعلق بعدم التزام الدول الاعضاء بحصصها الانتاجية في إطار برنامج الخفض. ويرد اسم العراق نموذجاً لهذا الوضع، بفعل فشله باستمرار في الوفاء بحصته المقررة. وقد عوضت بغداد توقف صادرات النفط من كركوك (حوالي 250 ألف برميل يومياً) بزيادة صادراتها من المناطق الجنوبية. وتتباين مواقف دول أخرى من الالتزام. أما الدول الخليجية وخاصة السعودية فملتزمة بخفض صادراتها بما يزيد على ما التزمت به، الأمر الذي يغطي على الزيادة في الانتاج لدى آخرين ويجعلها عملياً في موقف المنتج المرجح الذي يتحمل مسؤولية الموازاة بين العرض والطلب.
النقطة الثالثة التي تحتاج الى نقاش هو المدى السعري الذي تستهدفه الدول المنتجة عموما وأوبك تحديداً. فبرنامج خفض الإنتاج انطلق أساساً بسبب التراجع الكبير في الأسعار. والآن، ومع تحسن المعدل السعري، فما هو المدى الذي سيكون ملائماً للدول المنتجة بشكل يدفعها الى وقف العمل ببرنامج خفض الانتاج هذا.
ومع أن أوبك توقفت منذ سنوات طويلة عن استهداف أي نطاق سعري محدد وتركت الأمر لقوى السوق في هذا الجانب، إلا أن واقع الحال يفرض عليها النظر في هذا الجانب ولو بصورة إفرادية تخص كل دولة. ويمكن القول بصورة عامة أن النطاق السعري المناسب هو ذلك الذي يوفر مداخيل مالية معقولة للدول المنتجة تمكّنها من تسيير شؤؤنها من ناحية والاستثمار في صناعاتها النفطية من ناحية أخرى. على الاّ يرتفع السعر بالصورة التي تؤدي الى إخماد الطلب أو الدفع باتجاه بدائل أخرى للطاقة بخلاف الوقود الاحفوري، أو بالاستثمار في مجالات الطاقة المتجددة.


اقرأ أيضاً: المسيرة الطويلة لعودة "أوبك" إلى قيادة سوق النفط


إحدى المؤشرات التي يمكن إيرادها هنا هي التوقعات الاخيرة لصندوق النقد الدولي في تقريره نصف السنوي عن الإقتصادات الخليجية. وهو خلص الى ان السعودية تحتاج الى أن يكون سعر البرميل 70 دولاراً لتتمكن من إصدار ميزانية متوازنة في العام المقبل، بينما بقية الدول الخليجية تحتاج الى أقل من ذلك، والرقم يدور حول 60 دولاراً للبرميل، الأمر الذي يدفع بقضية تنويع القاعدة الاقتصادية لهذا الدول الى المقدمة، خاصة وأوبك لم تعد اللاعب الوحيد والمؤثر القادر على تغيير تحركات الاسعار عبر التحكم في الإنتاج.

 

النطاق السعري

 

وهناك جانب آخر يتعلق بالنطاق السعري الذي يمكن أن تستقر عليه الأمور. فلفترة طويلة ظلت مختلف التقديرات تضع هذا النطاق بين 55 - 60 دولاراً للبرميل، وذلك حتى العقد المقبل، لكن مع تصاعد سعر البرميل وتجاوزه عتبة 60 دولاراً بدأ البعض يتحدث عن نطاق سعري بين 60 - 70 دولاراً للبرميل. وهذا المعدل سيكون له دوره في إنعاش صناعة النفط الصخري الأميركية، التي وصل حجمها الى ستة ملايين برميل يومياً الشهر الماضي، مما يعني تصاعداً في الانتاج خلال 11 شهراً على التوالي. ويعتبر حقلا "بيرمين" و"أيغل فورد" هما الأكبر، ومنهما يأتي ثُلثا الانتاج الاميركي من النفط الصخري.

 

مدير أحدى الشركات العاملة في حقل "بيرمين" الاميركي العملاق لاستخراج النفط الصخري أوضح أن لدى الشركات العاملة هناك خططاً لمضاعفة الانتاج أربع مرات خلال العشر سنوات المقبلة.

 

وعلى الرغم من المتاعب التي بدأت تحيط ببعض المواقع المنتجة للنفط الصخري، ما يَظهر في زيادة الغاز المستخرج مع النفط وتقلبات أسعار الشركات النشطة في هذا المجال، إلا أن تلك الصناعة لا تزال ماضية في مسيرتها. وفي "مؤتمر النفط والمال" الذي شهدته لندن مؤخراً، إتفقت مجموعة من العاملين في الصناعة أنه ليست هناك مؤشرات على تراجع في فورة النفط الصخري، بل إن مدير إحدى الشركات العاملة في حقل "بيرمين" أوضح أن لديهم خططاً لمضاعفة الانتاج أربع مرات خلال عشر سنوات، وان لديهم حاليا 2400 بئراً وانه في مساحة الامتياز المخصصة لها يمكن حفر ما بين 20 ألفاً الى 35 ألف بئر، مما يمكن أن يرتفع بالانتاج من هذا الحقل الى 2.7 مليون برميلاً بنهاية هذا العام، والى 3.3 مليون برميل بنهاية العام المقبل. كل هذا يوفر أرضية للأسعار لتقف عليها، ويجعل من المعدل الحالي وهو 50 ــ 55 دولارا للبرميل (إذا استمر) أكثر من مجزٍ، ويوفر طاقة للنفط الصخري للإستمرار في النمو وربما للانتقال الى الجوار، في المكسيك.

قبل بضعة أسابيع، شارك محمد باركيندو، أمين عام أوبك، في مؤتمر نفطي في نيودلهي، ولفت الانظار بكلمته المعدّة التي طلب فيها من منتجي النفط الصخري الأميركيين التعاون مع المنتجين من داخل وخارج أوبك لإعادة الاستقرار الى السوق النفطية. وهذا أول تصريح علني، وبمثل هذا الوضوح، من مسؤول نفطي يرى صراحة أن كل ما تمّ حتى الآن ليس كافياً للسيطرة على الوضع، وأنه من المهم طلب تعاون منتجي النفط الصخري، الأمر الذي يشير الى الورطة التي تعيشها أوبك، وعدم وجود برنامج واضح للخروج من حالة الاضطراب في السوق النفطية.