يتصاعد الاهتمام بالرقص التقليدي الصومالي لينتقل من محاولات يقوم بها مثقفون كهول، كالسيد "هرّه ولانول"، وأخيه "هدراوي"، شكسبير الشعر الصومالي، إلى فئات أكثر شباباً يرون أنه آن الأوان للعودة للجذور والاحتفاء بمكونات ثقافتنا الصومالية التي خسرت الكثير خلال ربع قرن من عدم الاستقرار. لذا غدا غير مستغرب ألا يكون الحديث عن جانب تراثي ما نقطة عابرة، إنما حاضرة بشكل دائم في ملتقيات المثقفين والمبدعين الصوماليين، حتى في لقاءاتهم المعتادة واليومية!
مقولة تقليدية تعود الآن للتداول: "أيها الإله إجعلنا أولئك القوم الذين يرقصون فرحاً بنعمك، ويحلبون نوقهم في حبور". فعشرات الرقصات التقليدية الشهيرة والمميزة بحسب كل منطقة، بدأت تحيا من جديد، وكثير من المنظمات الشبابية تقيم الدورات للتدريب على أدائها، والاهتمام بالأزياء التقليدية وتفاصيله المميزة أيضاً غدا ملفتاً. ولا بدّ أن هناك حاجة يتلمسها المجتمع الصومالي لصيانة جوانب معنوية من وجوده، وإن وسط الاضطراب الكبير في بعض اجزائه، وبالاضافة الى الجهود المبذولة من قبل أبنائه على الجوانب المادية الملحة.

 

فرصة منعشة للروح

 

يلخص الأمر المصوّر مصطفى سعيد بحماس بعد أن يأخذ رشفة من الشاي التقليدي بحليب الإبل في جلسة مع الأصدقاء، قي مقهى شعبي: "إنني أجد في تصوير

المناسبات العائلية التقليدية، وما يترافق معها من طقوس ورقصات وأهازيج، شيئاً يمكنني وصفه بفرصة منعشة للروح تأخذني بعض الشيء بعيداً عن مهنتي في التصوير الصحافي والتصميم. الفنون الشعبية، وتحديداً الشعر والأهازيج والموسيقى والرقص، تجسد قيم ذات أهمية ثقافية كبيرة، إذ ليس هناك طريقة أفضل لقضاء الوقت للأسر والأصدقاء، من أنشطة يتم عبرها الحفاظ على الإيقاعات والأهازيج البهيجة التي ورثناها عن أجدادنا ومن ثم تمريرها للآخرين، فلا يكاد يوجد شعور جماعي بالفرح في التجمعات الرئيسية، من أعراس ومناسبات شتى، إلا بحضور رقصاتنا الشعبية، وإلا فكيف سيفرح المدعوون سوية، وهم الذي يعرفون تلك الرقصات ويمكنهم المشاركة فيه بألفة وسرور؟ عودة رقصاتنا التقليدية تعبير عن عودة حبنا للحياة"!

 

إعادة التلاحم المجتمعي

 

يضيف الأستاذ عبدالله شيخ عبدالقادر مدير مؤسسة "ديحدا" الثقافية في صوماليلاند، في معرض تعليقه على تجربته في تنظيم مهرجان "الرقص الزيلعي" قائلًا: "نحن هنا في مرحلة إعادة إعمار، والمدن تنمو كل يوم أكثر. ومع استمرار الهجرة من الأرياف، تكاد تنطفئ شعلة رقصاتنا الشعبية إلى الأبد، ومجتمعنا بحاجة لإيجاد طريقة للحفاظ عليها، ليس بالانكفاء إلى الأرياف، بل بالاستفادة مما تقدمه المدن من فرص للحفاظ على تراثنا. نحن نستطيع إعادة تعريف مجال الترفيه بها عبر دمج الرقص الشعبي باعتباره مثلاً فقرة لا يمكن تجاوزها في المناسبات الاجتماعية الكبرى، والحرص على تقديم التراث بطريقة عملية وشيقة".


اقرأ أيضاً: مشاهد من عاصمة أرض الصومال هرجيسا


نقطة أخرى يلفت الانتباه إليها: "نحن خرجنا من مصاعب كثيرة تركت آثارها على فئات المجتمع، وأعتقد أن من أجمل وسائل إعادة التواصل بين فئاته تلك، تقديم التنوع الثقافي الذي يشكل الرقص التقليدي أبرز صوره، هكذا يمكننا إعادة التلاحم المجتمعي من جهة، وإنعاش الانتماء وحب الأرض، وخلق إلفة تضمن هوية تجمع الجميع، فلا أحد يهتم كثيراً من أي منطقة هو إن أعجبته رقصة من منطقة أخرى، سيتعلمها ويرقصها كلما سنحت له الفرصة".