مئة عام! المناسبة تفرض نفسها بالطبع. وهكذا انتشرت السجالات والمؤتمرات والاحتفاليات. ولأن اسرائيل هشة ــ على الرغم من كل ما أنجزت بالاتجاه المقرّر لها ومنها، وعلى الرغم من قوتها في أكثر من ميدان وليس في التكنولوجيا فحسب ــ فهي تحتاج إلى طمأنة مستمرة. وهذه تولّت قيادتها بريطانيا، صاحبة بلفور في حينه. رئيسة الوزراء تيريزا ماي تعلن فخرها بـ"الإعلان"، ووزير خارجيتها، وريث بلفور ذاك، يرد على المطالبة بالاعتذار عن تلك الجريمة بأن ذلك يعني التشكيك بشرعية إسرائيل اليوم.. وكأن السادة الامبرياليون ما زالوا يظنون أن مواقفهم وأعمالهم وأقوالهم هي ما يمنح صكوك الشرعية لأي شيء، وهو منطق يجعل ذلك المفهوم يطابق الواقع ويتماهى معه: فكأن قاتلٌ يمكنه اعتبار فعلته شرعية بدليل أنه تمكّن من تنفيذها. وأما فرنسا، التي تأبى التأخر عن هكذا مناسبات، فقد قررت الاحتفال بـ2018 كـ"عام إسرائيل في فرنسا"، باعتباره يطابق الذكرى الـ70 لنشوئها.
حسناً، لا يهم. فعلاً لا يهم لأنه لا يغيّر شيئاً من حقيقة أعلى منه، وهي أن إسرائيل حديثة النشأة تلك، ما زالت تحتاج لتأكيد وجودها بصورة دائمة، بمناسبة ومن دونها، كعلامة على الخوف الشديد. مما تخاف إسرائيل؟ من أن طفلاً بائساً ومقموعاً في مخيم من مخيمات اللجوء في لبنان (وسواه) يرسم، حالما يجد نفسه أمام عدسة كاميرا، شارة النصر بأصابعه (تلك التي مارسها

ونستون تشرشل كثيراً، وهو أحد عرّابي إسرائيل منذ الإعلان / الوعد). مِن أن فتية وفتيات القدس لجأوا في مثل هذه الايام منذ عام الى مقصات الخياطة في أدراج امهاتهم، وسكاكين مطابخهم، ليعلنوا أنهم ــ وهم أبناء الجيل الرابع ــ لم يستسلموا للواقع، على الرغم من معرفتهم بمدى قسوته، وبأن موقفهم ذاك على بساطته سيكلّفهم على الأرجح حياتهم.


اقرأ أيضاً: "وعد بلفور" في سياقاته.. مئة عام على التجزئة والاستعمار


ولكن هل يكفي بأن يكون الحق والمنطق والتاريخ معنا؟ هل نكتفي؟ طوال مئة عام، لم يتوقف الشعب الفلسطيني عن استيلاد المقاومات. قد تخبو حركتها لفترات، قد تُهزم وقد ينطفئ وهجها بسبب سوء تدبيرها، أي كمّ من الأخطاء ومن أشكال التخلي المختلفة. وأيضاً بسبب معطيات موضوعية قاهرة لا تخصها مباشرة، ولكنها تقرر مصائرها.
ولو جنحنا الى حساب الحصيلة بمناسبة المئة عام تلك، فستُسجل الهزائم والاحباطات بالتأكيد، وصعوبات الحال الآن وبؤسه، وأشياء معيبة كان يمكن تلافيها.. ولكن وأيضاً، فستُسجَّل تلك اللحظات المضيئة، كبيرها وصغيرها، وهي لكثرتها عصية على التعداد. وهناك احتضان دولي متعاظم، شعبي بدلاً من الرسمي، بحيث أن أحداً في العالم اليوم لا يمكنه إنكار وجود فلسطين والفلسطينيين ــ وهذا بالحد الادنى. وأكثر المواقف انحطاطاً تطالب بدولتين: "إسرائيل وإلى جانبها فلسطين"! وإن كان ذلك اسلوباً للتسويف أو هو الإطار الجديد لإجهاض المسألة الفلسطينية ولإنقاذ إسرائيل، إلا انه يستمد حججه من الإقرار أولاً بوجود مشكلة، ومن الاعتراف ثانياً بفلسطين، تلك التي قيل في الأدبيات الصهيونية أنها أرض قاحلة وأن سكانها الأصليين "عربٌ" طارئين (التسمية الرسمية للفلسطينيين في الادبيات الصهيونية وفي الخطاب السياسي الاسرائيلي) يمكن طردهم و"إعادتهم" الى مكان آخر.



المعارك المتعلقة بالقناعات السائدة ليست بالشيء القليل أيها السادة المحبطون والمتشائمون! وأما "حركة المقاطعة وسحب الاستثمارات والعقوبات" (BDS)، فهي فلسطينية وعالمية في آن. وجمهورها ومناضلوها هائلو القوة، يقاتلون من دون ظهير رسمي، وبالاستناد إلى إرادتهم وذكائهم وحماستهم والقيم التي يتبنونها ويدافعون عنها. وآخر أخبارهم أن السينمائي العالمي/ البريطاني كين لوش، الذي نال "السعفة الذهبية" عن رائعته "أنا دانيال بلاك" (وهي المرة الثانية التي يحصل فيها لوش على الجائزة الاولى في مهرجان كان، عدا جوائز أخرى هنا وفي مهرجانات عديدة)، قرّر تخصيص كل إيرادات عرض فيلمه الأخير في القاعات الاسرائيلية لحركة المقاطعة، قائلاً إنه بذا يسجل "دعمه لنضال الشعب الفلسطيني من أجل الحرية والعدالة والمساواة"، أي القيم التأسيسية للعصر الحديث!
وفي النهاية، فكما هناك تعب أو تخلٍ وخيانة، هناك مقاومات على كل الصعد وبكل الأشكال، المسلحة والسياسية والثقافية والنفسية.. لا يبدو أن مرور الزمن يعالجها (ولا القمع ولا التجبّر). وهذا واقعٌ أيضاً، وهو قوي بحيث لا ينكره الإسرائيليون أنفسهم، على الرغم من كل عجرفتهم.
إذاً: الصراع مستمر!